الأربعاء , سبتمبر 28 2022
الرئيسية / اراء / منهجية الفوضى وصناعة الدولة الفاشلة!!

منهجية الفوضى وصناعة الدولة الفاشلة!!

خالد شحام*
في عام 2005 أدلت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس بتصريح بسيط لصحيفة واشنطن بوست وشرحت فيه النهج الجديد الذي سيطبق لصناعة شرق أوسط جديد لخلق ديموقراطيات من رحم الدكتاتوريات واطلقت اسم ( الفوضى الخلاقة ) على النهج الذي سوف تتبناه الولايات المتحدة لفعل ذلك .
لاحقا وفي مطلع ما عرف بثورات الربيع العربي الكارثية تم توظيف هذا المصطلح للإيحاء بالقوة والنفوذ والحضورالأمريكي بين الشك واليقين في البلاد التي اندلعت فيها الاحتجاحات ، تبين لاحقا أن ثورات الربيع العربي فعلا تم العبث بها وجرت إعادة توجيهها لتصبح جزءا من ادوات السيطرة والإمتطاء الاستعماري بعد أن كانت ثورا هائجا أفلت من قفصه ولم يحسب له حساب ، واليوم وبعد مضي كل هذه السنوات ظن البعض أن هذا المصطلح قد استهلك وانتهى زمانه واقتصر على تحريك الثورات الفاشلة وتحريض الصدامات ، لكن الحقيقة أن روح القديسة كونداليزا لا تزال جاثمة بثقل وبطء وتشتغل في بلادنا مع جرعات كبيرة من التسلية والمتعة وتمارس صناعة الفوضى التي أعلنت عنها في زمانها الأسمر ، أصبح لزاما على كل مثقف ومفكر وصاحب قرار عربي أن يتأمل ويتفكر جيدا في اجمالية المشهد العربي ليرى وينظر بنفسه كيف أن هذا المصطلح لم يستهلك ولم ينفذ مفعوله كما نتخيل ، بل على العكس هو يطبق الأن وبأفضل ما يمكن تطبيقه ، الفوضى هي اليوم في طليعة المنهجيات المستخدمة في تفكيك قسم من الدول العربية فيما البقية الباقية تنتظر دورها ، إنه ليس مزحة ولا مجرد كلمات خطابية ، إنه ما نعانينه الان بالتمام والكمال عربا وغير عرب .
ماذا يعني مصطلح الفوضى في هذا الإطار وكيف يمكن أن تطبق نظرية الفوضى ضمن نهج منظم ومدروس بعيدا عن إثارة المعارك والصدامات والحروب ، هل يمكن تطويع الفوضى لتكون رأس حربة تشق صدر الأمة والدولة والشعب ؟ الجواب هو نعم سادتي يمكن ذلك وبسهولة خاصة عندما تمتلك البيئة المحضرة سلفا والأداوت والكوادر والميزانيات والخبرة العلمية والإدارية لتفعل ذلك وهذا ما تقوم به المرحلة الاستعمارية المعاصرة التي تتزعمها الولايات المتحدة وتنوب عنها دولة الكيان العبرية والعربية .
الفوضى التي نتكلم عنها تعني بشكل مبسط تفكيك الأنظمة المعيشية النظامية وغير النظامية وتحريرها من الأطر المعتادة والنتائج التي يمكن التنبؤ بها وإحداث تحور حقيقي في سبل الوصول إلى الغايات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، هذا الكلام بترجمته البسيطة يعني أنه لم يعد بمقدروك الحصول على حقوق المواطنة ضمن شروط الاستحقاق الطبيعي بل يمكنك فعل ذلك من خلال طرق ملتوية ، و يعني أنه لم يعد من الممكن أن تضمن منتجات التربية والتعليم لأطفالك لأن المسارات المضمونة النتائج انقلبت وتحورت وأصبحت المخرجات في علم الغيب ، و يعني أن شخصا ما قد يصبح بين ليلة وضحاها ثريا ومتنفذا من خلال ركوب جسر الفساد وإسقاط الطرق التقليدية في صناعة الثروة والنفوذ مثل العمل والصناعة والزراعة والعمل السياسي وغيرها ، لقد قلبت نظرية الفوضى حياة المواطن العربي إلى الدرجة التي لم يعد ممكنا فهم لماذا يتم تعيين فلان وزيرا كمثال ! ولماذ تم اختيار فلانا رئيسا للبنك المركزي ؟ ولماذا تم إجراء الاتفاقية الفلانية أو تم إلغاء او ابتكار النصوص القانونية الفلانية ؟ في علم الفوضى يمكنك أن تصبح على حال وتمسي على حال مختلفة دون ان تفهم كيف ولماذا !
دعونا نصحبكم في جولة مع مقتطفات من علم الفوضى السياسية الممنهجة:
إن الهدف الأساسي من تطبيق نظرية الفوضى في حياة ومعاش الشعوب العربية ينحصر في ثلاثية قاتلة : إفقاد مكونات الدولة السيطرة أو القدرة على التنبؤ بمسار أي حدث في البيئات المستهدفة – تغييب مرجعيات القرارات الكبيرة والصغيرة بحيث لم يعد أحد يفهم شيئا أو يدرك لماذا يحدث ذلك وكيف و إلى أين – اذابة وتلاشي قواعد وقوانين المنطق والصواب وفقدان معايير الأداء وتتحول القوانين الى قوالب مخادعة ديكورية في حالة انفصام تام عن الواقع وتطبق بشكل انتقائي في اللحظات الموافقة لنهج الفوضى – إفقاد المواطن الثقة ببلده ومؤسساتها وقوانينها وجيشها وقيادتها – ان الفوضى الداخلية تعني بالحرف الواحد تشليح الدولة من أية مقومات وعناصر قوة وبالتالي تفقد أهليتها لتكون ذات أي شأن أو قوة خارجية أو ذات أي وزن في الحسابات الاقليمية لتفعل أو تتحكم بقرارها السيادي ، الموات السياسي هو النتجية الحتمية لأية دولة تطبق عليها هندسة الفوضى .
تبدأ رحلة تأسيس الفوضى من خلال منظومة عقوبات أو حزم مساعدات بالاستيلاء على عناصر حصانة الدولة ومراكز استنادها القوية ( مؤسساتها الخدمية الشعبية – ثرواتها – مياهها وطاقتها ومعادنها -مواقفها الثابتة…. ) الأفخاخ الأولى هي القروض والمنح وفقدان الرصيد الوطني من المؤسسات الراسخة الأساسية والخضوع لقرارات فوائد الديون واستحقاقات التشليح والخضوع التي تترتب على ذلك والضربة التالية تسمى إعادة الهيكلة.
الخطوة الأكثر أهمية وحساسية وثقلا تتمثل في إزاحة الشخصيات المؤثرة التي تتوافر فيها صفتان أساسيتان من أية مراكز سلطة أو نفوذ : القدرات العقلية والفكرية + الإنتماء الوطني والقيم الأخلاقية ، هاتان الصفتان تشكلان خطرا دائما في حال اجتماعهما في ذات الفرد لذلك يجب تحييد الأشخاص من هذه الفئة ثم تاليا تحييد أي عنصر أخلاقي والتركيز على الشخصيات العدمية المفرغة التي يمكن ملؤها بأية أوامر أو تعليمات دون تفكير ولا مراجعة .
الخطوة التالية هي تشكيل كتلة مؤثرة أو فعالة من خلال الفئة المفرغة التي تم إنتقاؤها سابقا ، هذه الطبقة يجب أن يتواجد فيها متنفذون وأصحاب رؤوس اموال وبنوك وعناصر امنية عليا وموظفو دولة في المراكز الثقيلة وكل هؤلاء يشتركون في أن ولاءهم ليس للدولة التي يخدمون فيها ويمتثلون لحزم التعلميات التي تأتيهم ممن يدير اللعبة أو مخطط الفوضى.
تبدا الكتلة الفاعلة بالتحرك من الرقود ببث سمومها من خلال حزم تعليمات وقرارات وسلوكات من داخل جسد الدولة ومؤسساتها لا أحد يفهم الغاية أو النتائج المترتبة عليها ولكن الثمار السامة تأتي تباعا وتتكشف بعد حين ، المهمة الأساسية هنا هي تحويل حياة الشعوب إلى جحيم وشقاء وبيروقراطية قاتلة منتشرة أفقيا وعموديا وتتغطى بأقنعة كاذبة من الحداثة والتطور، المحصلة المتأخرة هي خلق أجيال تؤمن بضرورة الآلتفاف والتحريف للحصول على أبسط مقومات الحياة وشؤونها ويتحول الفساد إلى حصان الأمان للحصول على الحقوق التقليدية والارتقاء في مسار الحياة وتشعباتها.
لزيادة الإرباك والارتباك وايصال عامة الناس إلى فقدان الثقة المطلق بالدولة وأجهزتها وإدخال الشعب في مرحلة الهذيان تأتي الخطوة التالية وهي تقديم الخراب الذي تمت صناعته داخل الدولة ووضعه امام أعين الناس وذلك من خلال الافتعال المتعمد أو التضخيم لحوادث ومآس تتحول إلى حديث المجالس وفقه التفسير وتبلور قناعات بوصول الدولة والمستقبل فيها إلى العجز والإفلاس والفشل المتكامل ، الحوادث التي نتكلم عنها قد تكون أي شيء من حرائق إلى تفجير ميناء إلى تسمم جماعي أو تهاوي بيوت على ساكنيها او فيضان مائي يقتل ويفتك بالبنى التحتية ، طرقات قاتلة وحوداث ناجمة عن ابلغ درجات التسيب والإهمال والفلتان ، تستخدم هذه الأفتعالات لزيادة الضغط على القيادات الحاكمة وعامة الناس لخلق المرحلة التالية من إبتزاز من المكتسبات *كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

▪ثورات العرب وأحزابهم «تعقيب على ما سبق» !

  “أنظمة الحكم الثورية العربية لم تتبنَّ مشروع بناء الدولة وثقافة الاعتراف بالآخر” بقلم/ فيصل …