د.حسناء نصر الحسين*
تتصاعد حدة المواجهة بين طلاب الجامعات الأمريكية الذين خرجوا لممارسة حقهم الدستوري بالتظاهر والتعبير عن الرأي نصرة لدماء أبناء فلسطين الذين يواجهون ابادة جماعية من قبل الكيان الاسرائيلي وبين قوات النظام الأمريكي الداعم للمذابح الإسرائيلية بكل ما يمتلك من قوة عسكرية واقتصادية واستخباراتية وسياسية وأممية لتتحول الولايات الأمريكية لخادم للمصالح الصهيونية على مستوى العالم وهذا ما جعل الجيل الأمريكي الصاعد من أبناء الجامعات الذي سمحت له التطورات التكنولوجية الحديثة التي حولت العالم لقرية صغيرة للوقوف على هذه الجرائم التي يرتكبها الكيان بدعم أمريكي منقطع النظير ، وصول الصورة الدموية التي مازال يرسمها الكيان الاسرائيلي للرأي العام في الداخل الأمريكي وفشل المكنات الأمريكية الغربية في وضع المساحيق وإنتاج الأكاذيب المعهودة لحماية إسرائيل جعل الطلاب الأمريكيين يخرجون للمطالبة بوقف الدعم للكيان الاسرائيلي وعدم تغطيته في جرائمه.
ليجد النظام الأمريكي نفسه أمام مفاجأة كبرى لناحية انفلات السيطرة على الوعي الجمعي للشعب الأمريكي وهو الذي نجح خلال عقود مضت على إدارة العقول لشعبه الذي غيب بفعل الروايات القادمة من القائمين على النظام السياسي الأمريكي من خلال السيطرة على وكالات الإعلام ، لتشكل هذه المظاهرات الكبرى التي غطت معظم الجامعات الأمريكية قنبلة موقوتة انفجرت في لحظة مفصلية تعمل فيها جاهدة المؤسسات الأمريكية للحفاظ على هيمنتها على النظام الدولي وهي التي تعاني ظهور قوى تسعى لإنزالها عن عرشها المنفرد ، وهذا التغير في الداخل الأمريكي الذي لم يكن يحسب له حساب يؤكد فشل النظام الأمريكي لقراءة المتغيرات الكبيرة في عقلية المواطن الأمريكي وهذا فشل داخلي كبير وسيترتب عليه الكثير من المتغيرات في الداخل الأمريكي وعلى مستوى موقع أمريكا كقوة منفردة في النظام الدولي وهذا ما يشكل قلقا كبيرا لدى صناع القرار في الداخل الأمريكي.
هذه المظاهرات الطلابية السلمية التي خرجت لتعبر عن انسانيها وتدعم الشعب المظلوم في فلسطين لن تبقى داخل أسوار هذه الجامعات فأداة القمع والاعتقالات التي تمارسها قوى الأمن الداخلي الأمريكي ووضع المئات من الطلاب واساتذة الأقسام في هذه الجامعات سيوسع دائرة المظاهرات وتتحول لثورة حقيقية ضد النظام الحاكم وسياساته وسيفرض واقعا جديدا على شكل النظام السياسي في الداخل الأمريكي الذي يمتلك أرضية خصبة لاندلاع ثورة تحرير حقيقية وتفعيل مبدأ الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية والفوارق بين الولايات والعنصرية التي تعبر عن حقيقة الولايات المتحدة الأمريكية.
لم يخطر في بال صناع القرار في واشنطن أن يثور الشباب الأمريكي ضد سياساتهم القائمة على الدعم الأعمى لإسرائيل وان يقفوا في وجههم متحملين عقوبات كبيرة منها السجن وتعريض مستقبلهم للخطر عبر عقوبة الفصل وانهاء المستقبل الا أن كل هذه التهديدات لم تؤدي إلى فك هذه المظاهرات ولعل من بركات الدم الفلسطيني هو ما يجري الآن من اكتمال الصورة للوعي الجمعي للجيل الجديد الأمريكي والذي سيخرج منه لاحقا حكام الولايات المتحدة الأمريكية وهذا بحد ذاته انجاز سيترتب عليه تغيير في السياسات الخارجية الأمريكية.
ليبرز دور اللوبي الصهيوني من أصحاب المليارات من اليهود ليقوموا بابتزاز الجامعات لاحتواء المظاهرات الطلابية وقمع الاحتجاجات تحت تهديد بوقف الاستثمارات والدعم للجامعات، وهذا يؤكد نجاح هذه المظاهرات في إيلام الصهيونية في الداخل الأمريكي التي تدفع بمليارات الدولارات في الحملات الانتخابية الأمريكية لإيصال من هم أبناءها لحكم الولايات المتحدة الأمريكية وهذا مؤشر على بدء انهيار اللوبي الصهيوني داخل أمريكا وبالتالي خارجها أيضا وهذا سيمنح فرصة اكبر للدول الصاعدة كالصين وروسيا وايران وكوريا الشمالية لملئ الفراغ فهذا التراجع ليس فقط أمريكيا بل غربيا أيضا فالسفينة الأمريكية مصيرها الغرق لو بعد سنوات وستغرق معها كل من فيها .
سيل دماء أبناء فلسطين يتحول في لحظة تاريخية مفصلية لتيار جارف يأخذ معه المجرمين والقتلة وما حالة الذعر التي يعيشها رئيس حكومة الكيان وقادة حربه القذرة من صدور قرار الاعتقال من محكمة العدل الدولية والقلق الذي يسيطر على الحزب الديمقراطي من تراجع شعبيته لدى الناخب الأمريكي ما هو الا خير دليل على بداية الانهيار .
*كاتبة سورية وباحثة في العلاقات الدولية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر