فيصل مكرم*
قد ضاقَ العالمُ ذرعًا بإسرائيل وما ترتكبه من وحشية بحق الفلسطينيين، ومن التمرّد على كل القرارات الدولية والقيم الأخلاقية والإنسانية في تعاطيها مع الشعب الفلسطيني خلال عقود طويلة من الاحتلال والقهر والظلم والتنكيل، غير أن «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر الماضي خلق واقعًا جديدًا بأيدي المُقاومة الفلسطينية حين أكدت أن الجيش الإسرائيلي يمكن هزيمته بأبسط الإمكانات والأسلحة المُتواضعة، وبأنه بعد هذا التاريخ انتهت أسطورته ولم يعد ذلك البعبع المُخيف، ويمكن القول إن كتائب المقاومة حققت نصرًا تاريخيًا وأن غزة رغم كل الشهداء والجرحى والدمار كشفت للعالم مدى الانحطاط الأخلاقي والإنساني لحكومة الاحتلال وجيشها، وجعلت واشنطن والعالم الغربي مُضطرًا لمُراجعة حساباته بشكل أكثر عقلانية في التعاطي مع الغطرسة والهمجية الإسرائيلية، وإعادة النظر في ادعاءات تل أبيب ونتنياهو حول الكثير من الأكاذيب التي لم يعد ممكنًا تمريرها على أنها حقائق مُسلَّم بها، وأجدني هنا أتوقع أن الدولة الفلسطينية أصبحت أقرب إلى التحقيق عن أي وقت مضى، وما على كل الفصائل الفلسطينية إلا التوافق وتوحيد جهودها لخوض المرحلة القادمة من العمل على إصلاح البيت الداخلي الفلسطيني وترتيب أولويات العمل مع الدول العربية والإسلامية وكافة مُنظمات المُجتمع الدولي والدول المُحبة للسلام والداعية إلى حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره للوصول إلى تحقيق الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، في ضوء المُبادرة العربية والقرارات الدولية والتطورات الجارية في المِنطقة وصداها الدولي، ولعلَّ نجاح القيادة الحكيمة لدولة قطر وبراعتها الدبلوماسية في التوصل إلى هدنة إنسانية بين حماس وإسرائيل وإنجاح صفقة تبادل صفقة الرهائن بالأسرى كما تريد فصائل المقاومة وليس كما كانت تقوله حكومة الاحتلال يجعل من هذا البلد العربي الخليجي مؤهلًا للمضي قدمًا نحو هدنة طويلة والدخول في مُفاوضات جادة تُحقق للفلسطينيين تطلعاتهم، وتُجبر إسرائيل على الاعتراف بأن أمنها لن يتحققَ دون أن يتحققَ الأمن للشعب الفلسطيني، ويكمن النجاح الدبلوماسي والتفاوضي لدولة قطر ومعها مصر في أن العالم يعرف صعوبة التفاوض مع الإسرائيليين وتقلباتهم المعهودة، كما أن مواقف الدول العربية والإسلامية الداعمة والمؤثرة مثل الرياض وأنقرة والجزائر وجنوب إفريقيا وروسيا وإسبانيا وبروكسل سيكون لها دور داعم في توحيد الجبهة الفلسطينية الداخلية، والتقدم في مُفاوضات حل الدولتين والتي بات المِزاج الأمريكي والبريطاني والأوروبي والدولي مُهيأً للدفع باتجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو عام 1967، والضغط على إسرائيل للقَبول بهذا الخِيار والدخول في عملية سلام شامل في المنطقة يجعل منها ضمن منظومتها الاقتصادية والتِجارية والأمنية والتوقف عن توسيع الاستيطان وقضم الأرض وعن المُمارسات الوحشية بحق الشعب الفلسطيني التي كشفت عنها حرب الإبادة ووحشية الدمار والحصار والتجويع لسكان غزة منذ السابع من أكتوبر وهي مشاهد توقفت تقريبًا خلال أيام الهدنة الإنسانية ولا أظن أن العالم يرغب في رؤية مشاهد الإبادة والدمار تحدث مُجددًا كما تُهدد إسرائيل التي باتت مُطالبةً من المُجتمع الدولي بالتوقف عن القتل وسفك الدماء ليس في قطاع غزة فقط بل وفي مدن ومُخيمات الضفة الغربية التي تُطلق فيها يد المُستوطنين الصهاينة المُتطرفين لمُمارسة أبشع صور الإرهاب والقتل للفلسطينيين العُزَّل بحماية الجيش، كما أن على قادة إسرائيل والصهاينة المُتطرفين أن يستوعبوا درس «طوفان الأقصى» الذي جاء ردًا قويًا ومُزلزلًا على ما ترتكبه حكومة الاحتلال الصهيونية والتي أصبح عليها أن تُغيّر سلوكها مع أصحاب الحق والأرض حتى لا يأتيها «طوفان آخر» أكثر ألمًا وأشد وجعًا وينهي همجيتها وغطرستها إلى الأبد.
fmukaram@gmail.com
@fmukaram
*نقلا عن جريدة الراية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر