الأربعاء , سبتمبر 28 2022
الرئيسية / اراء / عباس والهولوكوست الألماني

عباس والهولوكوست الألماني

د. عمر صبري كتمتو*
لم يُخطئ الرئيس الفلسطيني محمود عباس في توضيحه لما صرح به خلال المؤتمر الصحفي المشترك في برلين مع المستشار الألماني أولاف شولتس٫ وأكّد عدم إنكاره للمحرقة التي تعرض لها اليهود في ظل الحكم النازي في المرحلة الهتلرية.
كما أنه لم يذكر عدد ضحايا المحرقة الستة ملايين يهودي، والثلاثة ملايين غجري ، الذين لم يذكرهم أبداً كل او معظم قادة اوروبا الديمقراطية، ليس نسياناً لكن لأنهم ليسوا يهوداً.
لا أعتقد أبداً بأن ردة الفعل الالمانية الإسرائيلية الغاضبة على الرئيس الفلسطيني هي نتيجة عِشقِ الالمان او الاوربيين عامّةً لليهودية ، أو للديانة الموسوية، بل إن تلك الانغعالات الغاضبة نجدُ وراءها سببان آخران ، أوّلُهما إن المجرم يغضب من كل من يعيده إلى استذكار جريمته أمام العالم كله والذي تحوّل الى مايشبه غرفةَ إعلامٍ واحدةٍ مقروءةٍ ، ومرئيّةٍ ، ومسموعةٍ ، وبواسطة التواصل التقني الأُممي السريع.
وقبل انتقالي الى السبب الثاني لابد لي من تأكيدي للقارئ بأن النفاق الأوروبي هو الهولوكوست الحقيقي للفكر الحر في دولٍ تُقَنِنُ الحريات العامّة بتشريعاتٍ دستوريةٍ ، حفاظاً على حماية أصحاب القرار في تلك الدول المشرِّعة، خِشيَةَ الضرر الشخصي الذي قد يلحق بهم إن لم يشرّعوا في دساتيرهم تقنين الحريات لإرضاء من يشكلون لهم قلق الإطاحة بهم، فيُصبحَ الحل الوحيد أمامهم، هو التظاهر المنافق بحب اليهود ، علماً بأنهم كانوا، ولا يزالوا يكرهونهم منذ ماقبل فصل الدولة عن الكنيسة ، ومنذ أن كتب ويليام شكسبير مسرحيته تاجر البندقية في القرن الخامس عشر المعادية لليهود، مرورا بالحربين العالميتين وحتى القرن الذي نعيش فيه، نعم لايزال اصحاب القرار في اوروبا واميركا يكرهون اليهود، وحتى صياغة هذا المقال. ولا أقول هذا من منطلق حاقد على معظم القادة السياسيين الأوروبيين، لا أبداً فمنهم كثيرون ممن لازالوا يحملون ضميرا حيّاً وشجاعاً أدّى إلى إقصائهم عن الحكم ، ومن خلال اللعبة الديمقراطية.
أما السبب الثاني فهو شديد الإرتباط بالسبب الأول. فالكراهية لليهود هي التي كانت وراء الجُهد الكبير للصهاينة غير اليهود من الأوروبيين الذين عملوابتنظيمٍ رتحالفٍ ذات طابعٍ ماسونيٍ لإقامة دولةٍ لهم على حساب شعبٍ آخر يعيش تحت انتدابٍ بريطانيٍ في فلسطين، ومن خلال الوزير بلفور، وهكذا تتخلص منهم أوروبا ، فتصبح فلسطين دولة لليهود. ولا بدّ من التنويه إلى ما ذكره بعض المثقفين والمؤ رخين الاسرائيليين، امثال البروفيسور إللان بابيه وبعض الصحفيين منه أصحاب الحقيقة والضمير والعدالة ، من أنَّ أنشطَ من سعى لإقامةِ الدولة من الساسة الأوروبيين كانوا معادين للسامية. فقد كان الهدف هو اخراجهم من اوروبا.
ولهذا عندما تقتلع اسرائيل الاشجار في الضفة، وتسيطر بالقوة على اقتطاع الأراضي ، وبناء المستوطنات، وتهجير اصحاب الارض ونسف البيوت وسرقة المياه، عدا عن القتل والجرائم التي جعلت الهيئات الدولية التي اعتبرت اسرائيل دولة فصل عنصري، تُسرع المانيا إلى البوندستاغ كي تضع في دستورها تشريعاً جديداً فحواه أن كل من يصف اسرائيل بأنها نظام فصلٍ عنصريٌ يُعرّضُ نفسه للسجن مستخدمة الديمقراطية لكتم أنفاس الحريات. وإذا مالجأنا نحن الفلسطينيين، الى أوروبا مستنجدين بديمقراطيتها وقِيَمها الإنسانية، يخرج علينا الناطق باسم الحكومة ويقول بصوتٍ عالٍ أجش (هذا غير مقبول) من السرائيليين موجهاً تعليقه للصحفيين ولآلات التصوير دون ذكرٍ لكلمة الاحتلال.
لهذا كله اعتبرت اسرائيل واوروبا وأميركا أن هذا الرئيس الفلسطيني قد كفر، متناسين ماقاله عن توصيفه للمسلم علناً وأمام شاشات التلفزة، وبدقةٍ لا هوادة فيها هذا القول عن اليهودي. قال الجملة التالية مرتين (ان المسلم اذا قال انا ضد اليهودي ، فقد كفر) لكنه بمجرد ماذكره عما يعانيهه شعبه من قتلٍ وظلمٍ و تهجيرٍٍٍٍ وأسرٍ ، ودمارٍ وفصلٍ عنصريٍ ، كل هذا نسِيتْهُ أوروبا الديمقراطية واميركا وإسرائيل ، ولم يشْفعْ للرئيس الفلسطيني اشارته للحقيقة التاريخية التي لم يكنلنا فيها علاقة من قريبٍ او بعيد بل هي شأنٌدالماني بامتياز.
لقد درست في الاوروبتين وعملت فيهما اعيش مع اسرتي المختلطة فلسطينياً واسكندنافياً منذ حوالي سبعةٍ وأربعين عاما، وهذا نتاج ما عايشته خلال هذه السنين من تجربتي الأكاديمية والسياسية، والديبلوماسية، وهذه هي الحقيقة المرة، التي ينتُجُ عنها شعورٌ قاهرٌ غريب لدى الإنسان الفلسطيني المظلوم عندما يفكر فيما سيُقال عنه إن نطق بالحقيقة عن الصراع مع اسرائيل، فكلما جلس الفلسطيني ليكتب عن هذه الحقيقة ورغم إنه سامِيُّ العِرق ، يشعر أنَّ في داخله رقيبٌ بوليسيٌّ يحذِّرهُ كي لايرتكب (إثماً) بحق من أخذ بيته ثمناً لما فعلته المانيا مع الموسويين لم يكن الشعب الفلسطيني القاتل او الحارق، وعندما يُدفعُ الفلسطينيُ الى اليأس ، فيحمل سكيتاً ليقتلَ مستوطناً إسرائيلياً يحمل بيده سلاحا ، تتسابق وسائل الإعلام في العالم لتتحدث عمّا يُسمّونه (الإرهاب الفلسطيني)
*سفير فلسطيني سابق

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

▪ثورات العرب وأحزابهم «تعقيب على ما سبق» !

  “أنظمة الحكم الثورية العربية لم تتبنَّ مشروع بناء الدولة وثقافة الاعتراف بالآخر” بقلم/ فيصل …