وجيدة حافي*
مهزلة، خيبة أمل، نظام إقتصادي فاشل، ونظام بنكي من العصر الحجري” تعليقات وأُخرى جاءت عقب الإعلان عن الدول الست المنتمية إلى منظمة البريكس، والتي كانت الجزائر غير موجودة فيها لأسباب وأخرى، إذن بعد مد وجزر، وأوهام عشناها أو بالأحرى عيشنا فيها المسؤولون و الإعلام الجزائري بكل أنواعه، هذا الأخير الذي لم يترك فرصة إلا وتحدث عن ميزات الجزائر الإقتصادية والسياسية التي تمكنه من الإنضمام لهذا التجمع، مميزات وثروات نفتخر بها.
لكن على ما يبدو أنها لم تكن كافية لإقناع الدول الخمس الرئيسية للبريكس، ويأتي الخبر لينزل كالصاعقة على أولائك المتأملين خيرا والواثقين من قبول الجزائر، فالمتتبع لحديث محللينا يظن لوهلة أننا أمريكا أو أي دولة أوروبية عملتها مازالت المسيطرة على كل إقتصادات العالم، لكن بعد هذه الضربة الموجعة لا أظن أن الجزائري سيثق في كلام إعلامه ومسؤوليه الذين وظيفتهم تهدئة الأوضاع والتحكم في كل صغيرة وكبيرة لغاية إيجاد حلول بديلة ومؤقتة، ولأنهم فشلوا هذه المرة في تحقيق هذا وإيجاد ضحايا لتبرير فشلهم ليصبوا جل غضبهم عليهم كما جرت العادة من سنوات وسنوات، فالمهمة التي تنتظرهم لإعادة التموقع إقتصاديا وإيجاد مكان لنا في المنظمات العالمية الكبرى لحماية أنفسنا من الكولسة والنفاق الحاصل بين البلدان، فالعالم يتقدم بسرعة والحروب والأزمات غيرت كثيرا من وجهات النظر والعلاقات بين الدُول، فكل طرف أصبح يبحث عن مصلحته وتأمين حدوده، والذي لا يكون له تأثير قوي على كل المستويات يتعرض للتجاهل والخداع بسهولة، ولهذا قسم العالم لشمال متقدم يضم أكثر الدول تطورا ومن كل الجهات، وجنوب متخلف عكسه تماما، فهارد لاك لنا والعاقبة للمستقبل الذي نتمناه صادقا ومُضيئا من كل النواحي.
وبالعودة إلى المجموعة التي أُنشئت سنة 2006، وتمثل حوالي 40 بالمائة من سكان العالم، تتحكم في ربع الإقتصاد العالمي، بهدف إنهاء القطبية الأحادية وإيجاد بدائل أُخرى إقتصادية لدول سئمت من شروط البنك الدُولي للمساعدة والإقتراض، ومن هيمنة الدولار في كل تعاملاتها، تجمع يُنادي بالشعار الإقتصادي ويسعى إلى تغيير العالم وإيجاد بدائل أخرى للحد من هيمنة أمريكا وهيئاتها الإقتصادية، لا يُمكنه التغاضي عن المشاكل السياسية والحروب الواقعة حاليا بين أكثر من بلد بطريقة مُباشرة وغير مُباشرة، ولهذ كانت أُسس إختياراته مبنية على أهداف جيوسياسية، وحتى البُلدان التي أُختيرت هذه المرة كُلها تُعاني من مشاكل بينها وبين بعض، كإثيوبيا ومصر بسبب سد النهضة، والسعودية وإيران كذلك بينهم خلافات كثيرة، لدرجة أن إيران كانت البعبع الذي يخافه الخليجيون، لذا إختار مُؤسسوها هذه البلدان للحد من الصراعات بينهم وخلق جو من التفاهم والألفة في حُضن هذا التنظيم، لكن هذا لا يعني أن هذه البُلدان لا تتمتع بميزات جعلتها تكسب ثقة المُؤسسين الخمس، فالسعودية بلد نفطي بإمتياز، تمتلك إحتياطي ضخم من الثروات المعدنية، أكبر إقتصاد عربي وثاني أكبر دولة عربية من حيث المساحة، الأرجنتين تعد من أكبر منتجي السلع الزراعية في العالم، مصر فرغم عدم خروجها من العباءة الأمريكية وهيمنة الدولار على إقتصادها، إلا أن موقعها الجغرافي وثقلها الجيوسياسي زاد من أهميتها وأهلها لتكون ضمن المجموعة، النمو الديموغرافي المرتفع في مصر إذ تٌقدر نسبة السكان فيها حوالي 120 نسمة، دون نسيان قناة السويس التي تمر منها 10 في المائة من التجارة العالمية يوميا، يمر منها 17 مليون برميل نفط، فالإختيار لم يكن عشوائيا، بل بالعكس مصالح وفوائد كبيرة ستجنيها من هذه الدول الست الجديدة التي تشترك في ميزات أساسية كالنمو الديموغرافي والموقع الإستراتيجي وحاجيتها من السلاح والمواد الغذائية والتكنولوجيا المُتطورة، التخلص من هيمنة الدولار في التعاملات الإقتصادية وهذا لن يكون صعبا على الهند والصين من حيث المنتوجات والتكنولوجيا، وروسيا من حيث النفط والغاز، كذلك الدول الأولى في هذا التنظيم تحتاج للموارد الطبيعية وتريد بناء أسواق جديدة وهذا ما توفره هذه الدول، يعني العلاقة مبنية على المصلحة والفائدة التي يمكن لكل دولة إعطائها للأُخرى، لكن هذا لا يعني أن الإنضمام للبريكس سيُخلص الدُول من مشاكلها، بالعكس مُجرد الدخول بفكرة توفير المنتوجات والتخلص من هيمنة الدولار دليل على الفشل، فالمفروض أن تكون كل الدول المنضمة للبريكس قوية وذات أهداف إقتصادية بعيدة وذلك بزيادة الإنتاج المحلي، وإلا لن تكون هناك فائدة كبيرة من دخولها، وستبقى التبعية للبلدان العربية للصين وروسيا كما كانت من قبل لأوروبا وأمريكا.
أما قصة كسر الدولار وإخراجه نهائيا من المُعاملات الإقتصادية العالمية فلن يكون سهلا، وأمريكا دون شك لن تبقى مكتوفة الأيدي وهي ترى ما بنته من سنوات يضيع في رمشة عين، ضف إلى ذلك فإنهيار العملة الأمريكية يعني إنهيار إقتصادات الدول العظمى، ف 60 بالمائة من إحتياطي العالم في البنوك بالدولار، لذا فشعارات انهاء هيمنة الدولار الأمريكي تبقى مجرد حماس وفرضيات أكثر منها واقع، والتحول من وضع إلى وضع يحتاج إلى سنوات وسنوات وظروف عالمية تستدعي الحاجة لهذا الإستبدال بشرط ضمان البديل المقترح، فاليورو لم يستطع على مدى عشرين سنة الصمود أمام الدولار، بل هو من يعيش حالة إهتزاز بسبب مطالب بعض الدول المنضوية في الإتحاد على غرار فرنسا وألمانيا بالعودة للعملة المحلية، فالأمر ليس بالسهولة التي نتوقعها، لكن ظهور منافسة إقتصادية بين دول العالم مهم جدا.
فعدم دخولنا للبريكس ليست نهاية العالم، وربما فيها خير لنا في المستقبل القريب والبعيد، “فالفيتنام وماليزيا وأندونسيا” لم يوفقوا هذه السنة ولم يقم الإعلام العالمي والوطني الدنيا ويقعدها لأجل هذه البلدان التي تعتبر كذلك من أقوى إقتصادات العالم، فالأكيد أن المعيار الإقتصادي لم يكن السبب الوحيد في قبول بلدان دون أخرى، لأن ليس كل الدول إقتصادها يتعدى 200 مليار دولار، فالهيبة العالمية للجزائر بعيدا عن المغرب العربي والإفريقي هي من تسببت في هذا الإقصاء، سياسة عدم الإنحياز التي نتبعها في نظرهم من بين أسباب رفض طلبنا، بالإضافة إلى بعض الضغوطات من بعض البلدان العربية والتي لا تتفق معنا في بعض الآراء، ومهما تعددت الأسباب فالنتيجة واحدة وهي عدم تواجدنا ف هذا التجمع في جانفي 2024، وعوض البكاء على الأطلال، المطلوب منا الإبتعاد عن الشعبوية وبناء علاقات قوية مع البلدان وتقوية الدبلوماسية الجزائرية في مختلف أنحاء العالم، فلا تكفي زيارة أو إثنين للحديث عن علاقات قوية ومتينة كما نسمعها من إعلامنا عند كل زيارة يقوم بها الرئيس لبلد معين، تقوية الإقتصاد الداخلي من خلال إعادة النظر في تسيير البنوك والرفع من قيمة عملتنا، والخروج من سياسة الربح ببيع المحروقات التي إن واصلنا عليها لن نستطيع تصدير المحروقات ولن يكفي حتى الإستغلال الداخلي بعد ثلاثين أو خمسين سنة، سنجد أنفسنا نستورد موارد كنا نوفرها ونتمتع بها، فأين هو التحول الزراعي والصناعي الذي سمعناه ونسمعه حتى الآن، مُشكلتنا أننا نتكلم ونثرثر أكثر من أن ننفذ، تحول حتى وإن وجد فهو بطيء ولا يرقى لتطلعات الدول الكُبرى التي تريد أرقاما حقيقية لا وهمية.
فحظا موفقا لهذا التجمع الجديد والذي يمكن إعتباره ناد سياسي مفتوح لدول الجنوب الهادفة لتطوير مصالحها بعيدا عن الهيمنة الأمريكية، هو يُمثل الجنوب العالمي المحقور والمهمش في كل المجالات ومنذ سنوات عدة، لكن من المبكر جدا الحديث عن تحول النظام العالمي صوب تعدد الأقطاب، فالولايات المتحدة الأمريكية شئنا أم أبينا مازالت المتحكمة والرقم واحد رغم التعثر وضعف قدرتها على التأثير في السياسات الدولية.
*كاتبة جزائرية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر