السبت , يناير 31 2026
الرئيسية / اراء / ماذا بعد رئيسي؟

ماذا بعد رئيسي؟

 

د. صالح القزويني*
السؤال الآنف طالما يردده المتابعون للشأن الإيراني، لما يتركه الوضع في إيران من تأثير مباشر على الأوضاع في المنطقة والعالم.
وهو السؤال الذي وجهته لي مذيعة برنامج “قضية ساخنة” الذي تبثه قناة الكوثر الإيرانية، وقبل أن أجيبها عن السؤال، علقت على ما قاله الضيفان الآخران للبرنامج اللذان أكدا ان إيران لن تشهد أي تغيير في سياستها.
وقلت، إذا لم يحدث أي تغيير فمالداعي من الانتخابات وإنفاق الأموال والجهود الكبيرة لإجرائها، ثم إن القول إن السياسات الإيرانية لن تتغير يؤكد ما تقوله الإدارة الأميركية ودول أخرى بأن النظام الإيراني نظام قمعي ونظام الفرد الواحد ولا يؤمن بالديمقراطية، والانتخابات تجرى فيه بشكل صوري، الأمر الذي أزعج المذيعة ولم يعجبها كلامي فقاطعتني، وتوجهت بأسئلتها إلى أحد الضيفين.
وللاجابة على السؤال ينبغي تقسيم السياسات التي تنفذها إيران إلى سياسات خارجية وداخلية، والسياسات الداخلية تطال الاقتصاد والاجتماع والثقافة والاعلام ..و..و..
ما يهم المنطقة والعالم هو معرفة ما إذا كانت السياسة الخارجية لإيران ستتغير بعد رحيل حكومة رئيسي ومجيء أخرى، أم إنها لن تتغير، وهنا ينبغي الإشارة إلى أن السياسة الخارجية الإيرانية تنقسم إلى قسمين، السياسة الخارجية العامة والتي لا تختلف عن السياسة الخارجية لجميع دول العالم حيث ترتكز بشكل أساسي على تعزيز وتوطيد العلاقات سواء الثنائية أو متعددة الأطراف، وهو ما تقوم به الخارجية الإيرانية.
أما السياسة الخارجية الخاصة فأقصد بها هي التي تتولى شؤون محور المقاومة، وهي التي يخطط لها وينفذها فيلق القدس التابع لحرس الثورة الإسلامية، وهذه السياسة ليست تابعة للحكومة وبالتالي لا تتغير بتغير الحكومات، وهذا لا يعني حدوث قطيعة بين القائمين على السياستين وانما مدى الانسجام والتنسيق يتوقف على نوعية الحكومة والتيار الذي يفوز بها.
ووفقا لتجارب الحكومات السابقة، فإن العلاقة تكون وطيدة بين القائمين على السياستين الخاصة والعامة عندما يتولى التيار الأصولي أو المحافظة إدارة البلاد كالذي حدث في حكومة رئيسي، بينما تصاب هذه العلاقة بنوع من الروتين والبرود بل التوتر أحيانا عندما يتولى التيار الإصلاحي إدارة البلاد، كما شهدنا ذلك بين وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف وقائد فيلق القدس السابق الشهيد قاسم سليماني.
هناك مبادئ عامة في السياسة الخارجية الإيرانية لا يمكن لأي رئيس حكومة تخطيها، منها توطيد العلاقات الاقليمية ودول الجوار، والدفاع عن المظلومين والمضطهدين في العالم، وعدم اقامة علاقات مع اسرائيل، وتعزيز ورفع مستويات القدرات العسكرية، وتحسين وتنمية البرنامج النووي.
بهذه المبادئ أو الخطوط الحمراء يتبين لنا مدى اتساع رقعة التحركات والاجراءات التي يستطيع رئيس كل حكومة القيام بها، بل أحيانا رأينا رؤساء حكومات لا يتبنون سياسة المواجهة والتوتر مع إسرائيل وأحيانا يخفضون ميزانية الدفاع والأموال المخصصة لتطوير القدرات العسكرية كالصاروخية وغيرها.
ماشهدناه في السياسة الخارجية للرئيس الإيراني السابق حسن روحاني يختلف تماما عن السياسة التي انتهجها الرئيس الراحل ابراهيم رئيسي، ففي الوقت الذي كان فيه روحاني يسعى الى التقرب للغرب وحل المشاكل العالقة بين ايران والولايات المتحدة بشكل خاص، فإن رئيسي نأى بنفسه عن الغرب بل سعى الى التقرب للشرق، وأثمر هذا التقرب الانضمام لمنظمة شنغهاي وبريكس واتحاد أوراسيا.
لذلك من الخطأ القول إن السياسة الإيرانية لن تتغير مهما تغير الرؤساء، بل على العكس إن التغيير يطال السياسة الخارجية فما بالك بالسياسات الداخلية، وكنموذج على هذا التغيير فإن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي أقر سياسة صارمة في تحديد النسل والانجاب ولا تزال تأثير هذه السياسة قائمة لليوم، فقلما تجد عائلة إيرانية تسكن المدن وخاصة المدن الكبرى أنجبت أكثر من ولدين، بينما الحكومات التي تلت حكومة خاتمي انتهجت سياسة مغايرة بالكامل لذلك، فلم تشجع على الانجاب وحسب بل قدمت حوافز مغرية جدا للعوائل التي أنجبت أكثر من طفلين من بينها على سبيل المثال منح اجازة لأكثر من سنة للأم الحامل، أو أن العائلة التي لديها 3 توائم تحصل على منزل أو قطعة أرض.
هذا على صعيد جانب من السياسة الاجتماعية لحكومتين مختلفتين فما بالك بالسياسات الأخرى، مما يشير الى حدوث تغيير مع مجيء كل حكومة، بما في ذلك الحكومة القادمة، غير أن حجم التغيير يتوقف على التوجهات السياسية للحكومة.
توجهان رئيسيان يسودان إيران منذ أكثر من أربعة عقود هما الإصلاحي والمحافظ، وبما أن حكومة رئيسي تنتمي إلى التيار المحافظ فمن المتوقع حدوث تغيير جذري في السياسات الإيرانية حال مجيء حكومة إصلاحية ، بل من المتوقع حدوث تغييرات حتى لو جاءت حكومة تنتمي للتيار المحافظ.
وهناك تيار أو جيل ثالث بدأ بالظهور والزحف جمايريا وهو حاليا يوطد شعبيته وسط الإيرانيين، ومن أبرز ما يتميز به هذا التيار انه يرفض التيارين المحافظ والاصلاحي ويعتقد أنهما لا ينفذان مبادئ الثورة الإيرانية، ومن أبرز وجوه هذا التيار سعيد محمد رئيس مركز خاتم الانبياء (ص)، الذراع الاقتصادي والصناعي لحرس الثورة الإسلامية في إيران.
لاشك أن الأمر يتوقف على الذين سيترشحون للانتخابات التي ستجرى في 28 حزيران القادم، كما أن الأمر لا يتوقف على من يترشح وإنما أيضا من تحرز أهليته للترشح.
الداخلية الإيرانية ستفتح باب الترشح للانتخابات بعد غد الخميس ويستمر الباب مفتوحا لخمسة أيام، وبغض النظر عن الذين سيترشحون للانتخابات وما إذا كان مجلس صيانة الدستور، الذي يتولى قضية تحديد أهلية كل مرشح لمن سيسمح بالترشح، فإننا لن نشهد في هذه الانتخابات ترشح شخص يمتلك كاريزما كالتي كان يمتلكها رئيسي مما يعقد التكهن بنتائج هذه الانتخابات.
*باحث في الشأن السياسي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

شكرا جوارديولا !

رشيد بورقبة* أثار موقف المدرب الإسباني غوارديولا اعجاب العالم أمس بمدينة برشلونة وهو يدافع بشراسة …