الجمعة , مارس 20 2026
الرئيسية / اراء / تونس..من مصدر إلهام إلى إحباط للشعوب المتطلّعة للديمقراطية!

تونس..من مصدر إلهام إلى إحباط للشعوب المتطلّعة للديمقراطية!

د.أنيس الخصاونة*
ما يحدث في تونس الخضراء ،تونس ابن خلدون وتونس أبو القاسم الشابي عجبا عجاب .. رئيس ديمقراطي استمد شرعيته من صناديق الإقتراع في انتخابات عامة وحرة ينقلب على الديمقراطية ،ويحل السلطات التشريعية والقضائية ويتولى السلطة التنفيذية بنفسه .الأهم من ذلك كله استبدال دستور البلاد الذي لم يمضي على اعتماده ثمانية سنوات بدستور جديد للبلاد أقل ما يقال فيه أنه يشكل نكسة للحياة السياسية وللديمقراطية في ذلك البلد العربي المسلم .دستور يضرب بعرض الحائط يتضحيات الشعب التونسي وشهدائه من أجل الحرية ومن أجل التحرر من إستبداد دام أكثر من ثلاثة عقود من الزمان….دستور يجعل من رئيس الدولة امبرطور لا بل دكتاتور يتمع بصلاحيات واسعة على حساب السلطات السياسية الثلاث في الدولة وكأن الرئيس قيس السعيد ،الخبير في القانون الدستوري، لم يقرأ لمونتسيكيو، وجاكوربيه ،وألموند وفيربا في أن السلطة المطلقة هي مفسدة مطلقة وأن تركز السلطة بيد شخص أو جهة واحدة يؤدي إلى الإستبداد والفساد والتغول على الحقوق ،كما يشكل فتيلا لثورات الشعوب على الظلم والتهميش وعدم العدالة.
السؤال الذي يطرح نفسه كيف يمكن لرئيس جاء بأصوات الناخبين والإرادة الشعبية أن يتحول إلى دكتاتور؟كيف يمكن لرئيس أن يلغي الدستور ويضع دستور حسب رغباته وميوله السلطوية ليقود تونس إلى الوراء ويعيدها إلى مربع الإستبداد..كيف يمكن لرئيس أن يجرد دستور بلاده من المرجعية الإسلامية لشعب يشكل المسلمون فيه ما نسبته 95% من السكان بحجة واهية مفادها أن الدولة ليس لها دين..والحقيقة أن الأجوبة على هذه التساؤلات ليست صعبة حيث أن دروس كثيرة في التاريخ تفيدنا بأن الفرد نزاع لتعظيم سلطته ونزاع للعظمة والإستبداد مالم يكن هنالك مؤسسات تحول دون تلك النزعة إلى الإستبداد وتضع ضوابط اصطلح على تسميتها بعلوم السياسية والقانون “الفصل بين السلطات”.إن السبب في تركيز كل الأنظمة الديمقراطية في العالم على مبدأ الفصل بين السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية) هو للحيلولة دون سيطرة الحكومة على نواب الشعب المنتخبين، ولضمان استقلالية القضاء الذي يبت في الخلاف بين السلطات ويراقب أدائها وفقا للقوانين النافذة.
ما خطب السيد قيس السعيد الذي سمعناه قبل أن يصبح رئيسا وهو يؤكد على ضرورة أن يكون الإسلام أحد مصادر التشريع في الدولة ،والذي سمعناه أيضا وهو يتحدث عن إرادة الجماعير والحريات!. ما خطب هذا الأكاديمي الذي لم يكن يعرفه أحد قبل أن يصبح رئيسا ويقود البلاد إلى عدم الإستقرار مستغلا بعض الاتجاهات غير الإيجابية نحو حزب النهضة (الإخوان المسلمون) والتي أسهم الرئيسين السابقين لتونس بورقيبه وبن علي في إرسائها وتجذيرها في ذهنية فئة من التوانسة العلمانيين.
في الدستور الجديد لتونس تم تغيير اسم السلطة التشريعية إلى الوظيفة التشريعية وكذلك السلطة القضائية إلى الوظيفة القضائية ،وأصبح إعفاء الرئيس ليس من صلاحيات البرلمان في حين أن دستور 2014 كان يعطي الحق لثلثي أعضاء البرلمان في إعفاء الرئيس .الدستور الجديد لا يتضمن رقابة للسلطة التشريعية على الحكومة علما بأنه وفقا لهذا الدستور يصبح اختيار رئيس الحكومة من صلاحيات الرئيس في حين أن الدستور القديم كان يعطي الحق للحزب الذي له الأغلبية في البرلمان لتشكيل الحكومة.
تقهقر كبير في الحياة السياسية في تونس وبصمات واضحة للرئيس السعيد في قيادة بلده نحو المجهول.تونس للأسف تعود إلى عهد بورقيبة وفكره المعادي للاسلام ،والمنهاض للحريات العامة والتعددية السياسية، والتداول السلمي للسطة. لقد فتنت السلطة وبريقها الرئيس قيس سعيد فتنمر على كافة القوى السياسية ،وتحول إلى نموذج يحاكي القادة الدكتاتوريين ليقود بلده إلى التسلط ،وحكم الفرد ،ومستقبل سياسي يشوبه الغموض وحالة من عدم التأكد.المؤسف فيما جرى ويجري في تونس يكمن في ضياع كفاحات الشعب التونسي ونضالاته من أجل الحرية والديمقراطية . ما يجري في تونس عمل ممنهج يحول هذا البلد العربي المسلم من مصدر إلهام لثورات التحرر من الظلم والإستبداد إلى مصدر إحباط لكافة الشعوب العربية وغير العربية الساعية الى الديمقراطية وبناء الدولة الحديثة القائمة على احترام حقوق الإنسان وإرادة الجماهير….ما يجري في تونس محزن ولكنه لن يدوم، وقد تعلمنا من تاريخ التطور السياسي للدول أن سير الشعوب نحو الديمقراطية لا يتأتى نتيجة للنضال الجماهيري فقط ولكنه يتحقق بفعل قوى حتمية تاريخية هي ذاتها التي قادت دول أوروبا المتناحرة إلى ديمقراطيات حقيقية تحتكم فيها القيادات السياسية والحكومات إلى إرادة الناس وليس العكس.
*كاتب اردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

متى يفيق“مخمور” البيت الأبيض؟

  محمد أحمد سهيل المعشني* ​لم يعد الصمت “حكمة”، ولم يعد التريث “دبلوماسية” في يومٍ …