السبت , يناير 31 2026
الرئيسية / اراء / من دروس الزلزال!

من دروس الزلزال!

د.طارق ليساوي*
قلت سابقا أن قرار رفض المغرب المساعدات الدولية الإنسانية قرار متسرع و مجانب للصواب؟ بل كان القبول سيسهم في وأد الفتنة و البناء على روح إيجابية انبثقت منذ صدمة الزلزال، تجاوب عفوي و أخوي من قبل الجزائر حكومة و شعبا و امتنان و ترحيب من قبل غالبية الشعب بل حتى الحكومة المغربية ، بدليل الموقف العفوي الصادر عن وزير العدل المغربي ، و الذي عبر عن موقف عفوي و مسؤول بحكم ما يعرف بالتضامن الحكومي، فالرجل أمين عام حزب و ووزير للعدل و ابن مدينة تارودانت و رئيس مجلس بلديتها، و الواقع أن موقفه موقف طبيعي و ينبغي ان يكون موقف كل من يشعر بحجم المأساة و المعاناة التي تعرض لها جزء من مغربنا العزيز و شعبنا الأبي ..لكن علينا الإقرار أن بعض من يتولون شؤوننا بعيدون عن تطلعات و معانات بقية أفراد الشعب و لاسيما الفئات المسحوقة و المطحونة ، فهؤلاء مجرد أعداد في رقعة شطرنج السياسة الداخلية …
و من واجبي كمغربي يحمل هم وطنه و شعبه أن يكون له دور بناء و فعال في سد باب فتنة و أزمة تطل بعنقها، خاصة و اننا فتحنا هذا النقاش في وقت سابق مع الدكتور محي الدين عميمور ، و توقف نقاشنا عند حلقة الخطوة الأولى إلى الأمام ، و قد عبرت أكثر من مرة أن العاهل المغربي مد يده للجزائر فلماذا رفضت القيادة الجزائرية يد المغرب الممدودة، لكن و بعد موقف الجزائر الواضح و الصريح بالوقوف بجانب الشعب المغربي في محنته ، و تجاوز الخلافات السياسية و الدبلوماسية و لو لحين ، كان من واجبنا الترحيب بمساعدة الإخوة الأشقاء و الجار القريب ، بل أذهب إلى أبعد من ذلك فالجار ينبغي ان يتدخل دون حاجة لإذن مسبق أو ترتيبات بعينها ، و كثيرا ما يواجهني موقف الجزائر برفض عروض المساعدات المغربية لإطفاء الحرائق ، و أن المغرب يتعامل ب”مبدأ المعاملة بالمثل”، و لنتجاوز هذا النقاش الحلزوني ، ينبغي ان نؤكد أننا عند الحرائق التي أصبت الجزائر مثلا ،كان ينبغي للطائرات المغربية أن تتدخل للإطفاء بشكل عاجل و دون حاجة للإذن و غيرها من الأعراف الدبلوماسية، و عند مصيبة الزلزال كان ينبغي بالمثل أن تتدخل الجزائر دون الحاجة لإذن ..نحن بلدين جارين و شعبين تربطهما رابطة العقيدة و النسب و الدم ..و نأمل أن نخرج من هذه الدائرة المفرغة ، و رغم أننا نأمل ألا يصيب أهلينا في البلدين بأي مكروه أو مصاب ، لكن إذا قدر الله أمرا ما، فنأمل أن يتم تجاوز هذه الخلافات الشكلية و المصطنعة ، فالعلاقة بين الشعبين قوية و مثينة و لا يمكن قطع أواصرها بتلاعب اللاعبين أو مكر الماكرين …
لكن لنترك أمر المساعدات و منهجية التعامل معها ، و لنوجه بوصلتنا إلى الزلزال و أثاره المدمرة و منهجية تعامل الدولة التي رفضت قبول المساعدات الأجنبية ، الحصيلة الأولوية مفجعة و حجم الدمار مهول ، رحم الله شهداء الزلزال فقد إنتقلوا إلى رحمة، خرجوا من ضيق الدنيا إلى سعة الأخرة، إنتقلوا من ظلم و جور البشر إلى عدل و رحمة رب البشر …الضحايا و الشهداء كثيرون في اوطاننا العربية الموبوءة بالفساد و الإستبداد المصابة بفيروس الظلم والاستعباد و الإستحمار، والفرعونية السياسية …
لكن دائما ما أكرر قوله تعالى “إن الله لا يصلح عمل المفسدين” ، إعلام يصور دون التزام بضوابط أخلاقية و دون مراعاة لمشاعر المصابين بفاجعة الزلزال و ما أعقبها من فواجع إنسانية و تعليقا على تدوينة كتبتها أحد القراء قائلا: “سيدي الفاضل انتظر قليلا..عندها يمكن أن نخوض في التحليل و البحث إن قصرت الحكومة أو السلطة..أخبرنا أيها الخبير ما عساك كنت فاعله في هذه المصيبة إن كنت مسؤولا..لا أظن أنك كنت ستحقق المعجزات سيدي؟”
من حيث أني مسؤول فإني مسؤول للقيام بواجبي و من مكاني فهذا أمر من مالك الملك رب العالمين الذي قال في محكم كتابه : (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر …) فخيرية الأمة لها صلة بالأمر بالمعروف و إنكار المنكر، و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان” ، و أيضا قال محمد عليه الصلاة و السلام : ” كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته : الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته؛ فكلكم راع ومسئول عن رعيته “
أما في حالة لو كنت مسؤولا عن إنقاذ الضحايا ؟ فسوف أعمل بصمت ودون حاجة للبهرجة و التسويق و الدعاية الحمراء، لأني أعلم جيدا قدرات البلد و حال التنمية، و سأعمل على تجريب الحلول السهلة و السريعة..و من ذلك الإستعانة بالخبرات الدولية التي لها الكفاءة و الدراية في التعامل مع مثل هذه الحالات ..
للأسف بعض القراء المغاربة، يتهمونني بأني أشوه صورة البلاد، بسبب تركيزي على السلبيات، و أني غير ” وطني “، ولست في حاجة للدفاع عن نفسي ، فما أقوله قاله العاهل المغربي في ثلاث مناسبات متقاربة ، فقد إعترف لعموم المغاربة بثلاث حقائق صادمة :أولا، بفشل التوزيع العادل للثروة. وثانيا، بفشل الإدارة المغربية بسبب عدم وجود حكامة جيدة وغياب ثقافة المحاسبة، وأخيرا بفشل النموذج التنموي…
فالإشكاليات و الإختلالات الكبرى التي يشهدها العالم القروي خاصة و المغرب عامة لها صلة بفشل الإدارة السياسية و ضعف أداءها إلى جانب انحراف السياسات و تحيزها للأقلية بدل الانحياز للغالبية، هذا إلى جانب ضعف الشفافية و غياب المساءلة و المحاسبة، فالبلاد تعرف فسادا إداريا و ماليا فاحشا، إلى جانب سياسات توزيعية سيئة تجعل ثمار النمو على ضعفه حكرا على القلة، كما أن ثروات البلاد تجد طريقها لحسابات وجيوب قلة من المسؤولين بدلا أن تكون أداة للتنمية و إشباع حاجيات الأغلبية ..
فالمغرب بالرغم من توفره على إمكانيات ناذره من الممكن أن تجعله وجهة استثمارية أكثر تنافسية في السوق الدولي، غير أن الإدارة السياسية والاقتصادية عاجزة عن تحقيق البنية التحتية والتنظيمية الضرورية لتحقيق الإقلاع الاقتصادي، وإخراج النمو من عتبة ما دون 3.5 % إلى ما فوق 8% سنويا و لمدة طويلة و ممتدة، باعتبارها النسبة القادرة عمليا، على امتصاص حجم البطالة في المغرب…
والسبب الرئيس في تخلف المغرب اقتصاديا، رغم الإصلاحات الاقتصادية والمالية المتتالية، راجع بالأساس إلى أن السلطة السياسية لا تتمتع باستقلال أصيل، وإنما موجهة من قبل من بيدهم المقدرات الاقتصادية، فكبار التجار والصناعة والمزارعين هم من يقبضون بالخيوط الأساسية في صياغة ووضع السياسات، ويوجهون الدولة إلى إصدار قرارات تهدف في النهاية إلى تحقيق مصالحهم.
فالسلطة السياسية في المغرب وسيلة للحصول على القوة الاقتصادية، فالمناصب لا تطلب لذاتها، وإنما للاستئثار بمزايا اقتصادية، ومادام الأمر كذلك فمستقبل البلاد لن يتجه إلا نحو مزيد من الانحدار والفقر والبطالة وسوء توزيع الثروة الوطنية و الموت من أجل لقمة الخبز و حادث الطفل ريان و معمل مدينة طنجة الذي ذهب ضحيته 28 مواطن نتيجة للغرق خير مثال، وبالتالي اتساع حالة اللااستقرار وانعدام السلم الاجتماعي، فالمنهج المتبع يقود البلاد والعباد لا محالة إلى الهاوية ووقف هذا الانحدار مرتبط باستراداد الأموال المنهوبة و تطهير دواليب الدولة من الفاسدين ومصادرة أموالهم التي تمت مراكمتها بطرق غير مشروعة، فهذه الإجراءات العاجلة مقدمة ضرورية و حتمية لأي إصلاح سياسي أو إقتصادي أو اجتماعي جدي و حقيقي ..
أيها السادة الزلزال و غيره من الفواجع و الكوارث رسالة ربانية، نعلم يقينا أن هناك حكمة ربانية من وراءها، نتمنى أن يتوقف البعض عن المتاجرة بهذه المأساة بدعوى تقديم العون و المساعدة للمنكوبين، من قبل شخصيات تبحث عن الشهرة أو الظهور، أو من قبل مؤسسات عمومية تبحث عن تحقيق مكاسب سياسية، أو من قبل مؤسسات إعلامية تبحث عن رفع عدد متابعيها…
ينبغي أن تدرك الدولة أنها فشلت في فك عزلة العالم القروي، و في الرفع من معدلات التنمية و تقليص الفوارق، فكم نود أن نرى تلك الجرافات التي وظفت ” لتحويل جبل لإنقاذ طفل” لتبقى حاضرة و شغالة ليل نهار ، لفك عزلة القرى و الدواوير و إخراجها من حفرة العزلة و المعاناة و الحرمان ، كم نود أن نرى نفس الحيوية و الحماس الذي رأيناه في هدم البيوت و دور الصفيح مؤخرا بمدينة تمارة و النواحي أم أن الهدم سهل و لكن البناء و التعمير أصعب؟ّ!
ومن أهم دروس زلزال الحوز و النواحي ، و التي ينبغي ان نجعلها موضع إهتمام و دراسة أن المغرب في أمس الحاجة لإصلاحات جذرية تعيد الإعتبار للشعب و مفاصله الحيوية..
وفي الختام أتقدم بأحر التعازي للشعبين المغربي و الليبي بشكل عام و لذوي الضحايا بشكل خاص في الضحايا القدامى و الجدد، راجين من المولى عز و جل أن يرحم الضحايا و يجعلهم من الشهداء، و يلهم ذويهم الصبر و السلوان ، ويخفف من معاناة الجرحى و المكلومين و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..
*كاتب و أكاديمي مغربي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

شكرا جوارديولا !

رشيد بورقبة* أثار موقف المدرب الإسباني غوارديولا اعجاب العالم أمس بمدينة برشلونة وهو يدافع بشراسة …