الإثنين , أبريل 15 2024
الرئيسية / اراء / نحو إعادة تصحيح مسار التاريخ!

نحو إعادة تصحيح مسار التاريخ!

طلال بن حمد الربيعي*
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي اصيب العالم وخاصة الدول التي كانت تتبنى النهج الوطني الاشتراكي وكثير من القوى التقدمية والحرة في العالم وكذلك حركات التحرر بصدمة كبيرة ادت الى انقسامات وتراجعات وفي بعض الاحيان التسليم بالهزيمة والتخلي عن القناعات السابقة والانكفاء الذاتي او الارتماء في احضان الغرب ، ونجحت الايديولوجيا الامبريالية بالترويج لانتصار الليبرالية. وذلك من خلال مقولة نهاية التاريخ وهي الفكرة التي حاول الغرب تسويقها و التي طرحها الكاتب الامريكي فرانسيس فوكوياما في كتاب حمل نفس الاسم..وجاءت فيما بعد العولمة والنيوليبرالية وكلها مصطلحات تهدف الى سيطرت الشركات الغربية وامريكا وحلفاءها الغربيين على مقدرات العالم وثرواته ؛ وهذا ماعناه لينين حين قال ” ان الإمبريالية هي اعلى مراحل الرأسمالية”، سابقا كانت الجمهوريات الواقعة في أمريكا الوسطى او ما تسميها امريكا بالحديقةالخلفية تسمى جمهوريات الموز وذلك بسبب سيطرت شركات الموز الامريكيه عليها سياسيا واقتصاديا..
وهذا ما تحاول امريكا والغرب فعله بدول العالم فالمركزية الغربية برأسماليتها الإمبريالية تحاول فرض سيطرتها على العالم وفي سبيل ذلك جندت الآلة الاعلامية الضخمة التي تملكها في محاربة الدول والحكومات الوطنية التي تحاول التخلص من هيمنتها..
والمتابع لقنوات الاخبار العالمية اليوم يمكنه ان يلاحظ بسهولة الهيمنة الاعلامية الغربية من خلال الصياغة الموحدة للخبر وكيفية ترتيب الاولويات واداء المراسلين في اختيار الحدث والاشخاص والقضايا، وكل ذلك تحت مظلة تحميل مسؤولية الحرب في اوكرانيا لشخص واحد هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتصويره على انه دكتاتور متوحش ، حيث يدخل الاعلام العالمي لاعباً اساسياً في المواجهة التي يخوضها الغرب ضد روسيا بواسطة السلطة الاوكرانية، وهو يُدار من قبل غرف استخباراتية متخصصة في الحرب النفسية والتي من عناصرها تنميط الواقع وتسطيح الرؤية وشيطنة الخصم بهدف كسب العقول وتعطيل المقاربات النقدية في سياق صياغة وعي اجتماعي مروض وغير معارض للسياسات المتبعة.

فالبرغم من تحول روسيا للنظام الرأسمالي وبيع معظم القطاعات للرأسمال الاجنبي الا ان ذلك لم يشفعا لها لتصبح شريكة للاوروبيين والاميركيين.وقد رأينا انه في المرحلة الاولى من دخول البلاد الى الرأسمالية سادت الفوضى وانتعشت الجريمة المنظمة، وتلاشت كل ادوات السلطة واشكال الدولة.. فرأسمالية روسيا في النظام العالمي هي هامشية، وهذا يعود لظروف تشكل التراكم الاولي لرأس المال فيها، والذي حدث بنتيجة الاستحواذ على ثروات هائلة من قبل حفنة لصوص تشاركوا نهب البلاد وتدمير صناعتها وقدراتها الإنتاجية بالمشاركة مع رأس المال العالمي المتعدد الجنسيات.
لذلك لم يكن ممكناً استمرار هذا الوضع الى ما لا نهاية، اذ كان لابد من حركة تصحيحيه تعيد للدولة هيبتها وهذا ما حصل بعد مجي فلاديمير بوتين الى السلطة في بداية الالفية الجديدة، كانت مهمة بوتين صعبة جدا حيث ان عملية النهب جرت بشكل واسع للبلاد، ووضع كبار الرأسماليين الذين اسسوا شركات تجارية ومالية ومصارف (وعدد كبير منهم من اليهود والصهاينة الروس) ايديهم على ثروات البلاد (مصادر الطاقة، مناجم المعادن والذهب، الثروات الحرجية، والخ) فروسيا دخلت الى السوق العالمي من باب تصدير الثروات الطبيعية. اما الصناعات التي نشأت على انقاض الصناعات الوطنية فهي بمعظمها شركات برأسمال محلي وخارجي مشترك وتعتمد في انتاجها على مواد وسلع بعضها مستورد خلافاً للصناعات التي كانت قائمة في الإتحاد السوفياتي والتي كان انتاجها يستند الى التكامل مع شبكات انتاجية في الجمهوريات السوفياتية وبلدان المعسكر الاشتراكي.
لم يكن سهلاً على العسكريتاريا الروسية وهي المعبر عن مصالح روسيا الكبرى و التي تجسد الروح الوطنية الممتدة جذورها في التاريخ ان تبتلع الذل الذي اذاقها اياه الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية بالتواطؤ مع يلتسين ، فجاء بوتين ليمثل طموحات العسكريتاريا الوطنية التي ترغب بتأكيد دور روسيا كدولة عظمى.
فمن الملاحظ ان موقف القيادة الروسية من الغرب تطور تدريجياً من الالتحاق به في البداية، ثم بدأت هذه القيادة تكتشف بالممارسة انه لا مكان لروسيا كشريك ندي مع البلدان الرأسمالية الغربية ، ليتأكد لها لاحقا وخاصة بعد احداث ٢٠١٤، ان بقاء الدولة الروسية بشكلها الموحد هو بالنسبة للاميركيين والناتو مسألة وقت، وان من تسميهم بالشركاء الغربيين انما يعملون بكافة الاشكال لتفتيت الدولة الروسية محاولين فرض معاييرهم على المجتمع الروسي. وبالرغم من كل التنازلات التي قدمتها روسيا بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي من تدمير للسلاح النووي، وتخلي عن برامج تسلح، فان الناتو كان يتمدد تدريجياً لمحاصرتها بالرغم من الوعود التي كانت الادارة الاميركية قد قطعتها بهذا الخصوص.
ان ما يقوم به الجيش الروسي اليوم في اوكرانيا ليس مجرد عملية عسكرية لتحييد أوكرانيا ومنعها من الانضمام إلى حلف الناتو او لمساعدة جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك لنيل استقلالهما ؛ وانما هو محاولة لأعادة تصحيح التاريخ في المرحلة الراهنة ووضع حد للهيمنة الامبريالية الغربية على العالم، ورغم التناقضات الموضوعية، فان روسيا “الرأسمالية” اخذت على عاتقها هذه المهمة، والصراع لن يتوقف عند حدود اوكرانيا، ويبدو انه على العالم، ان يختار الطريق فهي فرصة تاريخية للدول والشعوب للتخلص من الهيمنة والتعبية الغربية، فمصالح الشعوب تكمن في تصحيح مسار التاريخ، وحتى الان، فان هذه المصالح هي حيث روسيا…
*كاتب عماني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

تداعيات الهجوم الايراني!

د. جاسم الحريري* شنت إيران مساء يوم السبت الموافق 13/4/2024هجومها المرتقب على “إسرائيل”، ردا على …