الجمعة , أبريل 19 2024
الرئيسية / اراء / فعل المحوّر وردّة الفعل الاسرائيلية..!

فعل المحوّر وردّة الفعل الاسرائيلية..!

سماهر الخطيب*
لطالما كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على رأس الأجندة الأميركية ولطالما كانت إحدى أبرز التهديدات القومية على أمنها القومي بزعمها .. وكذلك أبرز التهديدات للأمن الإسرائيلي وفق ما نشره التقرير الاستراتيجي الإسرائيلي مؤخراً واضعاً إيران وحزب الله اللبناني كأبرز التهديدات ..
ومنذ يومين نفذت ضربات على شحنات متجهة من العراق إلى سورية محملة بمواد غذائية بمزاعم أنها تحمل الأسلحة وحتى الآن لم تعلن الجهة التي قامت بهذا العمل الذي رقى إلى العمل الإرهابي كونه استهدف مساعدات إنسانية، والذي سبقه أول أمس ضربات عبر طائرات مسيرة دقيقة على منشآت عسكرية في أصفهان الإيرانية لكنها سقطت دون تحقيق أهدافها فمن المعروف أنّ إيران تحمي أسطح منشآتها العسكرية بهياكل وأسطح مضادة للطائرات بدون طيار تشبه تلك التي يستخدمها الغرب ضدّ الطائرات المسيرة الروسية لحماية الدبابات والشبكات الأوكرانية من تلك الهجمات وقد أنتج الإيراني تصميم يجمع بين التصميمين..
ذكرنا في مقال سابق حمل عنوان “أميركا والحرب الهجينة مع إيران” في معرض الحديث عن إثارة وتأجيج الداخل الإيراني ضدّ الحكومة الإيرانية بذرائع عدة تذرعت بها الإدارة الأميركية مستغلة ملفات عدة في الداخل الإيراني كـ”ملف الحريات، وملف الأكراد، وملف الجماعات المعارضة مثل جماعة خلق” سعياً من الإدارة الأميركية لضرب الجمهورية الإسلامية الإيرانية وإرغامها على الامتثال للأوامر الأميركية بعد فشلها في تحقيق أهدافها من خلال الحصار الاقتصادي وفرض عقوبات أحادية مجحفة على الشعب الإيراني ووضع اليد على أمواله في البنوك الخارجية والانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي ومحاولة ابتزاز إيران للعودة الأميركية المشروطة إلى هذا الاتفاق ونحن هنا لا نتحدث عن المؤامرة ولسنا بوارد الحديث عن هذا المصطلح حيث يقول البعض بأنّ “المؤامرة” مصطلح أوجدناه للدفاع عن محورنا الممانع والمقاوم إنما نتحدث هنا عن حرب هجينة وحرب لامتماثلة وهي جيل جديد من أجيال الحروب التي تطورت مع تطور الأدوات والوسائل فباتت الدول تمارس هذا الجيل من الحروب بالوكالة فلم تعد الحروب تقوم على المواجهة المباشرة بين الجيوش بل باتت تعتمد على تفتيت الداخل المستهدف وإثارة النعرات الطائفية والمناطقية والقومية وإيجاد طابور ينفذ ما يملى عليه لتنفيذ الأوامر بالحراك والتظاهر والاصطياد في الحريات واستخدام السلاح إن طلبت الحاجة لتأجيج الانقسام الداخلي من جهة والحصار والعقوبات الاقتصادية وحرف المسارات والانتماءات الوطنية نحو اتهامات وانقسامات متباينة في الشارع الواحد وتزوير الحقائق المسببة للمعاناة الشعبية لتصبح وجهتها تقصير من حكومة الدولة المستهدفة في سبيل وضع غطاء على السبب الأساس بفعل العقوبات والحظر الشامل من جهة ثانية وإثارة الرأي العام باستخدام وسائل الإعلام وهو ما يسمى بالقوة الناعمة التي تعتمد على إغراء العقول وكسب القلوب لتنفيذ تلك الأجندة وتحقيق الأهداف المراد الوصول إليها عبر حزمة من السياسات الظاهر منها حقوق المواطن وشرعية دولة والباطن منها السيطرة على المواطن وموارد دولته وثرواته من جهة ثالثة..
هذا الجيل من الحروب تحدث عنه الكثير من صناع القرار في الولايات المتحدة الأميركية ولم يعد خافياً على أحد أنها عرابته وأنه في صلب سياساتها واستراتيجياتها الخارجية مع مجمل الدول التي سمّتها كأحد أبرز التهديدات لأمنها القومي كـ”روسيا، الصين، إيران، كوريا الشمالية، ولإنّ كيان الاحتلال المؤقت يعتبر الذراع الأميركي في المنطقة فإنّ مجمل ما أوردناه من شرح مقتضب عن الحرب الهجينة واللامتماثلة فإنه ينفذ جميع فصولها وأساليبها ضدّ دول المنطقة..
وفي العودة إلى استهداف المنشآت العسكرية الإيرانية أول أمس، فقد نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأحد عن مسؤولين أميركيين قولهم إن “الغارة بالمسيّرات التي استهدفت منشأة عسكرية في أصفهان نفذتها إسرائيل”، واعتبر المسؤولون الأميركيون بأنّ “استهداف الموقع العسكري في إيران هو محاولة أميركية – إسرائيلية لإيجاد طرق جديدة لاحتواء طموحات إيران النووية والعسكرية”، وفي هذا الاعتقاد الصادر عن مسؤولين أميركيين تأكيد ضمني على أنّ جميع المحاولات السابقة لإخضاع إيران قد فشلت وآخرها دعم وتمويل التظاهرات وتأجيج الشارع الإيراني وبالتالي فشل أميركي ذريع في ذلك السيناريو الذي رسمته الولايات المتحدة لاحتواء الجمهورية الإسلامية والسيطرة عليها غير أنّ المحاولة الأميركية – الإسرائيلية لاحتواء طموحات إيران النووية والعسكرية قد فشلت أيضاً باستهدافها الموقع العسكري مع التصدّي الإيراني لها وعدم تحقيق الأهداف المرجوّة من العملية التي تنذر بوقوع حرب حقيقية شاملة ما بين كيان الاحتلال المؤقت وإيران ولكن الرد الإيراني كان هادئاً كعادته غير مستفز فمن له باع بحياكة السجاد ودمج الألوان بدقة متناهية يتمتع بها في عالم السياسة والدفاع وبقوله بأنه سيحتفظ بحق الرد فإنه يدرك جيداً متى يكون هذا الرد سواء كانت الطائرات تابعة لكيان الاحتلال المؤقت أو لراعيته الأميركية..
رغم أنّ العملية بحدّ ذاتها هي رد فعل وليست الفعل ناهيك عن كونها لم تكن بالمستوى الذي عمل الإعلام العبري على تظهيرها به وإذا أردنا تفسير كونها رد الفعل فهناك أسباب كثيرة تجعل الكيان المؤقت يقوم برد حالي للفعل الإيراني السابق له فمنها على سبيل المثال لا الحصر، الإعلان الإيراني مؤخراً عن اعتقال 12 شبكة تعمل مع الموساد، وإفشال المساعي الصهيوأميركية لإشعال الداخل الإيراني وهناك اعترافات رسمية من مسؤولين ومستشارين في مجلس الأمن القومي للكيان يتحدثون فيها عن عمل يجري على قدم وساق لزعزعة الأوضاع الداخلية الإيرانية وبالتالي تهيئة الأجواء لضرب إيران مستقبلاً غير أنّ السلطات الإيرانية استطاعت السيطرة على التفلت الأمني وكبح جموح التظاهرات المدعومة من الموساد والولايات المتحدة الأميركية..
كما أنّ هناك رابط وثيق بين هذه الضربات التي استهدفت المنشآت العسكرية وبين العمليات البطولية التي قامت بها الفصائل والقوى الفلسطينية في داخل الأراضي المحتلة وتحديداً في الضفة الغربية والقدس ليبدوأنها جاءت رداً على ما جرى في القدس من عملية بطولية، والصهاينة يعلمون جيداً مدى الدعم الإيراني للفصائل الفلسطينية كما أدركوا بوضوح ما قاله الجنرال اسماعيل قاآني في تلك الليلة تحديداً عندما قال “أدعوا وأنصح الصهاينة أن يلملوا حقائبهم ويغادروا فلسطين لأنهم سيخرجون في الوقت المناسب بالقوة”، وعليهم اليوم أن يخشوا أكثر بعد ما قاموا به من استهداف لأصفهان ومحاولة نتنياهو صرف الأنظار عن الداخل الفلسطيني وانتصارات المقاومة لضربة فاشلة في إيران وربما في سورية وربما الدعوة التي وججها وزير الخارجية عبد اللهيان إلى اسماعيل هنية لزيارة طهران والتواصل مع الجهاد الإسلامي سيترجم بتوحيد قوى المقاومة في الداخل الفلسطيني ورفع حدة العمليات البطولية في الأراضي المحتلة.. والأيام القريبة القادمة ستشهد تكملة لوحدة الساحات وسيف القدس سيغرس في جميع المحاولات الصهيونية لطمس الهوية الفلسطينية والإعلان عن مزيد من المستوطنات سيعوّض عنه بإعلان عن مزيد من تذاكر السفر للعودة المضادة نحو أوطانهم الأساسية..
في المحصلة، الأيام الأخيرة شهدت مجموعة من التطورات تؤشر إلى وجود نية تصعيد على محاور عدة:
في ملف حرب أوكرانيا، قرر قادة حلف شمال الأطلسي التصعيد عبر مدّ أوكرانيا بأسلحة نوعية ذات طابع هجومي لمنع أي تفوق لروسيا وإطالة أمد الصراع لتعزيز قدرات القوات الأوكرانية من أجل طرد القوات الروسية من الأراضي التي احتلتها.
في ملف إيران، تزامن التصعيد الغربي ضد روسيا مع تصعيد أوروبي – أميركي ضد إيران بعد قرار الاتحاد الأوروبي ودول غربية أخرى بفرض عقوبات على “الحرس الثوري” الإيراني وقيادات وكيانات إيرانية، وكذلك محاولة استهداف المنشآت العسكرية في أصفهان وقبيلها زعزعة الداخل بدعم الاحتجاجات وإشعالها..
وعندما يكون التصعيد ضدّ إيران، فإن ذلك سيشمل كل الدول الحليفة مع طهران، وهو ما بدأ بالفعل في العراق مع عودة التظاهرات الى الساحة العراقية التي تشهد انهياراً لعملتها مع استمرار المشاكل الاقتصادية، كذلك شهدت الساحة اللبنانية انهياراً غير مسبوق للعملة المحلية وتضخم أسعار لا مثيل له وانتشار الفوضى، إضافة إلى انقسام في الجسم القضائي وإلى تصعيد كبير في الشارع سيغذيه الانهيار المالي والاقتصادي، مع ترجيح تدويل ملف تحقيقات انفجار المرفأ بهدف الضغط على مفاصل السلطة الحاكمة عبر بوابة العقوبات الأحادية.
وفي سورية التي تعاني أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة وتأثر 90% من قطاع النفط والطاقة بسبب العقوبات والاحتلال الأميركي لخزان النفط والغذاء في الشمال السوري وانهيار غير مسبوق لسعر الصرف، وفي اليمن الرازخ تحت وابل القصف من قبل التحالف المدعوم أميركياً، ما يعني أنّ الأيام القادمة ستحمل المزيد من التصعيد على كل الساحات وتبقى الساحة الأبرز فيها هي الساحة الفلسطينية..
كما أنّ قواعد الاشتباك والخطوط الحمراء التي وضعت منذ انتصار قوى المقاومة في حرب تموز 2006 في لبنان والانتصار في الحرب الإرهابية على سورية وصولاً إلى رفع وتيرة العمليات الفدائية في الداخل الفلسطيني جميعها تقول بأنّ محور المقاومة والممانعة بقيادة إيران وسورية قد انتصر على جميع المحاولات والمعارك السياسية والثقافية والعسكرية التي حاولت الإدارة الأميركية وذراعها المسمى “إسرائيل” وما حدث أصفهان إلا إحدى المحاولات الصهيوأميركية لجر إيران نحو حرب شاملة بعد خسارة المعارك وإنما فن الحرب والرد فيه يرقى إلى استراتيجية عقلانية لدى دول وقوى المحور تجعل العدو يستهلك نفسه ويتخبط بحثاً عن الوقت والمكان المناسب للرد والذي يعتبر في فلسفة القوة قيمة مضافة إلى عامل التأثير النفسي بالعدو، فالحرب كـ”الحرباء” تتغير باستراتيجيتها وأدواتها لخدمة أهدافها ورؤيتها، واستراتيجية المقاومة تقوم على الفعل المقاوم والصبر الاستراتيجي، والتي أعيت المحللين لقراءة تكتيكاتها العسكرية ورسمت بتلك التكتيكات العسكرية فصلاً جديداً من “فنون الحرب” الذي وضعه “صن تزو” قبل مئات الأعوام لتصبح الإستراتيجية المقاومة العسكرية استراتيجية هجينة ومتطورة تداخلت فيها الوسائل والأدوات، فبينما كانت الولايات المتحدة تستخدم الاقتصاد لخدمة الحرب والضغط على الشعوب كان أحد الأسلحة المقاومة المستخدمة للمواجهة باستخدامها لسلاح ثقافة المقاومة موجه ضدّها فباتت الولايات المتحدة أمام أزمة عالمية وكأنما فتحت صندوق باندورا، ولم تعد قادرة على كبحه، ومحاولتها بحرف بوصلة العدو من الكيان المؤقت باتجاه إيران باءت بالفشل أمام الصحوة الشعبية والعربية..
*كاتبة صحافية وباحثة في العلاقات الدولية والدبلوماسية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

عقلانية إيران وجنون إسرائيل!

يحيى نشوان* ايران تقول إن ردها على إسرائيل كان فى إطار القانون الدولى وكان ينبغى …