السبت , يناير 31 2026
الرئيسية / اراء / لماذا لا نُقاطع الإدارة الأمريكية؟

لماذا لا نُقاطع الإدارة الأمريكية؟

عبد السلام بنعيسي*
عُقِد في العاصمة الأردنية عمان اجتماعٌ مشترك ضمَّ من جهة، وزراء خارجية الأردن، وجمهورية مصر العربية، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، ودولة قطر، وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومن جهة أخرى، وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بليكين، وجاء في قصاصات وكالات الأنباء التي غطت هذا الحدث أن الهدف من الاجتماع كان هو التأكيد على الموقف العربي الداعي إلى الوقف الفوري لإطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية بشكل مستعجل إلى سكان غزة، ولبحث كل تداعيات وسبل إنهاء هذا التدهور الخطير الذي يهدد أمن المنطقة برمتها…
عقْدُ هذا الاجتماع في الظروف الراهنة يتضمن نوعا من الكذب على النفس العربية، ومحاولات للتلاعب بعقل الجمهور العربي، الاجتماع يوحي وكأن الولايات المتحدة الأمريكية ليست طرفا في النزاع وأنها جهة محايدة، والبحث جارٍ معها لتتكرم علينا بوساطتها للعمل من أجل وقف إطلاق النار على سكان غزة، ووضع حدٍّ للإبادة الجماعية التي تقترفها القوات الإسرائيلية ضد أبناء الشعب الفلسطيني في القطاع.
يوهم الاجتماع وكأن الوزراء العرب المجتمعون مع نظيرهم الأمريكي سيتمكنون، بخبراتهم ومهاراتهم التفاوضية، وبحججهم الدامغة، من إقناع الإدارة الأمريكية بضرورة التحرك لكي تنزل بكل ثقلها إلى جانيهم، وتضغط معهم على صانع القرار الصهيوني لكي تجبره على التخلي عن تدميره لغزة، والتوقف عن القتل الجماعي لأهلها، كبارا وصغارا…
والحال هو أن الولايات المتحدة الأمريكية باتت منذ بدء الحرب شريكة بشكل كامل في كافة فصولها، وصارت الحرب حربها، فرئيسها جون بايدن زار تل أبيب مباشرة بعد اندلاعها، وأعطى الضوء الأخضر والدعم غير المشروط لقادة الصهاينة لكي يعيثوا في غزة، فسادا، وقتلا، وتدميرا، وتهجيرا.
فلقد أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية في غضون هذه الحرب أطنانا من أحدث وأفتك ما في ترسانتها من قنابل وصواريخ، ووضعتها في المخازن الصهيونية، لكي يتم بواسطتها اقتراف الجرائم ضد الإنسانية في غزة، وأعلنت واشنطن عن مساعدات مالية تتجاوز 14 مليار دولار لفائدة الخزينة الإسرائيلية، لدعم المجهود الحربي الصهيوني، وبعثت بقوات من المارينز إلى تل أبيب لمساعدة الجيش الإسرائيلي ومدّه بالخبرة في الحرب البرية، كما أنها أرسلت بوارجها الحربية وأساطيلها وحاملات الطائرات إلى شواطئ غزة، للتهديد وللتجسس، وتوجد مسيرات أمريكية في سماء القطاع بحثا عن الأسرى الصهاينة للمساعدة في إطلاق سراحهم، والإدارة الأمريكية هي التي استعملت الفيتو في مجلس الأمن لمنعه من إصدار قرار يدعو لوقف إطلاق النار، ولو في شكل هدنة إنسانية….
فإذن الولايات المتحدة الأمريكية هي المسؤولة عن الحرب وبإمكانها إيقافها في أي لحظة، واستمرار هذه الحرب الهمجية الوحشية ضد سكان قطاع غزة هو قرار صادر عن البيت الأبيض، وإسرائيل بمثابة المنفذ لهذا القرار، وما أظن أن هذه الأمور غائبة عن بال السادة وزراء خارجية الدول العربية الذين اجتمعوا بنظيرهم الأمريكي، إنهم يعرفون هذه الحقائق وما هو أعمق وأكثر سرا منها، ولكنهم مع ذلك، يجتمعون بوزير خارجية أمريكا ليوهموا أنفسهم ورأيهم العام أنهم يتحركون ويشتغلون، ويؤدون الواجب المفروض عليهم، وأنهم يسعون لإيقاف هذه المذبحة المستمرة في أهالينا بغزة..
لقد تعددت اللقاءات والاجتماعات من جانب وزراء خارجية عرب بوزير الخارجية الأمريكي حول الحرب الدائرة رحاها في غزة، ولم تسفر كل هذه اللقاءات والاجتماعات عن أي نتيجة، وظلت المجازر والمذابح في الفلسطينيين في تصاعدٍ مستمر، فلماذا لا تبادر الحكومات العربية إلى عكسِ الموقف، باتخاذ قرارٍ مغاير يقضي بوقف كافة الاتصالات حول ما يجري في غزة مع الأمريكيين، بما في ذلك الوساطات لإطلاق الرهائن؟ لماذا لا تضع الأنظمة العربية شرطا واحدا ولا محيد عنه لعقد أي لقاء مقبل بوزير خارجية أمريكا، ويتحدد هذا الشرط في وقف إطلاق النار في غزة، وبعدها يمكن التفاوض حول باقي القضايا، أما قبل تنفيذ هذا الشرط فلا لقاء، ولا تفاوض حول أي شيء.
أمريكا تبيد الشعب الفلسطيني في غزة بالأداة الإسرائيلية، واللقاءات بوزير خارجيتها لطحن الكلام والخروج منها خاوي الوفاض، لا تستفيد منه إلا واشنطن وتل أبيب، إننا بذلك نقدم التغطية للإدارة الأمريكية لكي تمعن في تعنتها، وتستمر في حرب الإبادة التي تقترفها في غزة. وزراء خارجية الدول العربية يوحون في لقاءاتهم بنظيرهم الأمريكي واجتماعاتهم معه، بأن أمريكا غير ضالعة في سفك الدم الفلسطيني، وأنها بريئة منه، وأنها وسيط محايد وربما نزيه، ويُعوّلُ عليه لوقف هذه الحرب الوحشية. فلماذا لا يُنهي وزراء خارجية دولنا العربية هذه المهزلة، وهذا التحايل الذي تمارسه واشنطن علينا؟ لماذا لا نضع النقاط على الحروف بتحميل الإدارة الأمريكية مباشرة مسؤولية ما يجري في غزة؟
حرب الإبادة المشنة على غزة حرب أمريكية ولن تتوقف إلا بقرار أمريكي، واستخلاص وقف إطلاق النار من الإدارة الأمريكية لن نحصل عليه بالتسول والمسكنة وعقد الاجتماعات الفارغة والبروتوكولية مع وزير خارجية أمريكا. إننا سنحصل عليه بالضغط على هذه الإدارة. ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ترك بلينكين في الرياض ينتظر ليلة كاملة قبل لقائه في بداية الحرب، اليوم، بعد أن استعرت الحرب وأنهت شهرها الكامل، وقُتل فيها حوالي 10 آلاف فلسطيني وفلسطينية، معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ، لماذا لا يتم إحداث نقلة نوعية عربية في كيفية التعامل مع الإدارة الأمريكية حول الحرب، بمقاطعة عربية لهذه الإدارة، ووضع وقف إطلاق النار، شرطا أساسيا ولا حي عنه لإعادة ربط الاتصال بها؟؟؟
ماذا سنخسر إن اتخذنا مثل هذا القرار؟ لماذا نخاف من واشنطن وهي المحتاجة إلى العرب في استمالتهم إلى جانبها، وهي في صراعها المحتدم مع الصين وروسيا؟؟؟ لماذا الأفارقة يتمردون على فرنسا، ولا نفعل نحن العرب نفس الشيء مع أمريكا؟ هل قدر أنظمتنا هو أن تظل إلى الأبد تحت الجزمة الأمريكية؟؟؟
*صحافي وكاتب مغربي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

البرُفيسُور الجرباء البابكري في رِحابِ موكبِ الخالِدِينَ

    أ. د / عبدالعزيز صالح بن حَبتُور   رحلَ البرُفيسُور / الطَّبِيبُ/ أحمد …