عبد السلام بنعيسي*
تبدّدت غيمةُ التفاؤل التي سادت السماء عقب قرارات عديدة كانت قد اتخذتها المملكة العربية السعودية في الأشهر الأخيرة. فحين رفضت الرياض رفع إنتاجها من النفط خلال اندلاع الحرب الأوكرانية، وحين أشرفت على إعادة سوريا إلى الجامعة العربية، وحين عقدت صلحا مع إيران بوساطة صينية، وبعد انضمامها إلى منظمة البريكس، وبعد أن قررت التفاوض مع الحوثيين لوقف الحرب اليمنية، خيّم اعتقاد وسط الرأي العام العربي يفيد بأن صخرا جليديا بات يفصل الرياض عن واشنطن، وأن علاقاتها بالصين وروسيا تتوطد لتصير دافئة ومتينة، وأن التطبيع السعودي مع الدولة العبرية ليس من ضمن الأجندة السياسية للقادة السعوديين، وعلى رأسهم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
لكن اللقاء الصحافي الذي عقده الأمير مع قناة فوكس نيوز، الذي قال فيه: “كل يوم نقترب لاتفاق مع إسرائيل، وهناك مفاوضات جارية جيدة بيننا وبين إسرائيل”. هذا التصريح، صبَّ ماء باردا على رؤوس كل الذين بنوا آمالا كبيرة وعريضة على تغييرٍ حدث في السياسة الخارجية للسعودية، كما عهدوها في العقود السابقة، وروجوا لذلك التغيير المفترض، بحماسٍ، وبصدقٍ، وبحسن نية.
يبدو أن الهدف من كل الخطوات المشار إليها سالفا المتخذة من جانب الرياض، كان هو حصول هذا الترويج لفائدة الرياض، من أجل إعداد الرأي العام السعودي، والعربي، والإسلامي لتقبُّلِ الإعلان عن الإقدام على الخطوة التطبيعية القادمة مع الدولة العبرية. لم يكن من السهل على الدولة السعودية الإعلان بشكلٍ مفاجئ، ودون سابق إنذار، عن قبولها التطبيع والتخلي عن مبادرتها للسلام المتفق عليها عربيا في قمة بيروت سنة 2003. كان لا بد من حفلة علاقات عامة، في شكل قرارات، تبدو غير معتادة وجريئة من جانب السعوديين، للتمهيد والمرور، لاحقا، نحو الإعلان، بشكل رسمي، ومن أكبر مسؤول سعودي بعد الملك، الذي هو ولي العهد، عن قبول التطبيع، والعمل من أجل إنجازه.
الصحافة الأمريكية دخلت في التفاصيل وأشارت إلى الشرط الذي تضعه السعودية لقبول التطبيع، ويتمثل هذا الشرط، كما صرّح بذلك وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهن، في اتفاق مع الرياض حول التطبيع، قبيل ربيع 2024، ويستند الاتفاق المتوقع، إلى تخلي إسرائيل عن معارضتها لبناء فرن نووي مدني سعودي، مقابل تنازل السعودية عن التزامها بقضية الفلسطينيين الوطنية عملياً، وعن شرط الدولة الفلسطينية السيادية، وعن مبادرتها لسنة 2002.
فنحن في الواقع أمام شرطٍ إسرائيلي يُلزِمُ الرياض بالتخلي عن القضية الفلسطينية، مقابل حصول السعودية على فرن نووي من طرف أمريكا، وحتى هذا المطلب السعودي، فإنه لا يزال موضوع نقاش في الكيان الصهيوني، والذي سيحسم في قبوله من عدمه، هو الجهاز الأمني/ الاستخباراتي الإسرائيلي. أي أن هذا المطلب سيكون موضوعا للمساومة وللابتزاز، وأن الذي سيقرر فيه، بشكل نهائي، هي الدولة الصهيونية العميقة.
إسرائيل التي دمرت سنة 1981 المفاعل النووي العراقي، والتي فرضت على العراق في دستوره بعد الغزو الأمريكي سنة 2003 عدم سعيه لامتلاك سلاح نووي، أو كيماوي، أو بكتريولوجي، وإسرائيل التي دمرت مفاعلا نوويا في سوريا، وضغطت عبر أمريكا والغرب حتى أجبرت دمشق على التخلي عن سلاحها الكيماوي، وإسرائيل التي تقيم الدنيا ولا تقعدها، بسبب البرنامج النووي الإيراني وتسعى بكل الوسائل لتدميره، وإسرائيل التي عبرت في الماضي عن قلقها حتى من البرنامج النووي الباكستاني البعيد جغرافيا جدا عنها، وتنظر إليه بعين الشك والريبة، كيف يمكنها القبول ببرنامج نووي سعودي على القرب من حدودها؟
واضح أنه لا يمكن لتل أبيب الاطمئنان لأي فرن نووي سعودي إلا إذا كان تحت رقابتها، وخاضعا لمتابعاتها الدقيقة في كل المراحل التي يقطعها، وفي كل الأنشطة التي تجري في أروقته، وأن يكون مندرجا في الإطار الذي تضعه تل أبيب وواشنطن لهذا البرنامج النووي الذي تجعل منه السعودية شرطا ظاهريا لقبول التطبيع مع إسرائيل.
وإذا كان التطبيع، كما تروج الرياض لذلك، سيفضي إلى إشاعة السلام بين العرب وإسرائيل، وإلى تشبيك العلاقات الاقتصادية، والتجارية، والصناعية، والثقافية، والأمنية، والعسكرية، بين إسرائيل من جهة، ومحيطها العربي من جهة أخرى، بما في ذلك السعودية، للتصدي لما يسمونه الخطر الإيراني، فإن إسرائيل في هذه الحالة لن تمانع في أن يكون هناك برنامج نووي سعودي، أو إماراتي، أو حتى مصري، برنامج نووي يندرج في هذا السياق التطبيعي، ويؤطره ويحميه.
لن يكون الهدف من برنامج نووي عربي، هنا، إنشاء قوة عربية تتكامل مع القوة الإسلامية، لتحرير فلسطين، وللتصدي للمشروع الصهيوني في المنطقة، ولتحقيق التنمية العربية المستقلة المؤدية إلى التضامن والتحرر والانعتاق من الهيمنة الأجنبية، وإنما يكون البرنامج النووي العربي المحتمل خاضعا لنظيره الصهيوني ومكملا له في الوظائف التي يؤديها في المنطقة العربية. وسيصبح البرنامج النووي العربي بالاسم، برنامجا مساهما، في الفعل، في فرض السيطرة الصهيونية على المنطقة العربية برمتها، وجعل الدولة العبرية سيدة عليها.
سيدخل النظام الرسمي العربي وقتها، رسميا وعلنيا، وبلا رتوش أو مساحيق أو حياء، تحت الجبة الصهيونية، ويصبح عبدا مأمورا لدى الدولة العبرية. أي شرعية حينئذ ستظل لهذا النظام؟ هل الذات العربية الشعبية ستقبل بذلك؟ هل النضال الفلسطيني بدعم من مسانديه سيسمح لهذا المشروع بأن يُترجم ويتبلور في الأرض الفلسطينية بهذا الشكل البشع والكاريكاتوري؟ الأيام كفيلة بالإجابة على هذه الأسئلة..
*صحافي وكاتب مغربي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر