السبت , يناير 31 2026
الرئيسية / اراء / أين معتصم العرب الجديد؟

أين معتصم العرب الجديد؟

خالد شحام*
بالأمس وفي خبر من النوع المصطاد من بحر الدموع تداولت الصحف والمواقع العربية خبرا كشفته صحيفة هآرتس الاسرائيلية (ببراءة ) عن عمل بطولي أخلاقي لجنود جيش الدفاع العبري يؤكد مدى إنسانيتهم ويكشف نوع وطبيعة العقيدة القتالية التي تربوا عليها ، حيث أقدم الجنود بتاريخ 10 تموز الماضي على اقتحام مجمع سكني في مدينة الخليل الفلسطينية فجرا وروعوا السكان من الأطفال والنساء واعتقلوا أحد الشبان و في الأثناء أقدمت مجندتان من نفس الكائنات المصاحبة على إجبار خمسة نساء فلسطينيات على خلع ملابسهن بالإكراه أمام أطفالهن بلا اي خجل ولا إنسانية وذلك من خلال ترويعهن بالكلب البوليسي المجند مع الجيش .
بداية اسمحوا لنا جميعا بخمس دقائق من الصمت عن الحياة ربما احتجاجا أو عزاءا ورثاءا لحال الأمة قبل أن نشرع في الكلام ونستوعب محتويات هذا الخبر الظاهرة والباطنة ، عندما تعيش الأمة عقودا من الضعف والمهانة والهزائم الضخمة المستمرة تحدث ظاهرة التمسحة في الوجدان والعقل والسلوك ويصبح الجسد الكبير المخدر جاهزا لتلقي الوخزات الاصغر بعد الضربات الأكبر بلا أي تحرج ، والتمسحة هنا ضمن تعريفات فن الأرابيسك تعني سماكة جلد الضمير والمشاعر التي تحرك كائن الإنسان بحيث لا تصله بالكاد إلا الضربات بالغة القوة ، مما يقود إلى انحدار الترتيب في سلم التطور والاستخلاف في الأرض ، التمسحة الأخلاقية والفكرية سادتي هي التي قادت إلى ظاهرة الانقراض الحضاري ثم الوجودي عبر التاريخ لأنها منعت الشعور بالخطر وحالت بين الوجود وفهم مهدداته .
الوخزات الصغيرة التي نتكلم عنها والتي تتكاثر بعد سماكة الجلد والتي لم يعد أحد يحفل بها تمثل في مجموعها حربا مصغرة لا أحد يلتفت إليها إلا عمالقة التاريخ وأصحاب الكرامة التي تناطح سحب الجبال ، في داخل الحرب المصغرة هذه تجدون باقة متنوعة من الوخزات من مثل طرد العرب أو امتهانهم لأنهم عرب في تركيا أو في أوكرانيا أو ألمانيا ، أو حرق القرآن الكريم ، أو السخرية من نبي الإسلام ، او الاعتداء على رمزيات الكرامة في الأمة من العراق حتى الفُلك العلوي ومن اليمن حتى الساحل الشمالي ، في داخل الحروب المصغرة هذه هنالك وخزة خاصة تستخدم منذ الأزل كرمزية للإهانة الإنسانية بمطلق معانيها ، تسمى هذه الوخزة بإسم حرب التعري أو فضح الجسد البشري الذي تتكامل مكانته واحترامه بظاهرة اللباس واللبس بشتى صنوفه ورمزياته لأن الإنسان وفي عرف الفلسفة والكون والدين هو كائن مكرم يستر عوراته الفطرية ، يحكي الحال بأن حرب التعري هي جزء لا يتجزأ من الحرب على الإنسان العربي والتي تستهدف كيانه الداخلي وتمس جوهره الإنساني خدشا للكرامة وكسرا لروحه المعنوية ، فمثل هذه السلوكيات المنحرفة إنما هي نهج ثابت في جعبة العدو وجنوده الأشباح حيال المواطن الفلسطيني والعربي ذكرا أو أنثى ، ومن يتابع زرد سلاسل الأخبارالفولاذية يمكنه ان يحصي حالات عديدة أكثر من أن تحصى ، ليس في فلسطين فحسب في كل الرقعة العربية المصابة بالمنفى وما العراق ولا سوريا ولا اليمن ولا لبنان منكم ببعيد .
في الحقيقة المريرة حرب التعري تستعر في زماننا ولو بأشكال ومسميات خفية ، فغير بعيد عن هذه الفعلة القبيحة نجد تعريا من نوع آخر وقسطا آخر من حرب التعري التي تشن على الأمة من حيث لا احد يدري ففي مستوى آخر تعلن فرنسا على لسان وزير التعليم وتحت شعار ( إن العلمانية مستهدفة وإنه لا بد من تشكيل جبهة موحدة في مواجهة هذا الاستهداف ) ( أُعلن لكم أني قررت أن لن نسمح بارتداء العباءة في المدارس ) هكذا أعلن وزير التربية الفرنسي غابريال أتال بن الأغلال ! واعلموا أن هذه الفعلة هي غمزة من حرب التعري لكل امة العرب والمسلمين واللبيب بغير الإشارة لا يفهم .
وفي مكان أخر وزمان قريب تستمر حرب التعري وممارسة الكيدية الجنسية السياسية على محور آخر حيث يقوم وزير خارجية العدو بزيارة لبلد عربي آخر ويقدم لنا وصلة مختلفة وجديدة من التعري العربي ويعقد المصافحات في أجواء معراة تماما للعورات العربية أمام كاميرات العالم أجمع !
في داخل الخليل وحيث اقترفت المجندتان فعلتهما القبيحة كنا هنا لنسأل أين لجان النهي عن منكر المقاومة والأمر بمعروف الخضوع الذين يبحثون في دورياتهم عن الشباب الفلسطيني ويقدمونهم هدية لسلطات الاحتلال ؟ السؤال لكم جميعا هو : كم يبلغ ثمن الشرف المشفر بتعرية إمراة فلسطينية ؟ وكم يبلغ سعر الكرامة المرمز بمصافحة يد كوهين ؟ ثم كم يبلغ سعر الإخبارية عن فدائي مختبىء في بيت الأهل العتيق ؟
الأسئلة هنا كثيرة ، والأسئلة عادة هي التي تدفع الى الحزن أو الجنون وقد تتسبب في الحرب أو السلم أو حتى الامتناع عن الخبز وربما تتسبب في طرح فنجان القهوة بعيدا ، لماذا تأتي مثل هذه التسريبات الناقلة لجرائم وحقارة الاحتلال من خلال الصحافة الصهيونية وأين هي الهيئات والمنظمات المدنية والدفاعية عن حقوق الشعب الفلسطيني والمنتجة من أجهزة السلطة ؟ كيف أن شيئا كهذا تم السكوت عنه طيلة شهر ؟ والسؤال الثاني : كيف نتصرف حيال مثل هذه الأخبار ؟ هل هو الثأر العربي للشرف القديم الذي نساه أصحاب أصحاب السبت ؟ أم هي فعلة متناسقة مع نسيج الامتهان الموزع على امة العرب في كل مكان من القتل والاعتقال والتجهيل والامتهان ضمن ظاهرة الحروب والوخزات الصغيرة ؟
تمثل المرأة العربية قيمة الرفعة والعزة ومكانة الشرف والقدسية الأعلى في منظومة الأسرة الشرقية ، وأية محاولة لمَسِّ هذه القيمة من خلال هكذا افعال فهي تعني إهانة لمكانة معنوية كبيرة في النفس البشرية لأنها فطرت على ذلك ، اما المرأة الفلسطينية فهي تمثل فوق كل ذلك قدسية أعلى لأنها هي مركز المقاومة ومركز المواجهة المفتوحة مع هذا العدو المجرم عديم الإنسانية ، إنها هي مصنع الرجال وهؤلاء المقاومين الذين يتحفون الزمان بالمعجزات ويكللون زمان العرب ببعض أطواق الياسمين الذي لا يذبل .
في محاولة لفهم حرب التعري ومعقلها الأساسي واستخدامها كوسيلة لامتهان القيمة البشرية والحط منها فعلينا بأن نفهم بأنها تقليد موروث في العقلية الأوروبية حيثما حلت يدها الاستعمارية للسرقة والبطش وما هو التاريخ عنهم ببعيد في الحرب العالمية الثانية ولا ما بعدها ولا في استعمار المغرب والمشرق العربي ولا في افريقيا ، إنهم أصحاب الفكرة ومالكو حقوق توزيعها على العقلية الاسرائيلية ، دعونا نتذكر ماذا فعل الأمريكان بالنساء العراقيات والمعتقلين العراقيين من المقاومة في سجن أبو غريب ، هذه هي حقيقتهم واخلاقهم وسيرتهم في التعاطي مع الأرض التي يغتصبونها ويذلون أهلها ، والحكايا أكثر من أن تعد أو تحصى.
في الحقيقة يا سيداتي بأننا نحن جميعا عراة أمامكن ، عراة من المحيط إلى الخليج ، عراة منذ اللحظة التي قُصِفت فيها المرأة في غزة ولم تجد معتصم التاريخ لتنادي عليه في المدن البائدة ، عراة منذ اللحظة التي دُفِعت فيها المرأة السورية الى خيام التشرد وسط البرد والجوع ولؤم الأخوة ، عراة منذ اللحظة التي صافح فيها ملوك الطوائف الملك العبري وشربوا معه دماء أطفال ونساء العرب ، عراة منذ قبل المرتدون عن محمد بإدخال نصوص المسيح الدجال في تشريعاتنا تحت اسم الحريات وحماية الطفل والأسرة والمرأة بينما هي تريد الفاحشة والانحلال وتحطيم قيمة ومكانة المرأة ، عراة يا سيداتي منذ شربنا نخب الحب في أوسلو وغادرنا فوهة النيزك وركبنا بلا عودة رحلة فضائية .
ذات يوم غير بعيد سنأسركم ونأسر المجندات اللواتي يعملن تحت لواء نجمة داوود ، ستوضع الأصفاد في أيديكم وأياديكن وستخفضون رؤوسكم انهيارا وذلا ورعبا ، سوف نضع على أعينكم عصابة العينين وربما نقص أظافركم ونحلق شعركم ، لكننا لن نعري رجلا ولا إمرأة ولن نقطع شجرة ولن نؤذي طفلا ولن نرهب شيخا لأن هذا ديننا وخلقنا وذلكم هو دينكم وخلقكم أيها المجرمون وإن غدا لناظره لقريب !
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التداعيات الجيوسياسية المحتملة للتحشيد العسكري الأمريكي!

د. هاني الروسان* يبدو أنه صار من الضروري في خضم هذا الضجيج الإعلامي حول طبيعة …