د. حرزالله محمد لخضر*
يبدو أن رياح التطبيع في المنطقة العربية تجري بما لا تشتهي سفن الأحرار، فقديما كان الكاردينال لافيجري يجوب الجزائر حاملا الخبز في يساره والصليب في يمينه، مقايضا كل من يترك دينه ووطنه بالعيش الرغيد، واليوم يسعى حمالو الحطب، من أزلام العرب، إلى مقايضة السلم المدني والرفاه الاقتصادي للدول والشعوب المناصرة للحق الفلسطيني بالتطبيع مع الكيان الصهيوني.
فبعد ضم كل من الإمارات والبحرين والمغرب إلى حظيرة التطبيع، بشكل طوعي مبتذل، يبدو أنه الكيان يخطط لاستراتيجية مغايرة لإسقاط دول الممانعة وجبرها على الخضوع قسرا، عبر استغلال أزماتها الداخلية وفشلها السياسي والاقتصادي لأجل مقايضتها بالتطبيع، فقد بات هذا هو الأسلوب الأمثل الذي يسلكه مع الدول التي تمتنع عن السير في فلك التطبيع، وما يقع في السودان وتونس وليبيا، من مساومات تخوضها أطراف أجنبية وعربية متصهينة، ما هو إلا تجسيد عملي لهذه الاستراتيجية، بعد إدخال الشعوب في أتون الفوضى والفشل الذريع للحكومات في إدارة المراحل الانتقالية.
إن الأحداث المتسارعة التي أعقبت موجات الخيانة للأمة التي سميت زورا بـ “التطبيع”، تشير إلى وجود مساعي حثيثة لجرجرة بقية دول المنطقة إلى “الحظيرة” التي تنبأ بها الشاعر المتفرس أحمد مطر، حين وصف هذه التراجيديا العربية الساخرة العابثة برسوم الجغرافيا وحقائق التاريخ، الراقصة على جثث الثكلى ومآسي الأسرى، في قصيدته العصماء: الثور والحظيرة..التي قال في نهايتها: وبعد عام وقعت حادثة مثيرة، لم يرجع الثور، ولكن ذهبت وراءه الحظيرة!
لقد تفرس الشاعر حقا هذا المآل البائس، في زمن كان منتشيا بسردية “القومية العربية” ومنتفخا بخطابات الزعماء، مغمورا بالشوفينية الجوفاء، لكن مطر أدرك أن كل ذلك لم يكن سوى غثاء، وزبدا قد ذهب به السيل هباء وجُفاء، لأن الأنظمة الاستبدادية القامعة لحرية شعوبها لا يمكنها أن تحمل بحق وصدق آمال أمتها، وتتسنم بها قمة المجد والسؤدد.
لم يكن الشاعر حينها سوى مغردا خارج سرب القطيع، ليتبين بعد سنين من المساومات والمقايضات، والغدر والخيانات، أن ما قاله كان بمثابة “نبوءة شاعر”، فأبدع في الوصف والتمثيل، حين استعمل حقلا دلاليا ذا مغزى دقيق: الثور، الحظيرة، البقر، العجول، المربط، الشعير، حيث نجح به الشاعر في تصوير حالة “التبعية الرعوية” للأنظمة العربية المطبعة تجاه أسيادها، التي تتماهى مع تبعية البقر والعجول لراعيها، فالعلف في النهاية يجمع بين هؤلاء وهؤلاء.
إن رياح التطبيع الراهن تبدو أشد فتكا بالنسيج العربي وبما بقي من ذرات الشهامة والشرف، لأن الكيان الصهيوني أدرك أن “تطبيع الأنظمة” الذي تم مع مصر والأردن وعُمان، لم يحقق له حاضنة اجتماعية آمنة، ولم يفلح في إدماج هذا الجسد المريب في كيان الأمة، فسعى إلى نوع جديد من التطبيع يقوم على تطويع الأنظمة والشعوب معا، مستخدما أدوات ناعمة يعمد من خلالها إلى إحلال السردية الصهيونية عبر قنوات سياسية وإعلامية وتعليمية وثقافية ورياضية ودينية وفنية.
إن بدايات سردية التطبيع بدأت كما يعلم الجميع مع ما سمي بمعاهدات السلام، وتكرست بعد رضوخ السلطة الفلسطينية لمؤامرة أوسلو، ورغم أن الكيان الصهيوني كان الرابح الأكبر من موجة التطبيع الأولى، لكنه لم يتقبل حالة الاستعداء الشعبي له في محيطه الجيوسياسي، فانتقل إلى الموجة الثانية من التطبيع في 2020 والتي لم تقف عند مجرد الاعتراف، بل تجاوزته إلى التعاون الاستخباراتي والسياسي والعسكري والسايبراني والتكنولوجي، إضافة إلى التعاون الاقتصادي والثقافي والرياضي، ولهذا فإن هذه النسخة من التطبيع تعتبر أكثر كيدا واختراقا للعمق العربي الإسلامي.
لقد بدأت إرهاصات الموجة الثانية من التطبيع تطفح للعيان منذ العقد الأخير، وأذكر في هذا السياق ما حدث قبل سنوات في عهد وزيرة التربية بالجزائر نورية بن غبريط، في مركز مخصص للتكوين البيداغوجي لأساتذة التعليم الإبتدائي سنة 2016، أين تم توزيع قرص إلكتروني من المفترض أنه مخصص لأحد المواد التكوينية، ليتفاجأ الأساتذة باحتوائه على رموز ماسونية وصهيونية، فانتفضت حينها نقابات التربية كاشفة أبعاد هذه الحادثة التي يفضل أصحابها دوما وضعها في خانة “الهفوات غير المقصودة”، ومثلها حادثة طبع خريطة “إسرائيل” بدل “فلسطين” على كتاب الجغرافيا للسنة الأولى متوسط، قبل أن يتم سحب النسخ ووصفت وزارة التربية الحادثة حينها بأنها “هفوة”، وقد وقع في تونس أمر شبيه بهذا. كما لا ننسى الأدوار المفضوحة لجمعية الروتاري ذات الامتداد الصهيوني العالمي، التي تم غلق مكتبها بالجزائر، بعد مناشدات واسعة من الشخصيات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني.
في ذات الإطار تم في 2018 بُثّ وثائقي في قناة خاصة بعنوان “يهود الجزائر” والذي توقف عند جزئه الأول، بعد الاعتراضات الكثيرة التي واجهته بسبب المغالطات الكثيرة التي أراد تسويقها، محاولا رسم انطباع عام عن وجود دور إيجابي لليهود في الجزائر قبل مجيء الفكر الصهيوني.
ولا ننسى ما وقع في رحاب الحرمين الشريفين العام الماضي حين تفاجأ جميع المسلمين ببث القناة العبرية 13 تقريرا لصحفي صهيوني زار المملكة إبان موسم الحج وتعدى حدود الحرم وصور مشاهد حصرية في العديد من المزارات والأماكن المقدسة، وهي سابقة خطيرة لم يجرؤ عليها الصهاينة في غير هذه الفترة، ولم تصدِر حينها السلطات السعودية أي تنديد بالحادثة، علما أن هذه السلطات نفسها كانت قد رخصت لطائرة الوفد الحكومي الصهيوني بالعبور فوق المجال الجوي السعودي، قبل أن تكشف التسريبات الأخيرة عن وجود مفاوضات أمريكية سعودية حول “امتيازات التطبيع” الذي ستقبل به سلطات بن سلمان؟
كما أن اللقاءات السرية التي عقدها أعضاء من مجلس السيادة السوداني مع نتنياهو والمساومات التي قدمتها حكومة ترامب، كلها مثلت مساع حثيث لجرجرة الدول العربية المأزومة سياسيا واقتصاديا إلى حظيرة التطبيع، وآخر هذه حلقات كانت مع اللقاء المشؤوم الذي تم بين وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش ووزير خارجية الكيان الصهيوني بروما.
هذه الخطوات وغيرها لم تكن بريئة طيلة تلك الفترة، حيث كانت تمهد لخطب جلل، وتسعى بخطوات مرحلية لإعادة تشكيل “اللاوعي” لدى الإنسان العربي المسلم، وتهيئته لاستساغة مثل هذه الجدالات والسجالات والسماح بتعاطيها ولو من باب “الأخطاء” وما هي بالأخطاء! فالمهتمون بحقل الإعلام وصناعة الرأي العام يدركون أن التطويع والغرس الثقافي ما هي سوى استراتيجيات تستهدف إعادة هندسة وتشكيل القيم تمهيدا لإحلال وضع جديد، ومن أبرز أدوات تحقيق ذلك: الفن والدراما والرياضة والإعلام والتعليم والعلاقات الدبلوماسية غير المعلنة.
إن كثيرا ممن يستهدفون الثوابت الوطنية ويروجون لسردية التطبيع، يتخذون منهج الباطنية مسلكا لاتقاء غضبة الجماهير، والتسلل لواذا إلى مفاصل القرار السياسي والثقافي والتربوي، وغالبا ما تبنى خطواتهم وفق منهجية مدروسة بدهاء، عكس الذين يشكلون محور ما يسمى بالممانعة، فهم في الغالب يكتفون بردة الفعل التي تتسم أحيانا بالغوغائية المفرطة والشعبوية الخالية من رائحة التخطيط والكيد والتدبير.
ومن وضاعة التطبيع العربي الجديد مع الكيان الصهيوني الدموي أنه تطبيع بلا مقابل “تطبيع مجاني” لا يُطالب فيه العدو بأي تنازل أو استحقاق، فهو أشبه بتطبيع العبد مع سيده، والذليل المقهور مع قاهره…وتلكم هي عين الخيانة وريحها.
وبعد كل هذا نتساءل: لماذا تناسى صهاينة العرب كل جرائم اليهود وتعمدوا تزوير الحقائق على الأجيال الجديدة التي أصبحت لا تحرك ساكنا تجاه كل الانتهاكات ضد إخوتنا في فلسطين، فلقد تعمدت أنظمة الخزي إنبات نابتة السوء من لقطاء لا يعرفون للشرف طعما ولا معنى، مهمتهم العمل على إحلال فكرة التطبيع والمداهنة مع الكيان الصهيوني، وجندت لذلك الإعلام لكسر كل مقومات المقاومة والاستعداء، وترويض الأجيال لاستساغة أطروحات التطبيع والولاء.!
وبهذا ترسم معالم مرحلة جديدة بدأت تراسيمها تُخطُّ منذ سقوط العراق ثم الانقسام الفلسطيني ثم تدمير سوريا فاليمن وليبيا ثم نكسة مصر ومحاولات خنق التجربة التونسية وتوريطها في متاهة الاضطراب والانقسام، وإغراق لبنان والأردن في التيه والعجز السياسي والاقتصادي، أما المغرب فمنذ زمن الحسن الثاني اختار لعبة الموادعة واللوبيهات والعلاقات السرية، في حين لا تزال الجزائر تئن تحت وضع داخلي مترنح، ودبلوماسية تفقد يوميا نقاط ارتكاز حول مواقفها التاريخية دوليا وعربيا وإقليميا، مع وجود محاذير مؤكدة للاختراق عبر حركة الماك الحليفة للصهاينة، وعبر الالتفاف عليها من دول الجوار وتطويقها مغاربيا وإفريقيا وعربيا.
وفي ظل عالم عربي مهشم ومنهمك في الصراعات البينية والدكتاتوريات الرعناء، ينتعش الكيان الصهيوني في أعز فترات تاريخه ويحقق مساحات نفوذ حيوي واستراتيجي دون أن يطلق رصاصة واحدة، مرتكزا على أدوات القوة الناعمة والاختراق المرن للعمق العربي، عبر دبلوماسيته النشطة وتحالفاته الاستراتيجية وتكثيف تبادل العلاقات غير الرسمية والاستثمار في انهيار الدول العربية وانكسار آصرتها المهلهلة أساسا، وما زاد الجرح غورا هو الانقسام الفلسطيني الذي مثل القشة التي قصمت ظهر الأمة.
وأمام كل هذا المشهد الكئيب لا شك عندي أن الحق سيعلو وسينتصر، فهذا ما سطرته حقائق التاريخ، وأكدته آيات السماء، فثورتنا التحريرية الجزائرية ألهمتنا هذا المعنى العميق للنصر والتمكين بعد 132 سنة من الضيم والقهر؛ ولكن حتى وإن لم ننل شرف نصرة الحق في وقتنا الراهن، فلنا شرف المحاولة واستبقاء جذوة الوعي وضَّاءة في عقول الأجيال، حتى يأتي الله بقوم هم أشد بأسا وصدقا وأكثر نفيرا ” فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا.”(سورة الإسراء الآية 05)
*كاتب وأكاديمي جزائري
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر