خالد شحام*
مساء الامس فيما كنت أتابع الفقرة المسائية التي يقدمها الصحافي المناضل كمال خلف جاء خبر قصف مشفى الأهلي المعمداني بصاروخ أمريكي على يد أبناء القردة وسقوط هذا العدد المروع من الاطفال والجرحى والعجز مثل خنجر جديد يغرس في الوجدان ، امتقع وجه الرجل وهو يلقي الخبر ولكنني تهاويت في ثقب أسود .
وفي هذه المناسبة ندعو العالم الحر إلى اعلان الرئيس بايدن و نتاياهو كمجرم حرب أسوة بإعلانه بوتين كمجرم حرب .
هذا هو اليوم الثاني عشر من المجزرة الاسرائيلية حيث تتراكم مكونات الجريمة العالمية ضد الشعب الفلسطيني في غزة بقيادة الولايات المتحدة إلى ارتفاعات شاهقة غير مسبوقة في كل سجلات الجرائم الكبرى ، هذا التراكم لا يتألف فقط من تزايد أعداد الشهداء الذي سيفوق الخمسة آلاف شهيد وعشرات ألوف المنازل التي تم سحقها بالأرض ، ولا يتوقف عند الاستخدام المفرط لأسلحة بنوعيات وكميات فاقت كل الأعراف العسكرية يتم بها ضرب المشافي والمدارس والمدنيين ، بل تتراكم أيضا كتلة الجريمة في الطرف الثاني على هيئة دعم ودبلوماسيين وزعماء ورئيس كهنة كلهم يزورون دولة الكيان أسرابا كي يقدموا أوراق المؤازرة والدعم وكل أشكال الموافقات على صك الجريمة ضد الانسانية وضد التاريخ ، بات واضحا أن العدوان على الشعب الفلسطيني لا يأتي فقط من الكيان العبري وعساكره بل هنالك حلقة كبيرة القطر من المعتدين والمجرمين في أثواب مزركشة ومتنوعة يقفون معه وخلفه ، قالها بالأمس المجرم نتانياهو فهو ( يخوض حربا عن كل الدول المتحضرة ) ، هؤلاء هم المتحضرون ، صف طويل يبدأ بسياسيي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وآخر من جيوش العرب ومؤسساتهم الأمنية والإعلام والصحافة والدبلوماسيين والمفكرين المسممين بالحقد والعنصرية واللابشرية ، كل هؤلاء كانوا مختبئين خلف الجريمة الدائمة ولكننا كما العادة ننسى حضورهم ونتلهى بالممثل الأراجوز على خشبة مسرح الموت المستمر ، وبهذه المناسبة ندعو العالم الحر إلى اعتبار بادين ونتانياهو وسائر العصابة والتعامل معهم بوصفهم مجرمي حرب أسوة (بإنسانية ) الرئيس بايدن وإعلانه بوتين كمجرم حرب .
في داخل أجواء مدينة غزة هرب نسيم البحر وحلت محله رائحة الرماد والدماء والغبار ، وتتجول في الليل كائنات مرعبة اسمها العطش والجوع والعتمة والذعر والموت ، و في البلاد ما حول غزة تُضَخُ في الهواء رائحة الترهيب الأمريكي وغاز الخوف الذي يبثه حلف الأحزاب الجديد ، هنالك روح إرهاب مبيت ومعلن وتلويح وتخويف يشنه هذا الحلف على كل موقف وفكرة وكلمة وروح تقف الان مع الشعب الفلسطيني ، ترهيب باعتقال مغنية أو طرد رسام أو إقالة مذيعين أو حرمان حقوقي لأجل كلمة أو رمز أو كوفية أو بطيخة أو ايماءة بالتعاطف مع الشعب الفلسطيني ، ننسى جميعا في لحظات النشوة من الألم أو القهر أو التعاسة أو مزيج منهما بأن هذا المستوطن القذر الذي جيء به ليسكن حول غزة وفي تل أبيب وكل مدننا المسروقة إنما هو صنيعة حلف الأحزاب هذا ، فالمستوطنات مبنية من سخاء الأوروبيين والمستوطن القذر معزز ومكرم من جيوب دافع الضرائب الآمريكي ومحاط بكل السخاء العربي من النفط حتى الحماية والكرم الحاتمي ، وسلطة العمالة تستمد دعمها ومالها ورواتبها من هؤلاء الأوروبيين عديمي الضمير والإنسانية ، إنهم صلب معركتنا الأزلية ومعركتنا الكبرى القادمة عبر ممرات التاريخ والجغرافيا وانتهاءا عند ناصية الزمان والمكان الموعود وعد الصدق .
إن الهدف الأساسي للغزو البري داخل غزة يتمثل في قطف صورة واحدة فقط وهي الهدف الرئيسي من كل هذه المعركة الضخمة ، هي صورة قادة المقاومة ورموزها وهم في حالة اعتقال على قيد الحياة كي ترد الهيمنة الامريكية على صورة الإذلال والدوس على جنودها الاسرائيليين في عملية الاقتحام البطولية ، يجب أن نرد الدوس بالدوس ، هذا هو بالضبط ما تريده كل هذه المعركة الطاحنة لأن الهيبة الأمريكية في خطر ومصابة بدوسة على وجهها ويجب أن تقوم بعمل ذلك كي تسترد هيبتها ، لا يهم عدد الموتى والحطام والكلفة أو تهاوي القوانين الدولية او خديعة الامم المتحدة واكذوبة الشرعية الدولية المخصصة لحصار وقتل الضعفاء ، المهم هو رد الاعتبار لهذا الوجه المنحرف الدموي .
عقب وقوع احداث الحادي عشر من سبتمبر من العام المكسور قام الصحافي البريطاني روبرت فيسك في اليوم التالي بنشر مقالة بعنوان : لماذا ؟ ، ويقدم في مقالته تحليلا للدوافع والأسباب التي دفعت هؤلاء المهاجمين الى فعل ما فعلوه وتساؤلات حول السياسات الامريكية التي ولدت هذه الردود من الافعال حيالها ، طبعا في وقتها تلقى الرجل من التهديد والتوبيخ والهجمات ما يكفيه ، لكن سؤاله بقي خالدا نزيها وله القدرة على البقاء والاتساع في عالم موشح بالكذب وعواصف التزييف ، يأتي اليوم الذي يستحق فيه هذا السؤال البسيط : لماذا ؟ كي يقف من جديد امام الاعلام الغربي والمسؤولين الغربيين الذين تصهينوا خلال ثوان وكشفوا حقدهم وضميرهم الانتهازي الاسود الذي يرفض رؤية شيء سوى ثوابتهم التاريخية الانتهازية ، يأتي سؤال لماذا ليس ليقدم إجابات في عقول هذه الطبقة المجرمة الممثلة للاستعمار بحلته الجديدة ولكن ليبحث عن شخص أو صحافي أو سياسي ليحتضنه ويدفع به أمام كل هؤلاء المجرمين ويكسر زجاج ادعاءاتهم الهشـة الرقيق : لماذا فعل الفلسطينيون ذلك ؟ لماذا أقدمت المقاومة الفلسطينية المحاصرة في غزة منذ أكثر من 17 عاما على فعلتها ؟
الاجابة الحقيقة كانت لتكون كتيب الدليل في سياحة الاستعمار للمنطقة لكشف جذور الصراع وحقائق المحتل وحقائق الضحية ولكن الاعلام الغربي بشخوصه ومسؤوليه وحكوماته لا ترى السؤال من أصله و ترى أنه غير ذي حاجة ولا أهمية ولا أولوية بل على العكس يحتاج الأمر الى نكران هذا السؤال من مولده لأن هؤلاء ( حيوانات ) لا يستحقون حتى طرح السؤال .
حمل هذا السؤال والمجاهرة به يعتبر مسؤولية أخلاقية وسياسية وواجبا وطنيا ممن يدعون حمل واجهة القضية الفسطينية ضمن الفورم الرسمي المتعارف عليه دوليا ضمن ( الشرعية الدولية ) وكنا نتوقع مثلا أن الرئاسة الفلسطينية سوف تتكفل بطرح هذا السؤال كواجهة اساسية لإفهام العالم من جديد بأن هنالك شعب لا يزال يعيش تحت نير الاحتلال ويتعرض للقتل والاعتقال والحصار وسرقة الاراضي ، لكن ما تكفلت به الرئاسة كان إلقاء كسرة خبز جافة متحجرة على وجوه المنتظرين عندما قيل بأن (هؤلاء لا يمثلون الفلسطينين ) حتى يحملهم مسؤولية ما جرى بل وحتى يمنح فرمانا وتبرأة منهم والسماح باستمرار العقاب الجماعي لهم من قتل وقصف وحرق وتهجير وتهديد وجودي .
لمادا خرج هؤلا الفلسطينيون من سجنهم الكبير وقاموا بالهجمة على المستوطنات يا سيادة الرئيس ؟ ألم تعرف ذلك طيلة مائة سنة من هزيمتنا ؟ لقد فعلوا ذلك لأن الحياة في المعادلة المطروحة أمامهم ساوت بين الموت والحياة وأنت لم تفعل شيئا لهم ، خرجوا لأن شعبك يتعرض لتجريد إنسانيته واعتقال كرامته بشكل ممنهج وحياة محرومة وبائسة ، خرجوا لأن الجيوش العربية والنظام العربي الرسمي انسحب من قضايا الشعوب وتحول الى شريك في الجريمة ضدها ويعتاش من آلامها ، خرجوا لأن كرامة الأمة العربية بأكملها تتعرض للامتهان والبصق والدوس من هؤلاء الحثالة ، تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا يسرق ونرغم على العبودية في أرضنا ، خرجوا لكي يقولوا للعالم نحن العرب لم نمت بعد ! نحن لازلنا تحت الأنقاض نصرخ ونحاول الصعود إلى الحياة وسننبت من تحت رماد القصف الكبير والقذائف التي ستخترق الأنفاق وتحقق نبؤة التلمود بقتل كل شيء .
سؤال (لماذا ) الخالد النزيه العادل لم ولن يتوقف عند حدود فلسطين بل يتغلغل ليكتشف هو بذاته خاصيته الخارقة للنفاذ في كل بلاد العرب وكل قضايا العرب ، أسئلة من فئة لماذا وأخواتها تتشكل سريعا في الوجدان والضمير العربي وتنهمر بعجالة لتتحول الى سيل أعتى من سيول ليبيا لتجرف النظام العربي بأكمله وتحوله إلى حطام كما حطم حياتنا ، لماذا يقتل هؤلاء الحثالة 500 طفل وإمرأة من الأبريء دون ذنب يذكر؟ لماذا خرجت الجماهير العربية في الشوارع وصرخت بالموت لامريكيا واسرائيل ؟ هل كل هؤلا ارهابيون ؟ الجواب لأنهم يأسوا بدورهم من الحكم العربي وصار اليأس وباءا مقيما في بلاد العرب ، لماذا يستمر الصمت العريي حيال الجريمة المتواصلة ؟ لماذا تتبرع دولة خليجية ببناء الخيام ومعسكرات التشرد لمشروع الطرد من غـزة ؟ لماذا تفعل ذلك وهي تدعي بقناتها الملساء بأنها تقف مع القضية ؟ لماذا تتبرع دول النفط لاستمرار التغريبة الفلسطينية واليمنية والسورية والعراقية والليبية واللبنانية ؟ لماذا ؟ والكثير من لماذا التي تقض المضاجع وتأكل سكينة البال !
إن الجريمة في غزة الفلسطينية ليست ثأرا عابرا أو مزاجا للكاوبوي الثائر الذي سيهدأ بعد شبعه من الدم للهنود الحمر ، إنه نهجهم وطريقهم وسبيلهم في الحياة الذي لا يعرفون سواه وقد تمكنت المقاومة الفلسطينية من تعرية وإظهار هذا الوجه القبيح على حقيقته التي كان يزاود عليها البعض ، أمريكيا اليوم تعلن نفسها العدو الأول المطلق لشعوب العرب ولشعوب العالم المستضعفة وتضمن لنفسها المستقر والمكانة التاريخية التي تليق بهذا القدر من الغطرسة والانحطاط الحضاري .
إن مسلسل الاستباحة لم ولن يتوقف في جسد الهوان والضعف العربي ، إن التوابع الكارثية لهذه الهجمة على العرب والمسلمين ستطال الجميع ولن ينجو منها أحد تماما كما فعلوا عقب هجمات 11 سبتمبر المكللة بالضباب الأزلي ، سيتم الدوس على كرامة العرب وإجبارهم على قبول الانحلال والمثلية وحذف القرآن والسنة النبوية والانفتاح على اليهود بالطاعة والولاء والدعم المطلق ، أطفالنا سوف يربون على نهج أمريكيا وعشق الديانة العبرية خاوة ، بلادنا سوف تصبح لهم وأجيالنا سيصبحون عمالا وحراثين في بلادهم التي يحكمها الطيران الأمريكي وقصف القنابل الذكية وقتلة أطفال المستشفيات.
في غزة تتمدد رائحة الحرب والخوف في كل مكان كما جاءت بداية فتيل المقالة المصنوعة من زجاجة مولوتوف ، لكن بمعية ذلك وجنبا إلى جنب بين الحطام وعتمة الليل تحضر نكهة خاصة لا يمكن أن يعرفها البعداء والمعزولون أمثالنا الذين تنتفخ قلوبهم قهرا وكمدا ، نكهة وعطر لا يستشعره إلا أبناء غزة ، إنها رائحة تحضر مع صعود أولى شعاعات الفجر والشمس على المدينة المقاتلة حيث تتعانق العواصف مع الألم والصبر والبطولة ، عطر الشهداء والتحدي والبطولة التي تحي العظام وهي رميم ، هذه هي الرائحة العطرية التي يقسم المقاتلون بأنها تملأ انفاسهم مع كل صاروخ وكل طلقة بندقية وكل صيحة أبية .
نحن نصلي لأجلك وقلوبنا تكاد تغادر الصدور لتذهب إليك ، نحن خائفون عليك ولكننا نعلم بأنك القدر المحتوم في النصر والبطولة ، نحن ندعو لك كل ساعة وقد خجلنا من طعامنا وشرابنا ونومنا وسائر عباداتنا وأصبحنا نشعر بتفاهة هذه الحياة ، عيوننا ذبلت رجاءا أيها الفارس الوحيد بأن يعززك الله بألف أو ألفين من الجبابرة مردفين ، أنت ….. لا يمكن لك الموت ولا السقوط لأن ذلك هو قدرك ، استمر في صعودك واصعد ، واصل حياتك وأشعل السماء .
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر