الأربعاء , سبتمبر 28 2022
الرئيسية / اراء / ضرورة إعادة التأسيس لوعي ثوري جديد!

ضرورة إعادة التأسيس لوعي ثوري جديد!

بشير عمري*
لا تزال الأسئلة الكبرى والموضوعية بخصوص الانتاكسات والانكسارات الثورية التي تعرفها التجارب القطرية العربية، فيما عُرف بالربيع العربي، تفرض نفسها على الراصدين والدارسين لشأن هاته البقعة المعقدة معادلتها في حسابات الجيوسياسية حيث يحتدم الصراع ويضيق بأرقامه وعناصره في الداخل القطري كما في الخارج اقليما ودوليا.
لكن ثمة سؤال وجيه ووجيع في الوقت ذاته يتعلق بمدى حضور ثقافة الثورة كآلية حتمية للتغيير، في الضمير الوطني، على اعتبار أنها (الثورة) ارتبطت أكثر بالحالة التحررية من الآخر لدى العامة واستقرت في وعييهم بأنها آلية آنية للعبور إلى وضع جديد وحيد وليس مسارا وحالة استمرار تاريخي في الصراع بين الماضي والحاضر، بين الخير والشر، في حين ترسخ مفهوم الثورة لدى النخب وفق المعطى النظري، وصار التغيير بالتالي عبر التثوير يحتاج إلى “يوتوبيا” فكرية مجتمعية لفرط تعقده وتكلفه المفاهيمي.
في هذا الاتجاه تحديدا، نشر المعارض والحقوقي الجزائري الدكتور صلاح الدين سيدهم، كعاجة منشوراته الهامة والمثمرة، عبر حسابه بالفيسبوك، موضوعا مهما للنقاش والاثراء، ذكر فيه كيف أن الثوري والمجاهد الجزائري الراحل أحمد بودة، في بداية التسعينيات من القرن الفائت، سخر من حديث بين جامعيين حول نظريات التغيير والتثوير جري ببيت الدكتور سيدهم حول السياسة، وقال من شدة التعقيدات النظرية التي كان هؤلاء يلوكونها على مسمع منه “الحمد لله أن نقاشكم هذا لم يحدث أثناء كتابة بيان أول نوفمبر الذي تداعت له جميع الفصائل والتيارات في الجزائر، وإلا كنا لا نزال إلى هاته اللحظة نتجاذب ونتجادل حول وضع الفواصل والنفاط” .
بقدر ما يبدو الموقف نُكتي بقدر ما يظهر عميق وجوهري، ذلك لأن النكتة كما وصفها المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري “تحمل رؤية للعالم” فأحمد بودة باستماعه للجدل الأكاديمي أو النظري الصرف، بين جامعيين، استحضر الشروط الثورية التي أتيحت لجيله سنة 1954 وبها تمكنوا من دحر قوى استعمارية تملك قوة العصر الفكرية والمادية المدنية والعسكرية، شروط عملية قفزت على الكثير من الشروط أو العناصر النظرية التي هي من مستخلصات ومستحطرات التجارب الثورية الإنسانية عبر التاريخ تأسست بها الثورة أكاديميا كقانون علمي أكثر منه عملي .
موقف الراحل المجاهد أحمد بودة الذي ينتصر فيه للتجريب الثوري أكثر من التجريد، يعزز المقولة الشهيرة للشهيد والرمز البطل العربي بن مهيدي التي لم تلقى، كما أشرنا في غير ما مناسبة، الاهتمام النظري والتأصيل الأكاديمي من عقولنا الجامعية المستهلكة لمنتجات المعرفة والعلوم باعتبارها وحيا نزل على الآخر وليس تأصيلا لتجاربه التاريخية، إذ قال بن مهيدي “ألقوا بالثورة إلى الشارع يلتقطها الشعب” !
“شعبنة” الثورة وفق الممكن التأويلي لمقول الزعيم الشهيد العربي بن مهيدي، تعني النزول عند الشروط الموضوعية الإجرائية للثورة على اعتبار أن الشعب هو منتجها وهو مؤديها وهو أخيرا المستهدف بمؤداها أي نتائجها، فإذا لم يتلقاها وفق تلك الشروط الموضوعية التي تتحكم في محيطه فلن يتجاوب معها، ولن يؤديها على أكمل وجه وبالتالي لن يستفيد من أبعادها حتى لو تحققت هاته الثورة بأي شكل من الاشكال (عسكريا)، والدليل هو الآن واضح في التجارب الثورية للربيع العربي، حيث تتساقط الواحدة تلوى الاخرى !
التجريد الثوري هو نشاط نخبوي عربي يحيل الوعي بالتغيير إلى شروط أخرى غير ذاتية غيرية وبالتالي يضمر الأساس الموضوعي البيئي الخاص، من هنا تتكرس الاستحالة التغييرية بوصفها غاية النشاط السياسي، وتُحبط كل محاولات الشعوب الثورية باعتبارها غير مستوعبة لقوانين الثورة النظرية الأكاديمية، وبالتالي يتوجب على المجتمع والشعب الارتقاء إلى هذا القانون والوعي به كلية كي يتسنى له تحقيق التغيير المنشود.
أما التجريب الثوري الذي ينبع من الخصوصية والعبقرية الذاتية في بعدها العملي كما حدث في غير ما محطة تاريخية إنسانية لأمم عدة، يشار إليها اليوم على أنها معالم بارزة في التغيير التاريخي بالعالم، أشار إليها بـ”التلقف الشعبي” الشهيد بن مهيدي في مقولته الشهيرة “المسلوفة بالذكر، تكاد تختفي في الجدل الثوري العربي، لهذا تبرز الصفرية المقيتة كعنصر دائم الحضور في جهود ومحاولات التغيير، أي البدء الازلي من الصفر، وثورة تنسخ وتمسخ ثورة وتصحيح تمحُ تصحيح، والنقد النخبي الأكاديمي باق مستقر عند ظلال كلامه النظري الخاوي.
هكذا إذن يبدو المشهد الثوري العربي متداعيا لآلامه وجروحه في التاريخ بسبب افتقاره للعقل الفاعل وسيطرة العقل القائل والقاتل في منتهى نشاطه وجهده واجتهاده، وانسجان الأمة داخل صالونات الكلام المجرد للتاريخ حيث تعلب المصائر وتجمد بالنقد كل المبادرات التي تنبع من إرادات الشعوب !
فأحوج ما هي إليه حقا الأمة اليوم، هو القدرة على فهم تراثها السياسي في أبعاده الثلاث، التحرري ضد الاستعمار، النضالي ضد الاستبداد، الكفاحي ضد الفساد، وهي كلها عناصر متصلة ببعضها البعض كمراحل مُمعلمة للتجربة الوطنية والقطرية بكل خصوصياتها، وهذا لن يتأتى طبعا إلا بتحرر النخب من المكبلات النظرية، والمقاولات العلمية الصارمة الصلبة التي تعادي تجارب الأمة في التاريخ، ومعاودة الاندماج في البيئة السياسية والتاريخية الخاصة، حتى تعطي لنفسها مبررا للوجود الطليعي في المجتمع، مثلما أوصى به الراحل أحمد بودة بنقده الثاقب والعميق لحديث الدكتور صلاح الدين سيدهم وزملائه الجامعيين، النظري والعلمي بشأن السياسة والثورة والتغيير، كما أن الشعوب مطالبة بحد أدنى من التبصر التاريخي وتوظيف الألم الاجتماعي في سياق تفعيل أسئلة فهم الواقع كي تراكم المستوى المقبول من الوعي اللازم كشرط لتلقف الثورة وتفعيلها في الشارع وبلوغ بالتالي التغيير لمنشود، وهذا وفق ما ساقه بن مهيدي وهو يوصي السياسيين والعارفين من نخب الثورة بضرورة تحريرها من صالونات الكلام وجعلها في يد الشعب يحققها بوعيه وقدراته وتطلعاته على وقعه المأزوم المكلوم !
*كاتب جزائري

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

▪ثورات العرب وأحزابهم «تعقيب على ما سبق» !

  “أنظمة الحكم الثورية العربية لم تتبنَّ مشروع بناء الدولة وثقافة الاعتراف بالآخر” بقلم/ فيصل …