محمد مصطفى جامع*
مرّ أسبوع كامل على التودد المخجل الذي أظهره الجنرال عبدالفتاح البرهان لإسرائيل، عندما كان يتحدث إلى وكالة “أسوشيتد برس” على هامش اجتماعات الدورة 77 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بينما تجاهلت إسرائيل حتى اليوم، الغزل العلني من قبل البرهان، الذي صرّح بعدم وجود أي عداء يبين نظامه الانقلابي وبين الاحتلال الإسرائيلي، زاعمًا أن “أساس العلاقة هو المصالحة”، وأنه “سيزور إسرائيل إذا وجهت إليه الدعوة”، أي كأنه يتسول لدولة الاحتلال طلبًا أن تدعوه إلى تل أبيب.
سنعود إلى هذا الموضوع بالتفصيل، ولكن لنأخذ فكرة عن مناسبة التصريح، فبعدما ضاقت عليه أرض السودان بما رحُبت، حاول الجنرال عبد الفتاح البرهان قائد انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول فك عزلته عن طريق تلبية دعوتين خارجيتين وُجهتا إلى جمهورية السودان وليس إلى البرهان شخصيًا: الأولى كانت للمشاركة في مراسم تشييع الملكة إليزابيث الثانية، والأخرى للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ad
توجُّه البرهان إلى المملكة المتحدة أثار سخرية واسعة وسط السودانيين، فقد جاء بعد أيام قليلة من دعوته بريطانيا إلى تقديم اعتذار رسمي عمّا أطلق عليها “جرائم الاستعمار”، إبان الحكم البريطاني للسودان.
ليس هذا فحسب، بل دعا الجنرال التائه، بريطانيا إلى تقديم تعويضات “لأسر الشهداء وأبناء الشعب السوداني الذين تمت إبادتهم بطريقة مقصودة”، واتهم بريطانيا ضمنًا ب”تغذية الصراعات القبلية والتشكيك في القيادة والتحريض على تفكيك القوات المسلحة السودانية”.
لو أن أي شخص عاقل وجّه مثل هذه الاتهامات الخطيرة للمملكة المتحدة وطالبها بدفع تعويضات، لما أدخل نفسه في حرجٍ بالسفر إليها بعد أيامٍ قليلةٍ وكأّن شيئًا لم يحدث، لكنّ الإفلات من العقاب وحب البقاء في السلطة عند الجنرالات الدمويين، منزوعي الكرامة والحياء، أهم من كل شيء.
تفاديًا لاحتجاجات كانت تنتظره في لندن، هبطت طائرة البرهان في مطار شحن مهجور بعيد من العامصة لندن (مطار فارنبورو)، وشارك في جنازة الملكة إليزابيث الثانية ببدلته الملونة خلافًا لكل المشاركين في مراسم التشييع الذين التزموا بارتداء البزات السوداء اتباعًا للبرتوكول المعروف في مثل هذه المناسبة.
بعد المشاركة في الجنازة، عاد الجنرال البرهان من لندن إلى الخرطوم، ثم توجه إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة ال77 للجمعية العامة للأمم المتحدة، حينها كانت الأبواق الموالية لجنرالات الانقلاب تصور أن مشاركة البرهان في جنازة الملكة ومشاركته في الجمعية العامة على أنها اعترفًا رسميًا بشرعيته من كبريات الدول الغربية، هذا الكلام الساذج لم يصدر فقط من المطبلين المعروفين لقائد الانقلاب مثل العميد أبوهاجة أو الأبواق الصحفية المعروفة، بل للأسف قاله عدد ممن يُعتقد أنهم مثقفين مثل عدد من أساتذة العلاقات الدولية والقانون في بعض الجامعات السودانية!
نسي هؤلاء، أن المملكة المتحدة لم تكن لتتجاهل دعوة السودان “أحد مستعمراتها القديمة” إلى مراسم تشييع الملكة إليزابيث الثانية، وبحكم الأمر الواقع وُجهت الدعوة إلى الطغمة العسكرية الحاكمة التي يرأسها البرهان بقوة السلاح، فتلقّف الدعوة وقرر المشاركة بنفسه في مراسم وداع الملكة رغم أنه هاجم بلدها وحكومتها قبل أيام قليلة!
وبالمثل، كانت دعوة السودان للمشاركة في أعمال الدورة 77 للجمعية العامة للأمم المتحدة، فلم يكن للأمانة العامة للأمم المتحدة أن تحدد طبيعة وفد السودان المشارك في أعمال الدورة، ولم يكن للولايات المتحدة أن تمنع البرهان من الحصول على تأشيرة دخول إلى نيويورك، فقد منحتها في نفس الأيام للرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، رغم أن الولايات المتحدة تضع إيران ضمن قائمتها للإرهاب.
عندما كان البرهان يخاطب الجمعية العامة بحديثه الباهت، الذي استنجد فيه بالدول المانحة طالبًا منها استئناف الدعم لإنقاذ سلطته من الانهيار الوشيك، كان هناك جمعٌ من الجالية السودانية في نيويورك وما حولها يتظاهرون ضده في محيط مبنى الأمم المتحدة، أما المسيرة الكبرى ضد البرهان فكانت يوم السبت 24 سبتمبر/ أيلول الماضي، إذ شارك فيها تجمع كبير من الجاليات السودانية في نيويورك وواشنطن العاصمة وفيلاديلفيا وديلاوير وغيرها، حيث قدموا مذكرة احتجاج رسمية للأمم المتحدة.
خلا جدول البرهان من أية مقابلة على الإطلاق مع المسؤولين الأمريكيين، حيث تجنّب كبار الشخصيات مقابلته مثل وزير الخارجية بلينكن ووزير الدفاع أوستن، بل حتى لم يحظ بمقابلة معاوني الوزير بلينكن مثل مساعدته للشؤون الأفريقية “مولي في”، واقتصر جدول مقابلاته على الاجتماع مع عدد من الرؤساء الأفارقة على هامش أعمال الدورة، لحثهم على إنهاء تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي.
أما الاجتماع مع رئيس الولايات المتحدة شخصيًا فذاك حلم بعيد المنال لقائد الانقلاب، إذ لم يُدع إلى حفل الاستقبال السنوي الذي يقيمه الرئيس الأمريكي “أيًا كان” لقادة العالم في واشنطن، سوى 2 من قادة شرق إفريقيا، هما: الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود والرئيس الكيني وليام روتو، وكلاهما منتخب حديثًا. فالإدارة الأمريكية ورغم كل “سوءاتها” لن تستطيع توجيه دعوة إلى قائد انقلاب تسبب في مقتل 118 من شباب بلده لا ذنب لهم سوى أنهم طالبوا بسقوطه، هذا بخلاف 6000 جريح بعضهم فقد أطرافه الحيوية وبعضهم أُصيب بشلل تام، إلى جانب الضحايا في أنحاء السودان من دارفور وكردفان والنيل الأزرق والبحر الأحمر وكسلا.
كذلك امتنعت إدارة بايدن تمامًا عن توجيه الدعوة إلى السودان للمشاركة في أعمال القمة الأفريقية الأمريكية المقررة العام المقبل، بسبب تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي منذ انقلاب البرهان.
ولعل ذلك التجاهل وتلك العزلة التي فوجئ بها الجنرال في نيويورك، جعلته يستجدي الاحتلال الإسرائيلي، ويتغزّل فيه علّ ذلك يفلح في تخفيف الضغط عليه.
نعم، إن اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة لا زال مؤثرًا في عملية صنع القرار، حيث لا تزال الولايات المتحدة تمنح إسرائيل مساعدات عسكرية واقتصادية سخية، كما توفر الإدارة الأمريكية غطاءً لجرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، لكنّ الوضع في الولايات المتحدة آخذ في التغير، فمن كان يتوقع أن يأتي يوم يتم فيه التنديد بجرائم الاحتلال من داخل قبة الكونغرس؟ كما تفعل حاليًا النائبتان المسلمتان إلهان عمر ورشيدة طليب؟
كذلك تدرك إسرائيل جيدًا أن البرهان يقود نظامًا مترنحًا آيل للسقوط في أية لحظة، ولو كانت زيارة الجنرال المتخبط تحقق لها أية مصلحة لدعته مباشرة، ولما انتظرت استجدائه.
معظم ما تريده إسرائيل من السودان حصلت عليه بالفعل من جنرالات الانقلاب، سواء كان البرهان أو محمد حمدان دقلو “حميدتي” قائد مليشيات الجنجويد سيئة السمعة، فقد كانت إسرائيل بحاجة إلى تحييد موقف السودان الممانع، وكانت بحاجة إلى معلومات أمنية عن نشاط المقاومة الفلسطينية مثل حماس والجهاد في السودان وإقليم شرق أفريقيا بشكل عام، إلى جانب بعض المنافع الاقتصادية مثل سماح السودان للطيران الإسرائيلي بعبور أجوائه.
وبالعودة إلى أبواق الطغمة العسكرية، الذين زعموا أن زيارة البرهان إلى نيويورك ستفتح آفاق العلاقات بين جنرالات الانقلاب وواشنطن، فإن البرهان لم يخرج من نيويورك، بل أكاد أجزم أنه لم يتحرك إلا في نطاق ضيّق حول مقر إقامته في فندق بلازا، الواقع في الشارع الخامس من “سنترال بارك ساوث”، ذلك خوفًا من ترصد وهتافات شابات وشباب الجالية السودانية في المدينة، كما فعل بعضهم عندما صادفوا وزير خارجية السلطة الانقلابية “علي الصادق”، فهتفوا ضده مما دفعه إلى الهروب سريعًا من المكان.
ولسوء حظ العميد أبوهاجة البوق الأول للبرهان، فإن أول حوار للسفير الأمريكي لدى الخرطوم، فنّد فيه مزاعم مستشار البرهان، وقال السفير بشكل صريح: “ليس صحيحًا ما قاله العميد الطاهر أبوهاجة بأن مشاركة البرهان في الأمم المتحدة تعني أنها صفحة جديدة مع الغرب وأمريكا”.
خلاصة الأمر، إن كان البرهان يعتقد بأن الكيان الإسرائيلي المحتل يمكن أن يكون له طوق نجاة فهو واهم، وبالمثل على الثوار ولجان المقاومة وجميع الكيانات المناهضة للانقلاب والحكم العسكري ألّا تعول كثيرًا على الولايات المتحدة والقوى الغربية، فهذه الدول ما زالت خطتها تتمثل في إبرام “تسوية سياسية” مع العسكر، بشروط قد تكون أفضل قليلًا من صفقة الوثيقة الدستورية للعام 2019، لكنّ مجرد أن يكون العسكر والمليشيات المتحالفة معهم، جزءً من أية تسوية قادمة، فذاك يعني إعادة إنتاج الأزمة واستمرار سيطرة “الكارتل” على موارد البلاد، من ذهب وأراض زراعية ومنتجات زراعية وحيوانية، على جانب تمدد سلطات العسكر والمليشيات بشكل تدريجي، وصولًا إلى الانقلاب الجديد كما حدث في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021.
*كاتب وصحفي سوداني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر