عبد السلام بنعيسي*
يشكّلُ مطلبُ توفير مظلة أمنية أمريكية للدولة السعودية وحمايتها مما تعتبره مخاطر خارجية تهددها، واحدا من المطالب التي تُصرُّ الرياض على الاستجابة لها من طرف واشنطن للقبول بالتطبيع مع الكيان الصهيوني. إنه مطلبٌ يندرج على رأس الأولويات بالنسبة للمسؤولين السعوديين، ويبدو أنهم لا يبغون عنه بديلا. لكن ما هي هذه المخاطر التي تشعر السعودية بأنها تُشكِّلُ تهديدا لها؟ ومن هي الجهة التي يمكن أن تأتي منها التهديدات للدولة السعودية؟
إذا كانت إيران هي المقصودة بأنها مصدرٌ للتهديد، فإن الأمر لا يمكن أن يكون إلا مردودا عليه. إيران دولة شبه محاصرة منذ ما يقارب الخمسين سنة، ولديها مشاكل اجتماعية، واقتصادية، وأمنية جمة، وهي تسعى جاهدة للتغلب على مشاكلها، إنها تستثمر كل طاقاتها وتعبئها للخروج من عزلتها، وتعمل ما في وسعها لتوفير الضروريات لأبناء شعبها. ليس لدى إيران الوقت والإمكانيات لكي تبادر إلى الاعتداء على جيرانها العرب. إذا حدث ووقع اعتداء إيراني على السعودية، ستجد إيران نفسها معزولة، ومطوقة، أكثر مما هي عليه حاليا، وقد تكون بذلك، اختارت الانتحار لنفسها. الإيرانيون يدركون هذا الأمر جيدا.
الروس والصينيون، قبل الأمريكيين والغربيين، لا يمكنهم قبول شنَّ عدوان إيراني على المملكة العربية السعودية، إذا تخطت إيران حدودها، وتطاولت على السعودية وعلى أي من جيرانها، ستكون روسيا والصين والهند أول من يتصدى لها، لإجبارها على التراجع إلى حدودها المعترف بها دوليا. موازين القوى الدولية، والحدود كما هي مسطرة حاليا، يصعب السماح بالعبث بها.
إنها مثل أحجار الدومينو، الذي يؤدي تحريك أي منها إلى تغيير أماكن الأحجار الأخرى. حرب الثماني سنوات مع العراق أكدت للإيرانيين أن تصدير الثورة إلى الجيران، والانتصار عليهم في أي حرب، أمر شبه مستحيل، ولن يسمح العالم بحدوثه، ولقد استخلص الإيرانيون الدروس من تلك الحرب، ولاشك في أنهم يتجنبون وضع أنفسهم في ظروف مشابهة لها.
رغم الاختلاف والنقد والمعارضة للسياسة الخارجية للرياض، والمطالبة بتغييرها، لا أظن أن أي عربي أو مسلم يقبل بأن تتعرض المملكة العربية السعودية للتهديد من طرف إيران أو غيرها. الوضع كان مختلفا في حرب اليمن وفي قصف أرامكو من طرف الحوثيين، فالسعودية كانت هي البادئة بالحرب وهي المعتدية، أما إذا أرادت قوة أجنبية ما، الاعتداء على بلاد الحرمين والاستيلاء عليها، فإن كل العرب والمسلمين سيقفون وقفة رجل واحد إلى جانب السعودية، وسيذودون عنها.
أمنُ أرض الحجاز ركن أساسي من أركان الأمن القومي العربي الإسلامي. ودولة سعودية موحدة وآمنة ومستقرة مكسبٌ عربي وإسلامي وحتى كوني، ولا يمكن التفريط فيه بأي حال من الأحوال. إذا ضُربت السعودية في أمنها واستقرارها ووحدة ترابها، وهي قبلة حوالي ملياري مسلم موزعين في جهات الدنيا الأربع، سيكون لضربها انعكاسات سلبية، وغاية في الخطورة على كل منطقة في العالم.
الجهة الوحيدة التي يمكن الشك فيها والتخوُّفُ من احتمالية تجرُّئها على أمن واستقرار ووحدة الدولة السعودية هي أمريكا التي أشرفت في العقد الأخير على تفتيت المنطقة العربية وتقسيمها وتدميرها، ومعها الكيان الصهيوني الذي لا يمكنه الاطمئنان إلى وجود دولة عربية إسلامية بجواره، تكون آمنة وقوية وذات تطلعات مستقلة، ورغبةً في لعب دورٍ إقليمي يوازي حجمها وقوتها. بسبب الدولة العبرية، وقع تدمير العراق وسوريا وليبيا، وتمَّ توريط السعودية في حرب اليمن. هذه الدولة المصطنعة والمارقة لا تجد ذاتها، ولا تطمئن لحالها، إلا إذا كانت الدول العربية والإسلامية المحيطة بها تعاني من الاضطرابات ومن الفوضى ومن الفتن المدمرة. فالخوف على المملكة العربية السعودية يتعين أن يكون، في الأساس، منها، ومن راعيتها أمريكا.
عندما تساند إيران المقاومة الفلسطينية واللبنانية وتمولها وتدربها وتزودها بالسلاح، لكي تقارع دولة الاحتلال وترهقها، فإن إيران تُشغلُ وتشاغل في الواقع، أمريكا والكيان الصهيوني عن السعودية وعن مصر وعن الإمارات العربية المتحدة، وتمنعهما من التفرغ للتآمر على هذه الدول العربية التي لا تزال واقفة على أرجلها، التآمر عليها بما يفضي إلى إلحاق الأذى والضرر بها، على غرار ما فعلاه في الدول العربية التي دمروها وقسموها.
وعلى هذا الأساس، لماذا لا تقيم السعودية أجود العلاقات مع إيران، وتعمل من أجل تشبيك المصالح التجارية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والثقافية معها، وتُحوِّلها إلى عمقٍ استراتيجي يعود بالأمن والاطمئنان والنفع على العالم العربي والإسلامي، وفي مقدمته السعودية؟ لماذا خلقُ حاجة لمظلة أمنية أمريكية، رغم أنها حاجة مفتعلةٌ وغير مضمونة العواقب؟
كل دولة من دول العالم تدافع عن وجودها الفيزيائي بالاعتماد بشكلٍ رئيسي، على نفسها، لا تطلب دول مثل التشاد، وسنغافورة، والشيلي.. من الولايات المتحدة الأمريكية توفير مظلة أمنية لها. إنها تُعوِّلُ على ذاتها وعلى أبناء شعبها في الدفاع عن حدودها واستقلالها وسيادتها، ثم يأتي بعد ذلك، الدعم الخارجي والقانون الدولي. ولا يخامرنا أدنى شك في أن أبناء الشعب السعودي، بشجاعتهم وبسالتهم، وبالإمكانيات التي تتوفر عليها دولتهم، وبالدعم العربي والإسلامي الذي يحظون به، هم أيضا قادرون على الذود عن سيادة بلدهم وأمنه واستقلاله، دون الحاجة إلى أمريكا وغير أمريكا. وفي ذلك مصلحة سعودية أكيدة ودائمة.
أما إذا قبلنا أن أمريكا توفر مظلة أمنية للمملكة العربية السعودية، فإنها ستكون مظلة مصممة ومضبوطة لخدمة المصالح الصهيوأمريكية في المقام الأول. ستصبح بلاد الحرمين تحت النفوذ الأمريكي، وقد تنمحي نتيجة لذلك معالم السيادة، وتصبح الدولة السعودية غريبة في محيطها، ومحرومة من أي دور إيجابي في هذا المحيط، وقد تغرق هي في أمواجه الهائجة والمتلاطمة.
دورُ بلاد الحرمين ومهبط الوحي، كان في الماضي، بفضل الإسلام، هو نقلُ العرب من حالة القبيلة والفوضى والعدم، إلى حالة الدولة والأمة، والإنتاج، والازدهار، والعلم، والحضارة. والعرب والمسلمون يتطلعون اليوم أيضا إلى أن تتحول الرياض إلى عاصمة لكل العرب والمسلمين، وأن تعمل من أجل لملمة جراحهم ولمِّ شملهم، وإنجاز تضامنهم، وإعادة إعمار ما وقع تدميره من بلدانهم، وأن تنتشل العالم العربي من هذا المستنقع الذي يتردى فيه، وتقوده، صوب العلا، بما يعيد له بريقه، وحضوره، ويؤدي إلى تحرير ما تبقى من أراضيه التي لا تزال تحت الاحتلال، وفي المقدمة، الحبيبة فلسطين. في عالم تتراجع فيه السطوة الأمريكية، ويمضي مسرعا في تجاه تعددية قطبية، هذا الدور الإيجابي والفعال هو الذي نتمناه للمملكة العربية السعودية، ولا نرضى لها التحول إلى محمية أمريكية.
*صحافي وكاتب مغربي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر