علي الزعتري*
في مقالاتٍ سابقةٍ فَصَلَتُ بين حالتينِ من المقاومة الفلسطينيةِ، واحدةٌ في غزة وآخرى ينبغي أن تكون بباقي فلسطين المحتلة. وقلتُ أن مقاومةَ غزة هي أقرب ما يكون للدولة أو السلطة بِحُكمِ ظروفها التي تقتضي أن تكونَ حكومةً للساكنين بغزة ترعى شؤونهم المدنية وأن تكونَ مقاومةً تحافظ و في هذا تنافسٌ بين واقعين، واحدٌ يحملُ عبئَ البناء المؤسسي للدولة الذي لا يحتمل التخريب و التدمير بين فترةٍ و فترة، و آخر يسعى، بالتزامن، مع ترسيخِ حق المقاومة ضد عدوٍّ يستهدف بنيةَ غزة. يدركُ العدو حيرةَ غزة فيُطيحَ بمؤسساتها المدنية مثل الأبراج السكنية التي لا تقدر غزة المقاومة الدولة أن تُعيدَ بناءها بحسبِ ما تقتضيهِ مسؤولية الدولة.
ويأملُ العدو بتنامي سخطٍ مدني لتصبحَ مقاومة غزة رهينةً بين عدوٍّ يقتنص فرصةَ إيذاء بُنية غزة ومواطنٍ يشاهدُ جنى عمره يتهاوى و يريدُ الأمان و الاستقرار كما باقي الشعوب. وهذا هو الاستخدام القذر في السياسة والحروب للمدنيين فتحاصرهم و تعتدي عليهم أملاً أن يثوروا علي حكومتهم. يختلف الوضع مع الفلسطينيين، وعموم العرب، الذين لا يرون إلا عدوا واحدا و هو الصهيونية و ما تمثلها. وهذا ما يجعلهم صابرين علي الشقاء و الاعتداء.
الحالةُ الثانية هي المقاومةَ بباقي فلسطين مما نراهُ من استهداف العدو بما تستطيعهُ المجموعات المقاومة بوسائل محدودة لكنها مؤلمة لعدوٍّ لا يريدُ أن يخسر أرواحاً أو أن يبدو أنه يفقد السيطرة علي الحواجز ودواخل المدن. تختلفُ الآراء حول المقاومة. هناك من يقول أنها تتكون من شبابٍ لا يملكُ مؤسسية المقاومة بقدرِ ما يملك الشجاعة المتهورة، و أنها محصورةٌ في الأزقة و محدودةٌ بالتسليح و الذخيرة، وبالتالي، لن تؤدي مقاومتها لنتيجةٍ غير تثقيل قبضة العدو الضاربة علي الفلسطينيين. و لأنها كما يتداولُ الناقدون قاصرةٌ في قدرةِ التخطيط المقاوم المؤسسي لأن ما تفعله لا يعدو كونهُ فورةَ شباب فهي لا تحمل الجدية أو الاستمرارية. وأنها لن تلبثُ أن تهدأ خاصةً و هي تُضربُ من عدو متمكن، و إلى حَدٍّ ما من السلطة الفلسطينية التي تريد التهدئة و إبقاءِ خططها للسلام حيةً رغم وضوح اشتراك أفرادٍ من قواتها في التصدي للعدو الهائج وهو ما يجعلها أكثر حرصاً أن لا تتطور الاشتباكات. و كذلك فأن دعم هذه المقاومة لم يكتسب للآن تعاطفا فلسطينياً فِعلياً واسعاً. صحيحٌ أنها تُثيرَ إعجاب الفلسطينيين وبعضهم يُضْرِبُ عن العمل و يتظاهر لكنها لا تستثير في الأغلبية منهم نزعةَ المقاومة الواسعة. بل يبدو الفلسطينيون مهتمون بممارسةِ حياتهم الطبيعية أكثر من تبنيهم للمقاومة و هو ليس فِعْلاً يُلامون عليه فالكل يريدُ في النهاية أن يعيش لكنهُ وضعٌ يقول أنها مقاومةٌ تقف لوحدها دونَ سندٍ فعلي كافٍ من المدن الفلسطينية باستثناء العاطفة. كما أن ما يتداول عن دور المؤسسات الأمنية الفلسطينية في التضييق و تبادل المعلومات لا يساعد هذه المقاومة، فالفلسطيني الذي يريد دعم المقاومة لا يريدُ أن يجد نفسه مطارداً من العدو وسلطته التي لا تتفق و الخط المقاوم. و من السلبيات أنه إن توصلت هذه المقاومة للسلاح فكونها محاصرةً يجعل من حيازتها المتجددة للسلاح مسألةً فيها صعوبة في ظل رقابة العدو متعددة الوسائل البشرية و التقنية. فالمقاومة بهذا الشكل تبدو جزيرةً في بحرٍ غيرَ مُتَصِّلٍ بخطوط إمداد واضحة. علي الرغم من ذلك فالمقاومة هذهِ هي، مبدئياً و نتيجةً، ما يجب أن يكون. و هي لكي تنتصر عليها أن تعالج السلبيات التي تحيطها. هكذا فعلت المقاومة ضد الاحتلال في كل بقاع العالم.
عودةً للمقاربة، يتعادل عِبئَ “السلطة” المقاومة في غزة مع قرينهِ المقاوم في فلسطين حيث المقاومة تحمل أعباءَ ديمومتها بمواجهة السلبيات الداخلية والعدو المترصد لها. و قد تحول الجغرافيا بين اتحادهما العملي في المقاومة المشتركة لكن حظوظ الانتصار المتدرج تتعاظم رغم الأعباء، والرهان والخطر أعلى على مقاومة الداخل فهي التي تؤلم العدو أكثر. لكنهما معاً محاطتان وهذه معضلةٌ مصيريةٌ تتصارع فيها مصالح التحرير عبر السلام ورغبات التحرير عبر المقاومة المسلحة والغلبةُ لليوم هي للسلام، ولو كان ضعيف الحجة و مُتسالماً مع صفعات الصهيونية، وليس أقلَّها هجمات الاستيلاء علي الأقصى. عليهِ، تبقى المقاومة مُستنزفةً من عدوٍّ لا يرحم و مجتمعٍ فلسطيني وعربي لا يستطيع الدعم و مجتمع دوليٍّ لا يأبه. و تبقى تزداد الأرواح الشهيدة كما حصل ليلة البارحة في نابلس.
نعم، تعود الروح لفلسطين بالمقاومة بما يستطيع المقاوم من أدوات و هي المقاومة التي لم تتوقف منذ نهاية القرن التاسع عشر مما يعني أنها مقاومةٌ مستمرةٌ ل ١٢٢ عاماً. مقاومة تقول أن الشعب حي. و من صبرَ ظفر فإنما النصر صبرُ ساعة ذلك لمن يريد النصر.
*دبلوماسي أُممي سابق
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر