د.طارق ليساوي*
واحدة يذكر القراء الأفاضل إني كتبت بمناسبة زلزلزال تركيا و سوريا سلسلة من المقالات نبهت فيها إلى مخاطر الزلازل و الكوارث، و أشرت إلى أن بلدي المغرب غير بعيد عن خطر هذه الكوارث ..و لم يكن في يدور في ذهني أن ما نبهت و حذرت منه وقع و شاهدناه بـأم أعيننا ليلة الجمعة 8 شتنبر 2023 ، فقد تعرض وطني العزيز لزلزال مدمر إلى حدود كتابة هذه الأسطر أزيد من 2012 حالة وفاة و2059 إصابة من بينها 1404 إصابات خطيرة”.وبحسب بيان لوزارة الداخلية المغربية فإن الوفيات سجلت بتسعة أقاليم، بواقع “1293 وفاة بإقليم الحوز، و452 بإقليم تارودانت ، و191 بإقليم شيشاوة، و41 بإقليم ورزازات ، و15 بعمالة مراكش ، و11 بإقليم أزيلال “…
رحم الله شهداء الزلزال و ألهم ذويهم الصبر و السلوان و تعازينا للشعب المغربي في مصابه الجلل، ففي كل بيت و أسر هناك حالة طوارئ و تتبع للأحداث و خاصة فيما يحدث بالمنطقة الحوز و المناطق المجاورة التي كانت بؤرة للزلزال ..فالوضع يثير الحزن و الأسى ..و في هذا المصاب الجلل ينبغي أن نتجاوز خلاقاتنا السياسية و التجند جميعا لإنقاذ المتضررين و تقديم يد العون للأقاليم المتضررة التي تعاني من العزلة ..و من هذا المنبر أدعو كل فئات الشعب المغربي إلى المساهمة بفعالية في المجهود الوطني للإنقاذ و الإعمار و التضحية بالغالي و النفيس من أجل إنقاذ الأرواح و التخفيف من حدة المصاب ..
و أنتهز الفرصة لشكر كل شعوب و حكومات و كل الأفراد و الشخصيات ، الذين أعلنوا تضامنهم مع المغرب في محنته و مصابه العظيم ، أكتب هذه الكلمات و الدموع تنمهمر من عيني ، لأن لي أصدقاء و زملاء و أقارب في قلب المحنة منهم من قضى نحبه و منه من لا زال مصيره مجهولا ..
كثيرا ما أتعرض للنقد و أتهم بأني لا أرى الإنجازات التي تم تحقيقها في المغرب، و الواقع أني أحب وطني و شعبي إلى درجة لا تتصور ، فلست عاجز أو غير قادر على العيش بشكل دائم في بلد أجنبي، بل و أحصل على جنسيته ، لكني أحب هذا الوطن و أرغب في أن أكون أداة في البناء و التغيير و الإصلاح ..و عندما أنتقد الأوضاع فإني أساعد في توجيه الرأي العام أولا و النظام السياسي إلى مواقع الخلل و تنبيهه إلا المخاطر الأنية و المستقبلية ، عندما نعارض و ننتقد و نعبر عن وجهة مغايرة فإننا نخدم وطننا و شعبنا .. فالاختلالات و مكامن النقص و العجز لا تظهر بشكل جلي إلى وقت الأزمة و ساعة و قوع الكارثة ، فعند وقوع الزلازل و الكوارث الطبيعية بشكل عام تتعدد القراءات بين يد الله الخفية و حكمة الله الجلية ، و بين ما كسبت أيدي الناس ، ساعة سقوط عمارة أو فيضان واد أو انحراف قطار ، نسلم في بادئ الأمر بقضاء الله و قدره ، و نسلم بأن ما جرى مكتوب في اللوح المحفوظ، و لكن ما نلبت أن نشير بأصابع الاتهام لمن قصر و تسبب بشكل مباشر أو غير مباشر في وقوع مثل هذه الأحداث المؤلمة و المفجعة و المزلزلة..
و ساعة وقوع الزلازل و الكوارث الطبيعية بشكل عام تتعدد القراءات بين يد الله الخفية و حكمة الله الجلية ، و بين ما كسبت أيدي الناس ، ساعة سقوط عمارة أو فيضان واد أو انحراف قطار ، نسلم في بادئ الأمر بقضاء الله و قدره ، و نسلم بأن ما جرى مكتوب في اللوح المحفوظ، و لكن ما نلبت أن نشير بأصابع الاتهام لمن قصر و تسبب بشكل مباشر أو غير مباشر في وقوع مثل هذه الأحداث المؤلمة و المفجعة و المزلزلة..
ألم يقرأ كل منا منذ صغره سورة الزلزلة و حفظها على ظهر قلب قال تعالى : ( إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8))( سورة الزلزلة)فالزلزال قدر لكن حساب البشر بدوره قد أت و مقدر…فالسورة الكريمة تبدأ ب ” الزلزلة” ( إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ) ، و تنتهي بالحساب و الثواب و العقاب (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)..
و أغلب بلداننا العربية مهددة بالأزمات البيئية و الكوارث الطبيعية من زلزال و فيضان و حرائق و أعاصير و تصحر و جفاف، و بالأكيد بلدي المغرب في قلب هذه الأزمات و الكوارث الطبيعة، ففي السنة الماضية وقفنا على أزمة العطش و نذرة الماء من خلال حدث محلي تحول للكونية، عندما سقط الطفل ريان رحمه الله في بئر جاف، و قد كان هذا الحدث المفجع فرصة لتنبيهنا جميعا لخطر قادم عنوانه الأكبر نذرة الماء…
وعلاقة بالزلازل فقد عرف المغرب عدة زلازل عبر التاريخ، وكان أخطرها زلزال أكادير سنة 1960 الذي كبد أضرار بشرية ومادية، وكذا زلزال 1969 الذي ضرب كل البلاد وخلف عشرات القتلى و200 جريح، ثم الزلزال العنيف الذي هز مدينة الحسيمة في 24 فبراير 2004 وتسبب في مقتل وتشريد مئات السكان. فيما يلي جرد لأهم الزلازل التي ضربت المغرب منذ عام 818 للميلاد حسب موسوعة المغرب الكبرى:
-28 ماي 818م ضرب زلزال مريع ضفتي مضيق جبل طارق.
– أول دجنبر و30 منه عام 1079 دمر زلزالان عنيفان أبراجا ومنارات وبنايات فيما لقي العديد من الأشخاص مصرعهم تحت الأنقاض.
– العام 1276 تسبب زلزال قوي في تدمير مدينة العرائش مخلفا العديد من القتلى.
– شتنبر من العام 1522 ضرب زلزال عنيف المغرب تسبب في دمار مدينة فاس وفي خسائر بمدينة تطوان.
-26 يناير 1531 شعر سكان المغرب بوقع زلزال قوي.
– أول مارس 1579 دمر زلزال ضرب مدينة مليلية عشرات المنازل وجزء من سور المدينة.
– 11 ماي 1624 دمر زلزال كارثي الجزء الأكبر من مدن تازة و فاس و مكناس.
– 5 غشت 1660 ضرب زلزال عنيف مدينة مليلية مجددا وخلف خسائر مادية كبيرة.
– يوليوز 1719 شهدت المدن الساحلية المغربية زلزالا قويا دمر أيضا جزءا من مدينة مراكش.
– 27 دجنبر 1722 خلف زلزال مدمر خسائر جسيمة في المدن الساحلية المغربية.
– في 1731 دمر زلزال آخر مدينة أكادير.
– 1 و18 نوفمبر 1731 دمر الزلزالان اللذان ضربا مدينة لشبونة البرتغالية أغلب المدن الساحلية المغربية.
-15 أبريل 1757 دمر زلزال مدمر عدة بنايات بمدينة سلا المجاورة للرباط.
– 12 أبريل 1773 دمر زلزال عنيف مدينة طنجة تدميرا شبه كلي فيما انهارت عدة منازل بفاس فيما شعر سكان سلا بالهزة.
– غشت 1792 ضرب زلزال عنيف مجددا مدينة مليلية ودمر عددا من البنايات.
-11 فبراير 1848 خلف زلزال عنيف خسائر جسيمة في مدينة مليلية وشعر به السكان في عدة مناطق بالمغرب.
– 12 و22 يناير 1909 دمر زلزال دواوير بقبيلة غمارة بضواحي مدينة تطوان، مخلفا مائة ضحية بين قتيل وجريح.
-4 يناير 1929 تسببت هزة أرضية في خسائر بمدينة فاس وضواحيها.
-29 فبراير 1960 دمر زلزال بقوة 5.7 درجة على سلم ريختر المفتوح مدينة أكادير مخلفا 12 ألف قتيل وخسائر مادية قدرت آنذاك بـ290 مليون دولار.
– 28 فبراير 1969 شعر سكان جل مناطق المغرب بوقوع زلزال قوي حدد مركزه بمدينة لشبونة البرتغالية غير أن الهزة بلغت قوتها القصوى بالساحل الأطلسي وحددت حصيلة الزلزال في حوالي عشرة قتلى و200 جريح.
و قد حرصت على استحضار هذا الجرد التاريخي للزلازل بالمغرب حتى أوضح للقارئ الكريم أننا لسنا ببعيدين عن مثل هذه الكوارث المفجعة ، و أغلبنا يذكر الزلزال الذي ضرب مدينة الحسيمة (شمال المغرب) يوم 24 فبراير 2004 في تمام الساعة 02:27:47 بالتوقيت المحلي وبلغت شدته 6.3 على مقياس ريختر ، و خلف هذا الزلزال خسائر بشرية ومادية وعمرانية كبيرة، حتى أن المناطق المجاورة للمدينة هي الأخرى تضررت من هذا الزلزال قُتل ما بين 628 و 631 شخصًا معظمهم من سكان المناطق القروية وجُرح 926 وشرد ما يصل إلى 15000 شخص…و وقع الزلزال بالقرب من الطرف الشرقي لحزام جبال الريف، وهو جزء من الحدود المنتشرة بين الصفيحتين الأفريقية والأوراسية.
و كان هذا الزلزال من ضمن الزلازل التي تابعها الرأي العام الدولي و سالت بشأنها الأقلام، عن المسؤول بعد الله تعالى عن تعدد الكوارث و أثارها البعدية ، أي غياب أو ضعف وسائل الإنقاذ و التدخل السريع و التلاعب في المساعدات و هجران مكان الفاجعة بعد إنطفاء عدسات الكاميرا و رحيلها في انتظار الكارثة الموالية..
و بالعودة إلى أسباب وقوع الزلازل و ما يصاحبها من كوارث في الأرواح و الأموال، نجد أن درجة مقياس ريختر عموما، لا تعد المقياس الوحيد لحجم الزلزال و درجة خطورته ، حيث تؤثر عوامل أخرى في حجم المخاطر ، مثل الكثافة السكانية في المنطقة و طبيعة التربة و علو البيانات ، و طبيعة البيانات هل تم الأخذ بعين الاعتبار المخاطر البيئية المستقبلية منذ لحظة الإنشاء و إعطاء رخص البناء…فيد البشر التي عمرت و أذنت بتعمير منطقة هشة جيولوجيا هي المسؤولة عن حجم الدمار أكثر من الدمار نفسه ..
و علاقة بهذا النقاش يحضرني نقاش فلسفي عميق دار بين فولتير و جان جاك روسو على خلفية زلزال لشبونة الذي حدث في الفاتح من نونبر 1755، أوقع تقريبا ما يزيد عن 50 ألف قتيل. في ذلك الوقت كانت لشبونة، بعد باريس ونابولي، تُشكل واحدة من عواصم أوروبا الأكثر ازدهارا. وبما أن الزلزال قد حدث في عيد التوسان (عيد جميع القديسين) المسيحي، فقد استغل رجال الدين البرتغاليين هذا الأمر من أجل تأويل الحدث على أنه غضب من الله على سكان لشبونة الذين تسامحوا بشكل مبالغ فيه مع المُجَدِّفين والكفرة الانجليز الذي كانوا حاضرين بقوة في العاصمة البرتغالية آنذاك. بعيدا عن خلاصة اللاهوتيين هذه، كانت هذه الواقعة مناسبة من أجل مُراجعة فلسفة الفيلسوف الألماني غوتفريد لابنتس، والتي مفادها أننا نعيش في أفضل العوالم الممكنة.
و في هذا السياق كتب فولتير قصيدة على السريع يهاجم من خلالها هذه النظرة المتفائلة التي كانت سائدة والتي يمثل الفيلسوف الألماني “غوتفريد لابنتس” المُبشر الأول بها في كتابه الشهير، “مقالة حول الإنسان” (1734) : الخالق، من خلال حكمته المطلقة، صنع أفضل العوالم الممكنة. فولتير قال في قصيدته، بأن هذه النظرة تُشكل استهتار بمآسي كل البؤساء، وخاصة ضحايا الزلزال منهم، قائلا : “يجب الاعتراف بذلك، الشر يُوجد فوق هذه الأرض”. ونعلم أيضا كيف سخر فولتير بشكل واضح من هذه الفلسفة في روايته “كونديد” : ” إذا كان هذا هو أفضل العوالم الممكنة، فيكف سيكون أسوأها؟”. يبقى أن فولتير لم يكن متشائما بشكل مطلق، وإنما دافع عن تفاؤل عقلاني عَبَّر عنه في نهاية قصيدته ب ” يوما ما سيكون كل شيء على ما يرام، هذا هو أملنا……كل شيء على ما يرام اليوم، هذا هو الوهم”.
و في مواجهة فولتير، كتب جاك روسو رسالة بتاريخ 18 غشت 1756، لم يُظهر فيها أي شفقة أو تضامن مع الضحايا، بل ذهب أبعد من ذلك حين قال : ” ضمن هذا العدد الهائل من الضحايا التي سحقها الركام، يُوجد الكثيرون وَفَّر عليهم الزلزال مآسي أعظم”. ومهما يكن من أمر، فصاحب العقد الاجتماعي يُحَمِّلُ الإنسان – ليس مسؤولية الزلزال – ولكن مسؤولية هذا العدد الهائل من القتلى، فلو كان يقطن في الصحراء لما حدث لهم ما حدث. هنا نلتقي مع فلسفة جان جاك روسو المعادية للتطور الحضاري المسؤول الوحيد عن إفساد البشر، وبالتالي يتعلق الأمر بأناس حضاريين قاموا بتشييد منازل من عدة طبقات، ووحدهم سبب كل هذا الدمار، أما العناية الإلهية فهي غير مسؤولة بتاتا…
هذا النقاش الذي طرحه فلاسفة الأنوار يحاول تحديد المسؤوليات بوضوح بمعنى من المسؤول عن حجم الدمار و كلفته البشرية و المادية ؟ الجواب عن هذا السؤال الجدلي سنتركها للمقال الموالي إن شاء الله تعالى.. و في الختام أتقدم بأحر التعازي للشعب المغربي و لذوي الضحايا بشكل خاص راجين من المولى عز و جل أن يرحم الضحايا و يجعلهم من الشهداء، و يلهم ذويهم الصبر و السلوان ، و يخفف من معاناة الجرحى و المكلومين و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم..و أتوجه إلى أبناء شعبي بضرورة الإنخراط بشكل فاعل و إيجابي في المجهود الوطني كل حسب قدرته و إمكانياته و أضعف الإيمان التبرع بالدم ، و الدعاء و التضرع للمولى عز و جل أن يلطف بنا جميع .. و هنا لا بد لي من توجيه تحية للقوات المسلحة و الوقاية المدنية و غيرها من الهيئات العمومية و المدنية و المواطنين الذين يشتغلون ليل نهار لإنقاذ من هم تحت الأنقاض ، و تحية لكل فعاليات المجتمع التي انتفضت بسرعة و عفوية في شمال المغرب و جنوبه و شرقه و غربه و أخدت في تنظيم قوافل إغاثية للأقاليم و المناطق و القرى المتضررة و التبرع بالدم و الغالي و النفيس لإنقاذ إخوانهم المتضررين ..و صدق رسول الله عندما قال ” الخير في و في أمتي إلى يوم القيامة” .. و الشكر موصول لكل الشعوب العربية و الإسلامية و للإنسانية بشكل عام على تضامنها المطلق مع الشعب المغربي ، و أوجه تحية خاصة لشعب فلسطين و للإخوة الجزائر على موقفهم النبيل، فموقف الجزائر أثلج صدري كما أثلج صدر ملايين المغاربة المؤمنين بأننا إخوة و أشقاء مصيرنا و مستقبلنا واحد ..فحمدا لله أن جعل الله في قلب محنة الزلزال منحة ، و أهم منحة أننا أمة واحدة ، و شكرا لكل من راسلني لتعزيتي في هذا المصاب الجلل، و إني جد ممتن لهذا التضامن و التآزر حماكم الله و عافاكم من كل سوء.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..
*كاتب وأكاديمي مغربي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر