خالد شــحام*
في لحظات الصدمة يرتبك العقل البشري وتختلط عليه الأبواب بين القرارات العصبية والعاطفية، هل نحزن أم نغضب أم نصنع مزيجا متفجرا من الإثنين معا؟ هل نثور أم نلوذ بالصمت أم نخلط الأول بالثاني ونبتلع الطعم الجارح؟ ماذا نقول لك يا ليبيا ؟ كيف للعروبة الهاربة أن تواري سوءتها مما جرى لك؟ بأي عين يمكننا الوقوف في حضرة التاريخ والأرواح التي أزهقت؟
أدرك تماما بأن الوقت لا تليق به مقامات العتاب وبأن تضافر الجهود لا تسبقه أية أولوية أخرى، لكن للضحايا هدير يفوق هدير السيل المتوحش ولا يعفي أحدا من مسؤولياته، إنه ثقل هائل فادح في ضمير المسؤولية، حتى اللحظة أكاد لا أصدق بأن ليبيا فقدت أكثر من عشرين ألف ضحية نتيجةً لفيضان! حتى اللحظة لا أكاد أن أفهم ولا أن أتقبل بأننا فقدنا هذا العدد في ظرف دقائق قليلة ثم الادعاء بأن الضحايا وحدوا ما وراءهم من الفرقاء .
حتى اللحظة لا يزال الفيضان المسكين يأتينا في المنام ليقسم لي ولكم بأنه بريء ويبكي بمرارة ليدفع عن نفسه تهمة القتل أو تهديد حياة البشر، دعونا نسأل (حكومة الوحدة الوطنية) او (المجلس الرئاسي) أو حتى الجنرال السيراميكي كيف وأين ومتى؟ من أنتم؟ من جاء بكم؟ أين ثروات ليبيا التي يمكنها أن تبني بلدا من الطراز الأول وأين ذهبتم بها ؟ لماذا يعيش المواطن الليبي وكأنه في القرن الثامن عشر؟ أين الخدمات والمؤسسات والرفاه الذي وعدنا به (الثوار) ضد الرجعية بعد الإطاحة بالطاغية حسب زعمهم ؟ أين المشافي الحديثة وطواقم الإسعاف والدفاع المدني والمعدات ؟ لماذا تبدو درنة كأنها مدينة بناها الإنسان الأول؟ لماذا تبدو الان وكأنها مدينة الموتى والاطلال؟ اعذروا غضبي والانفعال المتدفق في عروق أسئلتي التي لم تعد تطيق صبرا.
عقب احداث الربيع العربي وسقوط معمر القذافي تحولت ليبيا إلى جمهورية موز حسب فقه السخرية السياسية المريرة بفضل اللعب والفوضى التي دبت في أوصال البلاد وظهور مهرجين من كل المِلل والكُتل وكنا نهلل ونكبر ونضحك ونأكل من الموز فرحا بهذا (الانجاز) (الثوري) العظيم ثم لنضحك على أنفسنا تاليا، اليوم ومع تكامل القبضة الغربية على المشهد الليبي بات من الضرورة الترحم على مصطلح جمهوريات الموز لأننا دخلنا بابا جديدا في التفكك والانحطاط السياسي توجب معه الدفع بالسخرية السياسية لتتكيف مع المشهد فقد تحولت بموجبه جمهورية الموز الى مدعاة للترحم و للفخر والطمأنينة، اليوم وبالتمام والكمال يحدث التحول نحو جمهورية ( كريم كراميل ) وينسحب عمر المختار الى قبره غاضبا لأن الموت أرحم من الحياة، ليس المشهد الليبي وحيدا في ذلك فالمشهد الفلسطيني واللبناني و كثير من العواصم يلحق بنفس الركب لأن عواصمنا ليست مستعدة لأي شيء سوى فتح القبور الجماعية عقب المصائب، في جمهوريات كريم الكراميل وصفة التخريب المطلق جاهزة وبسيطة تحت إســم الفوضى، اخلط الصدق بالكذب والعلم بالشعوذة والأرقام بالتنجيم والخوف بالأمان، امزج الفقر بمظاهر الثراء وشهادات الدكتوراة بالجهلة من الطراز الأول، افعل كل ذلك وسوف تحصل على بلد فاشل وشعب فاشل ومستقبل مجهول، هذا هو المستقبل المرسوم لكثير من دول العرب، حكومات فاشلة وقرارات غير بريئة لا تخلو من أجندات تدميرية لكل شيء، مسرحيات تجري بطول البلاد وعرضها وشعوب تغط في سبات لا يقظة منه!
في جمهوريات كريم الكراميل لا يمكنك تصديق شيء ولا الثقة بشيء لأن الطين والخرائب وأعواد الخشب تتشابك معا وتحجب رؤية الموتى، لا يمكن للمسؤول ذي البذلة الأنيقة أن يكون معبرا عن نكتة اسمها ( السيادة ) ولا علاقة له بإرادة، في جمهوريات الكراميل ترتدي ( وزيرة الخارجية ) ملابس وياقة نسائية وفقا للذائقة الأوروبية كي ترضي عيون من وضعوها في المشهد وتتنكر لزيها التقليدي المرتبط بالتاريخ العربي، في جمهوريات كريم الكراميل تنصهر كل مكونات المسؤولية وادارة البلاد والصدامات والسياسيين والخونة والمستعمرين وأنابيب النفط والحرس القديم مع الجديد في كتلة صفراء واحدة متجانسة لزجة القوام وثقيلة الحركة ولا تكاد تعرف أين ذاب فلان ولأي شيء ينتمي، في جمهوريات كريم الكراميل عندما تتحدث الاحصاءات عن نجاح ومكتسبات أو تحسنات بمقدار 80% نتيجة (السياسات) الذكية فاعلم بأن الحقيقة هي تحسن بمقدار 0.2% ليس أكثر، وعندما يتكلم هؤلاء عن ضحايا فيضان بمقدار 3 الاف ثم 5 ثم 10 الاف ثم 20 ألفا فاعلم بأن العدد الحقيقي هو 50 ألف ضحية على الأقل.
في جمهورية كريم كراميل لم يحدث الفشل فقط في التسبب بالعدد الفادح والمؤلم للضحايا بل تسلق الفشل بوابات أرقى في عيون السماء عندما وقفت (الحكومات) مكبلة الأيدي لا تدري من أمرها شيئا حيال الدمار والاخفاق وانتشار الأوبئة بلا معدات ولا تجهيزات ولا كوادر ولا أية بنية تحتية أو مؤسسات مدنية مؤهلة للتعامل حتى مع انسداد شبكات الصرف الصحي، الحل الوحيد الذي حضر هو المساعدات السياسية والتسول السياسي والتفرج بحسرة وحرج على حالهم وحال البلاد التي تكفي ثرواتها لتحويلها إلى جنة العرب تماما كما فُعِل بالعراق.
عشرون ألف ضحية أيها الكافرون؟ ما هذا؟ هل الشعب الليبي المسكين ذباب؟ ما نوع المعيشة والمدنية والبنية التحتية اللازمة كي يموت هذا العدد في فيضان خلال دقائق؟ هل نحن حشرات أم كائنات دقيقة ؟ كيف يعقل هذا وما الذي يحدث للمواطن العربي الذي مسختم مكانته وقيمته ! فليفرح بكم اعداء الأمة لأنكم قمتم بالمهمة المثلى نيابة عنهم وتخلصتم من 20 ألف عربي دفعة واحدة بلا عتاب ولا عزاء ولا معزين .
عشرون ألف قتيل أيها المجرمون؟ عشرون ألفا مرة واحدة من هذا الشعب المعذب الذي لم يذق طعم الراحة منذ حضرتم الى سدة الحكم ؟ لقد عجز الزلزال أن يقتل هذا العدد بمثل ما فعل الفساد والاهمال والاستهتار بالشعب الليبي المسكين ! أين الجنرال ذو الوجه الخزفي وذو الألف نيشان من موتى تكلل صدره ؟ بماذا تتفاخر وتتباهى ؟ لماذا لا تقصف الفيضان من دباباتك التنكية ؟ أين المنقوشة ولماذا لا تتصل بمن اجتمعت معهم لتبكي على صدورهم قليلا ؟
بات من الواضح ضميرا بأن الكوكب يتحضر لضربات موجعة للبشرية وحقيقة التخوفات التي كانت تأويلا ومزاحا انقلبت إلى مصير محتوم ينتظر سكان الأرض، في ظل ذلك الملاك المهيب يأتي سؤال المليون قتيل : ما هي الأهلية التي تمتلكها دول العروبة كي تبقى على قيد الحياة؟ ما هي الأهلية التي تمتلكها بينما يعاني مواطنوها في الأيام العادية من البطالة والجوع وعدم كفاية المشافي و المدارس والطرق والموارد؟ ماذا سيحدث لمصر أو لبنان أو اليمن كمثال أو سواهما في الشرق لو أن البحر قرر أن يفقد عقله ؟ كم سنفقد من ضحايا لو أن الماء جاءه الأمر بالثورة التي فشل فيها البشر على الظلم والقهر والخسران في الدنيا والاخرة؟ كم مدينة عربية ستتبقى لو أن الهواء أوحِيَ إليه أن يصير صَررا عاتية يسلطها في ثمانية أيام حسوما على الذين باعوا الفقراء وباعوا البلاد وسكروا مع أعداء الأمة؟ كم يمكن ان تتحمل الدول الكرتونية والجنرالات الفخارية لو جاء الأمر وامتثلت صفائح البازلت والجرانيت للرجفة؟ من سيبقى من شعوب الفقراء كي يمارس عليه هؤلاء الحكام دور البطولات ويستعرضون بذلات الفاتحين؟
يا للعار !
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر