د.حسناء نصر الحسين*
تتسع دائرة معركة طوفان الأقصى لتذهب أبعد مما يريده اصحاب المشروع الصهيوني فالمعركة منذ ساعاتها الاولى هي حربا اتسعت رقعتها ابعد من الاقليم فكيف لزعماء العالم الصهيوني الذي اوجد اسرائيل أن يسعى لضبط حركة قلاعها وجنودها من قادة محاور رسموا خارطة جديدة لمنطقة الشرق الاوسط وانتصروا على المشروع الامريكي الصهيوني أن يقبلوا بهذا المشروع الجديد ؟ كما أن هناك مسارات جديدة أبرزها روسيا التي تخوض حربا مع الغرب الاستعماري في أوكرانيا لإنزاله عن العرش الدولي لناحية التفرد بحكمه والتحكم بحركته ، وهناك الصين التي دخلت العالم من أوسع أبوابه الاقتصادية وفرضت تواجدها على رقعة الشطرنج الدولية وتتمدد على هذه الرقعة من خلال مشروعها الحزام والطريق .
في خضم هذه المتغيرات والكباش الدولي أتت عملية طوفان الأقصى لتتحول لاحد أهم الأوراق للاعبين الدوليين والكل يبحث عن دور فيها ، لنرى امريكا بكل قاماتها الرفيعة دبلوماسيا وعسكريا واعلاميا نصبت نفسها رأس حربة في هذه الحرب لعلمها المسبق أن ما سيترتب عن هذه المعركة سيشكل طوفانا حقيقيا سيؤثر بشكل مفصلي في خارطة التحالفات الدولية في الإقليم وبالتالي سيؤثر على القوة الأمريكية وتواجدها في الشرق الاوسط ، وبالتالي ستكون هذه الخسائر الأمريكية رافعة لقوى طامحة تنافس الأمريكي على شكل العالم الجديد .
فشلت أمريكا في تقديم الدعم والاسناد للكيان وانا هنا اتحدث عن فشلها في انتزاع نصر على المقاومة في الميدان فمازالت المقاومة الفلسطينية لديها ما لديها من اوراق القوة منها ملف الأسرى الذي اخذ وقتا طويلا من المباحثات الدبلوماسية عربيا اقليميا دوليا وهذا ما فشلوا في تحقيقه حتى الآن ، اخطأ الأمريكي والإسرائيلي مرة أخرى في تقييم هوية المقاومة الفلسطينية من خلال طرح مساومة بين الملف الإنساني والأسرى فكل الطروحات الامريكية هي مساومات وليست مفاوضات ، والمقاومة لا تساوم على حرية أبناء الشعب الفلسطيني المتواجدين في سجون الاحتلال والذي عددهم بالآلاف ، فالمساومة في هذا الملف غير مجدية ولن ينتج عنها شيئا وهذا ما اكده الناطق الرسمي باسم كتائب القسام ابو عبيدة ، وما وضع ملف الأسرى الذي تعتبره المقاومة ورقة مفاوضات استراتيجية بسلة واحدة الا خطأ كبير في الطرح الأمريكي لذا توجب على الناطق الرسمي باسم كتائب القسام ان يضع النقاط غلى الحروف في هذا الملف من خلال :
حرمان الأمريكان ومن يدور في فلكهم من الكسب السياسي والدبلوماسي في ملف الاسرى عندما فرز بين الاسرى الصهاينة والجنسيات الأجنبية الاخرى ، فارسل سائل طمأنة بأنه سيتم إطلاق سراحهم عندما تكون الأوضاع مناسبة واعتبرهم ضيوف لديهم .
قام بإغلاق المساومة الامريكية الصهيونية لناحية تبادل الأسرى مع الملف الانساني محافظا على ما لدى المقاومة من أسرى صهاينة وهؤلاء لا مفاوضة عليهم الا من خلال صفقة لتبادل الأسرى تحرر الاسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال فكانت رسالته واضحة في هذا الشأن حيث قال أخذنا عهدا على نفسنا بإدخال السعادة لكل بيت وبهذا يكون وجه ضربة قاسية للصهاينة الذين يريدون أخذ أسراهم دون اطلاق سراح الاسرى الفلسطينيين.
الرد على كل الرسائل الاسرائيلية من تهديد ووعيد بالاجتياح البري لغزة قائلا ستكون رمال غزة مقبرتهم ، وفي هذا رسالة قوة وجهوزية كبيرة لأي عمل عدواني جديد لغزة يجعلها تحت الاحتلال الاسرائيلي مرة اخرى .
أتت معركة الطوفان الأقصى لتقسم العالم بين غرب استعماري متمسك بنهجه وسياساته وبين شرق صاعد أبدت اعمدته المتمثلة بروسيا والصين مواقفا مشرفة نصرة للقضية الفلسطينية وسلطت الضوء على جرائم الاحتلال الصهيوني النازي والفاشي بحق المدنيين في غزة المحاصرة فهو لم يكتف بوضع أهلها لسبعة عشر عامل تحت الحصار أي في سجن مطبق بل ذهب ليمارس أبشع صور الاجرام مستهدفا الأطفال والنساء وكبار السن ، لنرى الاطفال مقطوعي الرؤوس في مشهد وحشي ترقت عنه الوحوش المفترسة ، بينما العالم الغربي وأعوانه منشغل بكيفية استرجاع صورة إسرائيل القوية القوة الاكبر في الشرق الاوسط الدولة النووية التي تعربد وتهدد وتحتل وحتى الآن لم تسعفهم الخيارات لأن واقع الكيان أضعف مما كان يعتقد قادته في أمريكا وهذا الضعف أثبته وجود قادة امريكان في اجتماع الكابينت كانوا قد اتوا مع وزير الدفاع الأمريكي لويد اوستن ، ليقفوا على مكامن الضعف والقوة لدى هذا الكيان ومعرفة كيف يساعدوه للبقاء وما حرب الدمار الشامل لغزة الا بإيعاز أمريكي والقابض على أزرار الصواريخ هو الجنرال الأمريكي وما صدر عن صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين دفاعيين أمريكيين بأن البنتاغون قد خصص 2000 جندي لدعم أي توغل بري إسرائيلي في غزة الا دليل واضح وفاضح بأن أمريكا تقود ما تعتقده سفينة النجاة الاسرائيلية .
وما تناقلته وسائل الاعلام الاسرائيلية : بأن قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأمريكي سيقوم اليوم بجولة على المنطقة الشمالية المتاخمة للبنان ، حيث يكمن الخطر الأكبر الذي يهدد هذا الكيان لنرى في هذا المقام مستوى التدخل الأمريكي الغربي في هذه المعركة التي قد تتطور في لحظات وتأخذ العالم بأسره لإحداث متغيرات كبيرة جيوسياسية في هذه المنطقة وسيكون لها دور كبير على شكل النظام الدولي الصاعد.
على الرغم من تصدر الملف الإنساني عناوين المباحثات السياسية على مستوى قوى دولية واقليمية الا ان هذه المباحثات تحمل بين عناوينها العريضة احتمالية نشوب حرب اقليمية تأخذ المنطقة والعالم لحرب مجهولة المسار والنتائج .
وفي الختام لا احد يستطيع أن ينكر حجم الكارثة الإنسانية التي يوقعها المحتل الاسرائيلي بأهل غزة فهناك شهداء بأعداد كبيرة وجرحى ومصابين إصابات خطيرة قد تهدد حياتهم بالموت ، وهذا جل انتصارات أمريكا واسرائيل واستطاعت الكاميرا توثيق هذا الانجاز ليحتفل به قادتهم في واشنطن ، اما عن انتصارات المقاومة فهي واضحة ترسم خيوط إشراقة شمس جديدة لفلسطين فهذا المستقبل يرسم بأيادي اليتامى ودموع الثكالى فعندما تكون المحبرة ممتلئة بدموع المظلومين ودماء الضحايا على المعتدي أن ينتظر طوفان الاقصى بكل ما فيه من رد عقائدي اخلاقي انتمائي ووجداني اتسعت به أفئدة المجاهدين.
*كاتبة سورية وباحثة في العلاقات الدولية – دمشق
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر