السبت , يناير 31 2026
الرئيسية / اراء / ما لم يقله نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة!

ما لم يقله نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة!

د.رجب السقيري*
المرّة الأولى التي رأيت فيها بنيامين نتنياهو عن كثب يتحدث من على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت خلال مشاركتي لأول مرة في الدورة الحادية والأربعين للجمعية العامة وذلك في خريف عام 1986، (أي قبل 37 عاماً بالتمام والكمال) . أذكر أنه كان أكثر شباباً وكان متحفزاً يتحدث بلهجة لا تخلو من الاستفزاز والتحدي ولكن بثقة كبيرة بنفسه مبالغ بها بعض الشيء، علماً بأنه لم يكن رئيساً للوزراء ولا وزيراً بل كان سفيراً لإسرائيل لدى الأمم المتحدة . يومها قال إنه مفوض من حكومته بأن يجري محادثات سلام مع وفد أية دولة عربية ترغب بذلك، وأضاف بأنه يتحدى أن يستجيب أي وفد عربي لدعوته. في ذلك الوقت لم تكن أية دولة عربية سوى مصر قد عقدت معاهدة سلام مع إسرائيل وكانت باقي الدول العربية قد قاطعت مصر ونقلت مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس
وأذكر أن مندوب إحدى الدول العربية الخليجية الذي جاء دوره في إلقاء كلمة بلاده في الجمعية ضمن بند “الحالة في الشرق الأوسط” قد قام بالرد على تحدي نتنياهو متسائلاً لماذا لا يتفاوض نتنياهو مع وفد منظمة التحرير الفلسطينية، وأضاف المندوب العربي أن نتنياهو لن يجرؤ على ذلك لأن حكومته ستحاكمه وتزج به في السجن (حيث أن إسرائيل كانت قد سنت قانوناً في ذلك الوقت يمنع أي إسرائيلي من عقد لقاء مع منظمة التحرير ولم تكن فلسطين قد حصلت بعد على وضع دولة غير عضو في الأمم المتحدة كما هي الآن ، وكانت المنظمة تحمل صفة مراقب في الأمم المتحدة).
تذكرت هذه القصة وأنا أشاهد على التلفزيون يوم أمس رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وهو يلقي كلمته أمام الدورة الثامنة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، فما الذي قاله وما الذي لم يقله نتنياهو هذه المرة؟
ما قاله نتنياهو
لقد بدا نتنياهو متفائلاً بعقد اتفاقية سلام مع المملكة العربية السعودية ومع دول عربية أخرى مضيفاً أن بين إسرائيل والدول العربية مصالح كثيرة مشتركة مؤكداً أن من راهنوا على فشل عقد اتفاقيات سلام بين الجانبين العربي والإسرائيلي استناداً إلى مقولة أنه لن يكون هناك سلام إذا لم تحل القضية الفلسطينية قد فشلوا في مراهنتهم وأضاف يجب ألا نعطي الفلسطينيين حق النقض (الڤيتو) لأي اتفاقيات سلام بين الدول العربية وإسرائيل .
ما لم يقله نتنياهو
نتوقف هنا قليلاً لنرى ما لم يقله نتنياهو في هذا الصدد ، إذ أنه لم يقل رأيه حول شروط المملكة العربية السعودية لإقامة سلام مع إسرائيل، فلم يقل أن الوزيرين الأكثر تطرفاً في حكومته “بن غفير” و”سموتريتش” يرفضان أية “تنازلات” تقدمها إسرائيل للفلسطينيين بل إنهما لا يعترفان بوجود الشعب الفلسطيني أصلاً، وأن إسرائيل تنوي ضم الضفة الغربية وذلك بشهادة أكبر أصدقائها الصحفي الأمريكي وعراب التطبيع والمؤتمن على أسرار الرئيس جو بايدن “توماس فريدمان” الذي نصح في مقالٍ له مؤخراً في صحيفة نيويورك تايمز كلاً من بايدن والأمير محمد بن سلمان بعدم الاستجابة لطلب نتنياهو عقد اتفاقية سلام بين السعودية وإسرائيل وقال بالحرف الواحد : “أوقفوا اتفاق التطبيع مع حكومة المتطرفين الإسرائيلية ، نتنياهو يريد أن يجعلكما بلهاء”، وأضاف فريدمان أن “الحكومة الإسرائيلية لن تستطيع أن تكون حليفاً مستقراً للولايات المتحدة أو شريكاً للسعودية في الوقت الحالي لأنها حكومة ليست طبيعية”.
الفيتو الفلسطيني
أما عن الفيتو الفلسطيني المزعوم فلم يقل نتنياهو أن العرب وليس الفلسطينيين فقط هم من يعتبرون القضية الفلسطينية قضيتهم المركزية وأن الصراع العربي الإسرائيلي أساسه احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية وعدم منح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة وممارسة الفصل العنصري ضده واستمرار سياسة الاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم بيوت الفلسطينيين واقتحام مدنهم وقراهم وحرق أشجارهم وقتلهم واعتقالهم والتنكيل بهم ورفض تنفيذ قرارات الشرعية الدولية بالانسحاب من الأراضي المحتلة ، بل إن نتنياهو لم يذكر في خطابه كلمةً واحدة عن الاحتلال ولا عن عدم تنفيذ الاتفاقيات التي عقدت مع الفلسطينيين ، كذلك لم يقل نتنياهو شيئاً عن اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى وعلى رأسهم وزراء في حكومته كما لم يقل شيئاً عن عدم التزام حكومته بالرعاية الهاشمية للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس والتي تنص عليها معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية .
ما قاله نتنياهو
وكان مما قاله نتنياهو في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن الفلسطينيين يمثلون 2% فقط من مجموع سكان الدول العربية متسائلاً كيف ل 2% من العرب أن يمنعوا تحقيق السلام بين 98% من العرب وإسرائيل ، مضيفاً انه عندما يقوم السلام بين العرب وإسرائيل وتنعم به 98% من أبناء الشعوب العربية سيجنح الفلسطينيون للسلام ويتخلصوا من حلم تدمير دولة إسرائيل . وأضاف بأن السلام مع السعودية سوف سيمثل تحولاً جذرياً نحو تحقيق السلام مع العرب والمسلمين وسوف ينهي النزاع العربي الإسرائيلي ويعزز فرص السلام مع الفلسطينيين ويجمع بين القدس ومكة كما يجمع بين أحفاد إسحق وأحفاد إسماعيل.
وأشاد نتنياهو بالاتفاق الذي تم مؤخراً في نيودلهي ضمن مجموعة العشرين بإنشاء ممر يربط بين الهند وأوروبا عبر السعودية والإمارات والأردن وإسرائيل قائلاً بأن هذا المشروع سيقضي على جدران العدائية وبموجبه تصبح إسرائيل جسراً للتفاهم والرفاه بين الأمم مضيفاً أن السلم بين إسرائيل والسعودية سيخلق شرق أوسطٍ جديد . وفي هذا السياق أحضر نتنياهو خارطتين واحدة تمثل الحالة في الشرق الأوسط عام 1948وتبين إسرائيل دولة معزولة ومهضومة حقوقها ومحاطة بدول عربية كلها معادية لإسرائيل والخارطة الأخرى يكسوها اللون الأخضر الذي يغطي إسرائيل والدول التي عقدت سلاماً معها كما يضم السعودية باعتبار ما سيكون ، على حد زعمه ، مضيفاً أن السلام مع الجيران الفلسطينيين يمكن أن يتحقق، مستطرداً بأن السلام يجب أن يقوم على حقائق وليس على أكاذيب وعلى شيطنة الشعب اليهودي داعياً إلى ضرورة وقف معاداة السامية سواءً من اليسار أو من اليمين وسواء في الجامعات أو في الأمم المتحدة، داعياً الفلسطينيين أن يتصالحوا مع اليهود ويتوقفوا عن كراهيتهم لهم ويعترفوا بحق شعب إسرائيل أن تكون له دولة في وطنه التاريخي.
ما لم يقله نتنياهو
لم يقل نتنياهو أن الشعب الفلسطيني (ال 2% من العرب) له حقوق مشروعة أقرتها الأمم المتحدة ، ولم يقل أن إسرائيل لم تنفذ أياً من قرارات الأمم المتحدة وأنها تتمتع بحماية الفيتو الأمريكي المستعد دائماً لإجهاض أي مشروع قرار يصدر عن مجلس الأمن لصالح الفلسطينيين، كما تستعمل واشنطن نفوذها في الجمعية العامة التي ليس فيها ڤيتو وتمارس ضغوطاً وابتزازاً للدول النامية التي تحتاج إلى المساعدات الأمريكية . وهنا أود أن أذكر مثالاً عن هذه الضغوط وذلك الابتزاز حصل أمامي وشاهدته بأم عيني وسمعته بأذني عندما جرى التصويت في مجلس الأمن عام 1992 على مشروع قرارٍ ضد العراق وقام مندوب اليمن الذي كان عضواً غير دائم في المجلس بالتصويت ضد مشروع القرار الأمريكي، ورغم أن تصويت اليمن لم يغير من الأمر شيئاً إذ تم اعتماد مشروع القرار بالأغلبية إلا أن مندوب الولايات المتحدة “توماس بيكرينغ” قد جاء إلى مندوب اليمن المرحوم “عبدالله الأشطل” قائلاً له : “تصويتك هذا قد كلف بلادك 300 مليون دولار” (وهي قيمة المساعدات الأمريكية السنوية لليمن في ذلك الوقت) “Your vote has just cost your country 300 million US Dollars”
كان هذا قبل ثلاثين عاماً، أما مؤخراً وفي عهد دونالد ترامب فقد درجت المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة والمرشحة حالياً للرئاسة منافسةً لترامب “نيكي هيلي” ، درجت على تهديد الدول في الجمعية العامة بوقف المساعدات الأمريكية لها إذا صوتت ضد إرادة الولايات المتحدة.
لم يقل لنا نتنياهو كيف أن السلام مع الدول العربية سوف ينهي النزاع العربي الإسرائيلي بدون حل القضية الفلسطينية وبدون منح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة وبدون إنهاء الاحتلال وانسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة وبدون حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية متصلة وذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية، الأمر الذي يجعلنا نتساءل هل في ذهن نتنياهو حل سحري تركه مفاجأة سارة للعالم يتم من خلاله حل النزاع العربي الإسرائيلي بمجرد عقد اتفاقيات سلام مع الدول العربية رغم تجاهل القضية الفلسطينية.
ما قاله وما لم يقله نتنياهو
يقول نتنياهو أن إسرائيل لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، ونحن نقول أن هذا شيء جيد سيخدم السلام في المنطقة، ولكن نتنياهو لم يذكر شيئاً عن امتلاك إسرائيل لأسلحة نووية ولم يأت على ذكر رفض إسرائيل المستمر للانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية NPT ووضع منشآتها النووية تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA ، كما لم يقل شيئاً عن قرار مؤتمر مراجعة وتمديد المعاهدة لعام 1995 وتعطيل إسرائيل المستمر لإنشاء منطقة خالية في الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل ، كذلك لم يقل نتنياهو شيئاً عن رفض إسرائيل لقيام الولايات المتحدة ببناء مفاعل نووي للأغراض السلمية في السعودية ولا لرفض إسرائيل تزويد السعودية بأسلحة أمريكية متطورة، فضلاً طبعاً عن إجهاضها لحل الدولتين عن طريق الاستمرار ببناء المستوطنات وتقطيع أوصال الضفة الغربية.
الذكاء الاصطناعي وريادة إسرائيل
تحدث نتنياهو في خطابه عن الذكاء الاصطناعي وما سيجلبه للعالم من الخير العميم بما في ذلك الطب الوقائي والشيفرة الذكية التي ستؤدي إلى إطالة عمر الإنسان لبضعة عقود إضافية ، والطاقة النظيفة والسيارات الذاتية القيادة ، والروبوت لخدمة المسنين والزراعة الذكية التي ستقضي على الجوع في العالم ، إضافة إلى الأبحاث الجارية والجهود المبذولة لمنع استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب ومنع سيطرة الآلة على الإنسان ،
وخلص نتنياهو إلى القول بأن حفنةً من الدول المتقدمة من بينها إسرائيل تقوم حالياً بتطوير الذكاء الاصطناعي الذي سيجلب الخير العميم للعالم ، ولسان حاله يقول فقط اسمحوا لنا بهضم حقوق الفلسطينيين والتغاضي عن مستقبل ال 2% من الشعوب العربية ونحن نضمن لل 98% الباقين من الأمة العربية السلام والأمن والعيش الرغيد والاستفادة من مزايا الذكاء الاصطناعي وتجنب مضاره.
في تقييمنا لما قاله وما لم يقله نتنياهو ، سنلتزم بأصول اللياقة الدبلوماسية وأدب التعامل والاحترام والكياسة ، ولن نصف نتنياهو بأنه “كذاب ابن كذاب” كما فعل أحد وزرائه وأكثرهم تعصباً وهو “بتسلئيل سموتريتش” بتاريخ 23 أكتوبر 2022. كما لن نردد الوصف الذي أطلقه أريل شارون على نتنياهو ذات مرة حينما وصفه قائلاً “كنت كذاباً وستبقى كذاباً”، ولكن نكتفي بالقول أن معظم ما قاله نتنياهو في خطابه قد جاء تزويراً للحقائق وتشويهاً لها والتفافاً عليها وتغاضياً عن كل ما يشير إلى نقيضها وتجاهلاً للشرعية الدولية في محاولة مكشوفة لخداع العرب والعالم
*سفير سابق وباحث في العلاقات الدولية والدراسات الدبلوماسية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

شكرا جوارديولا !

رشيد بورقبة* أثار موقف المدرب الإسباني غوارديولا اعجاب العالم أمس بمدينة برشلونة وهو يدافع بشراسة …