خالد شــحام*
في عامي 1859 و1871 قام الباحث البريطاني والعالم الجيو- بيولوجي تشارلز داروين بنشر كتابي أصل الأنواع و نشـأة الإنسان في الأوساط العلمية ، تسبب الكتاب الأول والنظرية العلمية التي طُرِحت فيه بهزة علمية – دينية – اجتماعية كبيرة في كل الأوساط الثقافية بدءا من اوروبا وانتشارا في كل العالم ، تحولت هذه النظرية إلى أكبر معركة جدلية متعددة المحاور عبر التاريخ وحتى يومنا هذا .
في بهو نظريتي التطور والانتخاب الطبيعي اللتين وضعهما داروين أظهر من خلال أدلته بأن جميع الكائنات الحية تشترك في وجود جذور موحدة أو أسلاف موحدة لها وأن كل هذا التنوع الأحيائي مصدره أصول واحدة تعرضت لعمليات تطور تدريجي وتطفر جيني ثم انتقاء وفرز تلقائي بحكم الظروف والبيئات التي اهلكت الضعيف وسمحت ببقاء وتكاثر الأفضل والأكثر تكيفا .
تلقف المجتمع السياسي وطبقة المفكرين الأوروبيين والانجليز خاصة هذه النظرية بنهم وامتصاص شديدين وراقت لهم فكرة إثبات وجود أعراق أو أصول متطورة عن أخرى بدائية ، تم فورا استخدام النظرية كمعزز للنهج الرأسمالي الأوروبي في تبرير السيادة والتميز والأحقية في الاستيلاء والاستعمار وبالتالي تم وضع الأسس لنظرية جديدة موازية لنظرية داروين البيولوجية سميت بإسم الداروينية الاجتماعية وذلك في الفترة التي رافقت وفاة داروين ، كانت الداروينية الاجتماعية هي الضالة المنشودة للنهج الاستعماري الأوروبي ومحتواها البسيط والمباشر يقول بأن هنالك أعراق ومجتمعات أنقى وأصلح وأجدر بالبقاء من مجتمعات اخرى وبأن هنالك شعوب لها امتيازات تطورية ، بهذا المنطق المنحرف تم منح الرأسمالية الغربية دماءا جديدة في عروقها لدعم الحزبية السياسية المحافظة أو اليمينية وفقا لمصطلحات التلطيف ، تم خلق مصطلحات وعبارات تتناسب مع هذا الكشف (البقاء للأصلح – التفوق العرقي – العقل الهمجي – التعقيم القسري للسود – تزايد البشر اكثر من تزايد الغذاء – العبقرية الوراثية – نظرية الطبقة الغنية ) .
أصبح التقسيم الطبقي وعدم المساواة جزءا من (الطبيعة ) وقوانين التطور ، أصبح الاستيلاء على مراكز القوة والسلطة والثروة مشفوعا بمرجعية علمية قداسية لها جذورها ويمكنها أن تكبح كل البؤساء المطالبين بالإصلاحات والعدالة واحترام حقوق الإنسان وسائر هذه الخزعبلات التي سقطت نحو القاع دون أية رحمة ، أخيرا لقد حصل العرق الآري والإنجلوساكسوني على الوثيقة المنشودة المفقودة التي طالما كان يحلم بالحصول عليها لمنحه الحق في ارتكاب المجازروالسرقة والاغتصاب وممارسة الاستعباد لكل الشعوب الأخرى (الأقل تطورا ) وفقا للدراوينية الاجتماعية ، حتى نمط حياة الغربي تحول إلى ثقافة مقدسة مدعومة بنظرية تساند النموذج (الأفضل) المؤمن بالمادة والإلحاد وبانفتاح العلاقات الجنسية ، كانت هنالك اسماء براقة في سماء الداروينية الاجتماعية خاصة من الحاضنة الآنجليزية صاحبة الاكتشاف : هيربرت سبنسر -توماس مالتوس – ثورستن فبلن – فرانسيس غالتون ، ليس بعيدا عن هذه المقدمة دوافع الحرب العالمية الأولى والثانية استنادا إلى هذه الفكرة المجنونة التي أهلكت ملايين البشر دون رحمة ولا ذنب ولا سبب إلا لأنهم أدنى في نظر المجرمين .
سقت إليكم هذه الخلفية التاريخية لكي أذكركم بأن الماضي هو مفتاح الحاضر وبأن الحاضر له جذور ضاربة في القدم ولم يأت من فراغ أو يُخلق من العدم ، لقد استفزني تماما خبران صغيران ، ففي الأسبوع الماضي طرح عراب الصهيونية الفرنسي بيرنارد ليفي كتابه الجديد الذي يمكن تصنيفه ضمن الداروينية الاجتماعية تحت عنوان مضلل ( عزلة اسرائيل ) والكتاب وفقا للمحلل الفرنسي (باسكال بونيفيس ) ليس إلا وثيقة لتبرير الجريمة الصهيونية الوحشية في غزة نقلا عن خبر في صحيفة القدس العربي.
كتاب برنارد ليفي -حسب نفس المرجع – هو ملخص لتبرير الجريمة الصهيونية ومنحها الإعفاء من دم الأطفال والأبرياء وترويجها على أنها دفاع عن العالم الغربي الحر ووقايته من الدول من مثل روسيا والصين وايران وتركيا والحركات المتطرفة مثل حماس ، أي الهمج والرعاع الأقل تصنيفا !
ضمن نفس هذه الخلفية التاريخية الشفافة التي لا يريد الكثيرون أن يروها يطل علينا واحد آخر من منتوجات البضاعة الداروينية الانحطاطية من أمثال (جاريد كوشنر ) الأبيض النقي الثري ليلقي محاضرة في الاقتصاد الاسرائيلي ويشرح لمضيفه بأن شاطىء غزة وعقاراته (ذات قيمة ) ويدعو علانية بأنه لو كان مكان (اسرائيل ) لقام بعملية ( تنظيف ) ونقل الناس إلى صحراء النقب ! ، وضمن نفس المسلسل يطل بين الفينة والأخرى كائن دارويني مثل بن زفير ليقول مثلا بأن حياة الفلسطيني ليست اهم من حياة (الاسرائيليين ) ، فيما حيوان آخر بمنصب وزير يطالب بضرب هذه (الحيوانات ) بقنبلة نووية أو توجيه ضربة أولية تتسبب مثلا بقتل مائة ألف فلسطيني .
وضمن نفس المسلسل من الجريمة المثبتة والثابتة يطل علينا بين الفينة والأخرى أحد أداوت الإدارة الأمريكية مثل الزومبي ، بايدن ، كيربي ، سوليفان ،ترامب لكي يمنحنا قداسة خطاباته الداروينية ويلقي على مسامعنا بعض الأكاذيب حول السلام والهدنة ووحل الدولتين ، وضمن نفس المسلسل تقوم كاميرا العدو ببث عملية تفتيت لبعض الفلسطينين على الهواء لكي نرى قيمتنا بالضبط أو تقوم بدهس جريح بالدبابة أو إطلاق النار على معصوبي الأعين أو الباحثين عن بعض الطحين .
يمكننا القول الان بأن مصطلح الداروينية الإجتماعية لم يعد لائقا بحقيقة جوفه وأصبح مجرد مصطلح ملطف للقبح الأقصى ويجب استبداله بالشيء المناسب ، لقد تحولت الداروينية العرقية إلى روح وايمان مبيت داخل العقيدة الرأسمالية اسمها الصهيونية وتغولت فيها إلى الحد الذي لم يعد فيه من الضروري إشهار أو تبرير القتل أو السرقة أو الاغتصاب للشعوب والثروات واستعباد الناس ، تماما مثلما لم يعد من الضروري تبرير الدولار بالذهب لأن كلا الفكرتين قائمتين على الاستكبار الأعلى في الأرض ، في الماضي كانت أداة الدين والنصوص المقدسة هي وسيلة شرعنة القتل والنهب والفتك بالشعوب المستضعفة ، وبعد نفاذ هذه الحيلة واستفراغ قوتها جاءت النظرية الداروينية العنصرية لتكون النص العلماني الجديد الذي يسوغ كل الموبقات ، وعند مزج هذا الترويع العلمي مع نص ديني أكثر ترويعا فسوف نحصل على الوصفة الصهيونية المثالية لتسويغ القتل الذي يجري على أرض فلسطين وهذه الوصفة هي التي من قبل عَقَّمَت المُلونين والمُعاقين في أوروبا وأمريكيا وشنت حرب الإبادة والإزالة على فيتنام والعراق واليمن وأحلت نشر الفيروسات والسموم لإبادة الأرض ، إنهم أصحاب نظرية المليار الذهبي وهم الان من يخوضون العدوان على غزة الصامدة .
لهذه الأسباب كلها عليكم أن تفهموا بأن نتانياهو ليس مأزوما ولا متحرجا ولا هو في موقع المحاسبة بل هو مسنود بأكبر فريق من المجرمين المتأصلين المؤمنين بالدراوينية المتفوقة أو البقاء للأصلح وليس من الضروي أن يترجم ذلك أو يُنطَق به ، ولهذا السبب فنتانياهو لديه ألف بطاقة إسناد تدعمها حكومات وشركات عملاقة وفضائيات ووكالات اعلامية وجامعات ومنظمات انسانية وهيئات دولية ودكاترة ومفكرون وأثرياء من العيار الثقيل ، كلهم مفرخون من رحم الداروينية العنصرية وهي أولى خصائص النظام العالمي الجديد الذي أشهر نفسه في عام الخديعة 2020 ، ولهذا السبب تستمر المجزرة في غزة حتى اللحظة وسوف تستمر بحق كل شعوب العرب واحدا واحدا دون أية رحمة ، بل ان بعض هذه الشعوب سوف تُستخدم كحمير للركوب أو الأضاحي في الأعياد اليهودية ، و ضمن هذه الخلفية يجب أن تفهموا أيضا بأن الحكم العربي الموكول بالسجن الكبير يتعامل مع شعوبه ضمن هذه الروح ولذلك لا تستغربوا الاحتقار والمعتقلات وضياع الحقوق وانعدام أبسط المقومات لأنهم لا زالوا يتعاملون مع (حيوانات ) دون المستوى التطوري الذي يظلل فهمهم لشعوبهم ونظرتهم إليها .
المشكلة التقنية الفلسفية التي لا تراها الكائنات أحادية الخلية أمثال ليفي وكوشنر وبن زفير وبن سترتش وبايدن وترامب وجورج بوش والحزمة الناطقة بالعربية وسائر قافلة المجرمين عبر التاريخ أنهم مجرد كائنات من ســـوء ، تَفَوقُهم الوحيد هو التفوق في الاتجاه السفلي من سلم التقييم الكوني انحدرا نحو الدرك الأسفل من النار والمصير والسُمعة الباقية ، تماما كما كان المصير التراجيدي المدوي لكل سلسلة دعاة الفتنة والعنصرية وأصحاب نظرية البقاء للأصلح أو الأقوى أو الأغنى أو الأكثر إجراما او سائر التصنيفات الدنيئة المتناسبة مع روح الكفر الأقصى .
العدوان على غزة مؤامرة ضخمة المقياس وتداعياتها ستشمل المنطقة العربية كما يتضح كل يوم أكثر والمسألة لم تعد ترحيلا أو تهجيرا لسكان غزة فحسب بل هي مرحلة تدشين الإجهازوالإبادة والاستيلاء المطلق في المنطقة العربية بكاملها كما تؤكد المؤشرات ومن لم يستوعب بعد فيمكنه النوم جيدا بانتظار السكين .
لو قدر لتشارلز داروين اليوم أن يعود من متحف الماضي ليرى الحاضر و يرى ماذا فعل هؤلاء المجرمون بأفكاره وكيف حرفوها وصنعوا منها قنبلة إبادة زمانية ماضية وزاحفة عبر حقل التاريخ لإبادة الشعوب وقتل الناس وإزهاق الأرواح البرئية بلا ذنب إلا لأن (البقاء للأصلح ) ، لتوجب عليه إعادة دراسة و صياغة نظرية جديدة لإنصاف نوعين جديدين من البشر لم يأت التاريخ بمثلهما ، النوع الأول المتحور من نسل الشياطين ، أصحاب الأخدود ، أصحاب الرذيلة والاستعلاء وقتلة الأطفال والذين يرون أنفسهم خلقا أعلى مما خلق الله ويسومون البشرية العذاب والتجويع والموت ويخططون لهلاك الأرض ومن عليها ، هؤلاء هم الذين يقعون تحت السعدانيات في التطور ،النوع الثاني فئة أخرى صابرة محتسبة مجاهدة ، تذوق الموت كل يوم وتتعرض للتجويع والتهجير والاغتصاب والقتل الممنهج ولكنها ترابط وتصبر وتقدم بأعظم مما تقدم البشرية من فداء وخلق وتذكر الله كثيرا ، هذه هي أعلى درجات الآيمان الذي عرفناه ، هذه هي الطفرة العليا في البشرية التي سيكتبها تشارلز داروين الجديد و سيخلدها التاريخ وستحرر كل شعوب العرب .
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر