بقلم/ فيصل مكرم*
المعاناةُ والأحزانُ أقدارٌ حتميةٌ مثلها مثل الفرح والسعادة، وحياتنا هي أشبه بالسِّيَر والأحداث اليومية التي تؤثر فينا ونتأثر بها وتترك بصمة على كينونة الإنسان وتخلق لديه فضولًا للذهاب بعيدًا في البحث والمعرفة لسبر أغوار الآخر في زمن لم تعد فيه المسافات بعيدة ولا الثقافات منعزلة عن بعضها أو محاطة بجدران من الأسرار والغموض والألغاز، وإنما هي منذ عصور ما قبل التدوين تطوف في سماوات الأزمنة وتُحدث تلاقحًا فيما بينها تمامًا كما تتجسد سعادة ومعاناة الإنسان في طبيعته وسلوكه وتعاطيه مع كل ما حوله، ثم ها نحن في زمن الثورة الرقمية وتكنولوجيا الاتصالات التي تقتحم حياتنا كل يوم بكل جديد ومذهل وتقرب المسافات وتجعل من الكون قرية واحدة متهمة بالتناقضات والسلوكيات والثقافات العابرة للقارات في لمح البصر من خلال برامج الحاسوب وتطبيقات الهواتف الذكية ووسائل التواصل عبر الأقمار الاصطناعية التي تملأ فضاءنا وتجثم على رؤوسنا وتراقب وترصد وتنقل بلا موانع ولا حدود تراعي القيم ولا الخصوصيات البشرية في مختلف أحوالها، ومع ذلك يبقى الصراع بين الخير والشر أزليًا يتقاطع مع كل الأزمنة وكل الحضارات والثقافات تقابلها قوانين القوة وحب السيطرة والهيمنة التي تعمل على صنع الضعفاء وتسخيرهم لكي يبرهن القوي على قوته ويبقى الضعيف إما ضحية لصراع ونفوذ وأطماع الأقوياء وإما عاجزًا عن مجاراة الأقوياء والحصول على أبسط حقوقه وفقًا لقوانين العدالة الإنسانية التي تتصدق بها القوى الكبرى على الضعفاء وتسويقها شعارات لديمقراطياتها أو تمنحها لدكتاتوريات مستبدة من صنيعتها لتكون مجرد شعارات في الواجهة كغطاء لقسوتها ولا تكترث كلتاهما لعدد الضحايا ما دامت الفائدة تخص الأقوياء والخسائر جبل عليها الضحايا سواء كانوا بشرًا أو دولًا لها إعلام ومقاعد في منظمة الأمم المتحدة أو دولًا أنهكتها الأزمات وساقتها دول أكبر إلى حافة الانهيار، غير أن صيرورة الحياة لا تبقي في الحياة كبيرًا دائمًا ولا ضعيفًا بلا روح وبلا مقاومة، ومنذ أقدم الأزمنة قامت حضارات وسقطت أخرى ولكن التاريخ يسرد لنا على صفحاته الكثير من دورات الصراع والكثير من ملاحم وأساطير تحكي بالشواهد أن القوي ضعيف أمام قوانين العدالة والضعيف يصبح قويًا بإيمانه بعدالة قضيته ورفضه لكل أشكال الخنوع والعسف أو الاستسلام للأقدار أو لمصير يحدده الأقوياء أو المناوئون لحقه في الحياة بكرامة، وما بين عصور ما قبل التدوين وما بعدها ثمة أساطير عابرة وحقائق ثابتة بأن الإنسان هو مَن يحدد مسار عصره ومن يختار ثقافته وهو مَن يصنع مصيره ولا يموت منقوصًا في حقوقه وإنسانيته لأن الموت بحد ذاته إما أن يكون ثمنًا لمعتقداته أو نهاية بائسة لضعفه وعدم اليقين بأنه يستحق أن يعيش حرًا وبكرامة يتوارثها أجيال وأجيال من بعده، وهنا يكمن الفرق بين أن تكون أولا تكون.
*نقلا عن الراية القطرية
fmukaram@gmail.com
@fmukaram
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر