د. طارق ليساوي*
يحتفل المسلمون في الثاني عشر من شهر ربيع الأول من كل عام في مشارق الأرض ومغاربها، بذكرى مولد خير البرية، نبي الأمة والرحمة المهداة للبشرية جمعاء سيدنا و نبينا و قدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي بمولده أشرقت الأرض بنور ولادته، كيف لا وهو الرحمة المهداة، والنعمة العظيمة، والأمل المنتظر الذي أرسله الله عز وجل للناس أجمعين ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)) سورة الأنبياء107.
و بهذه المناسبة أتوجه إلى كل الأصدقاء و القراء الافاضل و الطلبة و الزملاء و لطاقم جريدة رأي اليوم، و لكل من يعرفني من قريب أو بعيد و للأمة العربية و الإسلامية ، بأجمل التهاني وأسمى الأماني بمناسبة ذكرى مولد أشرف خلق الله نبينا محمد صلَّ الله عليه وسلم ، تعبيرا عن انتمائنا لنبي هو سيد الخلق، وأعظم إنسان شهدته البشرية كلها نشهد الله بذلك على حبنا له، وشوقنا اليه ، وأملنا بلقياه عند الحوض المورود، يوم تقوم الأشهاد..
فمحمد عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين كافة، وببعثته ورسالته ودعوته أزاحت ظلمات الجهل و الشرك و العبودية و الطغيان، وتبدلت الأرض غير الأرض و تغيرت النفوس التي أمنت بدعوته و إتبعت هداه عليه الصلاة والسلام ، فانتشرَ العدل و الإحسان بعد قرون من سيادة الظلم و الجور، و الكراهية و العداء، وساد نور الإيمان و العلم بدل ظلمات الجهل والشرك و العبودية لغير الله، فرسالته عليه الصلام والسلام جاءت لتخرج الناس من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد وحده لا شريك …
تحتفل الأمة بذكرى المولد النبوي، لكنه إحتفال يجانب الصواب في الغالب، فالإحتفال لا يكتمل و لا يتحقق فعلياً، بإنشاد القصائد في مدحه ، وإعداد ما لذ و طاب و لبس الجديد، و لكن الإحتفال بذكرى مولده يتحقق بإتباع هديه و الإلتزام بما أُنزِلَ عليه من رب العالمين … فذكرى المولد النبوي ليست مجرد مناسبة لمولد رجل عظيم غير وجه العالم فحسب، بل إنه ذكرى لمولد أمة، فبولادته عليه الصلاة والسلام ولدت أمة العرب من جديد.. فكانت هذه الأمة الخميرة التي نشرت نور الإسلام إلي جهات العالم الأربع و نشرت الفضيلة والعدل والسلام.. و حاربت الظلم والطغيان.. قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أمّة أُخْرِجَتْ للنْاسِ) (آل عمران 110) وما ارتفعت هذه الأمة وما شُرِّفت إلاّ بهِ صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلىْ المُؤْمِنيْنَ إذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلوُ عَلَيْهِمْ آيْاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ). (آل عمران/164)..
لكن حال الأمة اليوم بعيد كل البعد عن هذه الخيرية، و الوصف العظيم الذي شرفها الله به، لأنها إبتعدت عن شروط و ضوابط الخيرية فقد تركت قطاعات واسعة منها، الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، وإختارت السير عكس الإتجاه الذي خطه النبي محمد عليه الصلاة و السلام بوحي من الله تعالى: (قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبّوُنَ اللهَ فإتّبِعُوُنِيْ يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) (آل عمران 31)… فقد جعل سبحانه وتعالى طاعة رسوله من طاعته عز وجل (مَنْ يُطِعِ الرَسُوُلَ فَقَدْ أَطاعَ اَللهْ) (سورة النساء 80)، فلا يحصل الإيمان ولا يكتمل إلا بمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم و إتباع هديه: (لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتّىّ أكوُنَ أحَبُّ إليْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدهِ وَالناسِ أَجْمَعيْن) رواه البخاري ومسلم..
فالأمة العربية و الإسلامية تخلد ذكرى المولد النبوي و هي في حالة تؤكد أنها بعيدة عن هديه و منهجه عليه الصلاة و السلام، فالأمة العربية والإسلامية تخسر بالإبتعاد عن هدي و روح ماجاء به النبي محمد عليه الصلاة و السلام.. فالأمة في تيه لأن أمرها بيد مستبدين همهم مصالحهم ضيقة الأفق، ومن أجل هذه المصالح لا يتورعون في تدمير أوطانهم، وسفك دماء شعوبهم، قصة مولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وجهاده من أجل نشر الإسلام و إعلاء راية الحق، ومعاناته من طغيان و تجبر سادة الكفر في مكة و المدينة تتكرر و بحجم أكبر، فالأمة التي كان قوامها في بداية الدعوة الإسلامية عشرات الرجال و النساء، أصبح تعدادها اليوم مليار و نيف، وفي ذلك تأكيد على أن محمد عليه الصلاة والسلام، كان على حق بينما “أبو جهل” و بطانته كانوا على ظلال، و “أبو جهل” مات كشخص لكن استمر كفكرة، و لازالت روحه تتجسد في هؤلاء الطغاة العرب الذين رفعوا شعار ” أنا ربكم الأعلى ” و “ما أريكم إلا ما أرى” هذه الفرعونية السياسية التي عبر عنها “أبو جهل” في مواجهة الدعوة الجديدة، عبر عنها اليوم حكامنا الذين رفعوا السلاح والعتاد، ووظفوا كل إمكانيات شعوبهم لتدمير شعوبهم وأوطانهم، بل قام بعضهم بالتدخل في مصائر شعوب أخرى، و ما تعانيه مصر و سوريا و ليبيا و اليمن هو نتاج لهذه الفرعونية و الاستبداد الذي طبعت سلوك بعض حكام الخليج…
من المؤكد أن الحق سينتصر على الباطل، فكما انتصرت دعوة محمد عليه الصلاة والسلام ،على جبروت و طغيان كفار مكة قبل الفتح، فكذلك سينتصر أهل الحق على أهل الباطل، فمهما ضاقت السبل بأفراد الأمة الاسلامية، فينبغي التمسك بمنهج النبي محمد عليه السلام، لأنه المنهج الأمن في الدنيا و الآخرة، كما انه الأمل الذي فيه خلاص هذه الأمة، مما تعانيه من طغيان وتشرذم، وعنف دموي ومعنوي لاغاية له، إلا كبح جماح نهضة الأمة و ضمان تأخرها لعقود أخرى..
فذكرى مولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام و سيرته العطرة وكفاحه من أجل نصرة الحق و إعلاء كلمة التوحيد ليست مجرد أحداث تاريخية فحسب، بل هي منهج حياة على كل حر مسلم أو غير مسلم أن ينظر إليها بتمحيص و تدقيق لإستخلاص الدروس و العبر، للهروب من دوائر الباطل التي تحاصر كل فرد منا في كل زمان ومكان، هروبا إلى الحق الذي جاء به محمد عليه الصلاة و السلام، و كفر بالطواغيت التي تتجسد في صور و وجوه ظاهرها الصلاح وباطنها الفساد والشر قال تعالى : (لا إكراه فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) (256)البقرة..
فإتباع هدي محمد عليه الصلاة و السلام يعد بحق المستقبل الذي يتطلع إليه أغلب المسلمين، مستقبل يستند إلى احترام إرادة الإنسان وكرامته و إنسانيته و حريته في الاعتقاد، فرسالة محمد عليه الصلاة و السلام و المنهج الذي أسسه في المدينة المنورة و إقتدى أثره الخلفاء الراشدين فيما بعد، شكل تجربة سياسية واجتماعية وإنسانية، لم يشهد لها التاريخ من قبل مثيلا، و لازالت هذه التجربة القائمة على العدل و المواطنة والتسامح و العدل و التعددية السياسية والفكرية، تحرك وجدان كل إنسان حر يسعى لخير أهله ووطنه و بني جنسه … “هذا بيان للناس وهدى و موعظة للمتقين” (الآية 138 آل عمران) ..و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون..
*كاتب وأكاديمي مغربي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر