د. رجب السقيري*
اعتدنا على مر السنين خلال الحرب الباردة ، أن نسمع من المسؤولين في أمريكا والغرب ، وكذلك من الصحافة والإعلام الغربي ، كلاماً جميلاً رقيقاً منمقاً معسولاً وترانيم عن الديمقراطية وحقوق الإنسان قد لا تصدر إلا عن دولٍ تلعب دور الأبٍ الحنون او الأمٍ الرؤوم ، وكان الكلام فيه الشيء الكثير من البراءة والتجرد مما يشي “بنقاء السريرة” و”صفاء الطوية” ، إضافة إلى ما فيه من الوعظ والإرشاد وأسس الأخلاق الحميدة والتمجيد بحقوق الإنسان ، لا سيما الإنسان المقموع المهضومة حقوقه في وطنه وعلى أرضه ، مهما كان عرق ذلك الإنسان وأياً كان دينه ومعتقده ، بل وأحياناً ، وفي حالات استثنائية ، مهما كان عرق ودين ومعتقد الدولة التي تظلمه أو تحتل أرضه وتصادر أملاكه وحقوقه ، اللهم إلا إذا كانت تلك الدولة حليفةً مقربةً للغرب الأمريكي الأوروبي ، أو كان للغرب فيها مصالح حيوية ، ففي هذه الحالة تعفى من المساءلة ويتم التغاضي عن هضمها لحقوق الإنسان وعن استمرارها في الاحتلال ، بل ربما يلجأ الغرب “العادل المنصف” إلى إيجاد مبرر لما تقوم به الحكومة الحليفة وما تقترفه من كبتٍ للحريات وهضمٍ للحقوق وتشديدٍ للرقابة على الصحافة ومصادرةٍ للحقوق الأساسية وقمعٍ للشعوب المغلوبة على أمرها .
طبعاً كانت الدول الاستعمارية العريقة وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا ، وبعدهما وفوقهما الولايات المتحدة ، تجيد التغني بحرية الرأي وحرية الصحافة والإشادة بالديمقراطية وما فيها من مزايا الإنصاف والعدالة وتكافؤ الفرص وحق تقرير المصير ، إضافة إلى ما تصف تلك الدول به نفسها من “فردوس” تهفو إليه قلوب المتهافتين على الهجرة إليها ، والطامحين بأن ينهلوا من حضارتها ويشبعوا نهمهم من حرية الكلمة والصحافة الحرة العادلة المنصفة والديمقراطية والحياة الكريمة التي بها تتميز وتسمو على ما عهدوه في بلادهم .
القطب الأوحد
فما الذي حدث بعد انتهاء الحرب الباردة وزوال حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفيتي ، الخصم اللدود والمنافس الأكبر سابقاً للغرب الأمريكي الأوروبي ، وبعد أن خلت الساحة الدولية للقطب الأمريكي الأوحد وحلفائه الغربيين الكبار وبالذات بريطانيا وفرنسا وألمانيا وحلفاء آخرين من داخل وخارج القارة الأوروبية العجوز ؟
لا نقول ذلك بأي حالٍ من الأحوال للإشادة بالقطب الآخر ، أقصد الاتحاد السوفيتي ، وتبيان مزاياه وإخفاء عيوبه بعد أن هُزم وتفكك في مستهل تسعينات القرن الماضي عندما كان على رأس المعسكر الاشتراكي الذي كان يتزعمه والمتمثل بدول أوروبا الشرقية وبعض الدول النامية من العالم الثالث التي كانت قد انضوت لعقود تحت مظلة موسكو ومعسكرها الإشتراكي وبدرجات متفاوتة. بل إنه لو انقلبت الصورة وتفكك المعسكر الرأسمالي بزعامة واشنطن في نهاية الحرب الباردة وبقي المعسكر الإشتراكي مهيمناً على النظام العالمي فلربما آلت الأمور إلى ما لا تحمد عقباه أيضاً ولوصلنا إلى النتيجة ذاتها إن لم يكن إلى أسوأ منها .
خلو ساحة النظام الدولي من شريكٍ أو شركاء آخرين وخضوعها لدولة كبرى واحدة أو معسكرٍ واحد يتحكم بذلك النظام ويسيطر عليه ويحقق مطامعه ومطامع حلفائه على حساب الدول النامية سواءً كانت فقيرة أو غنية بمواردها الطبيعية ولكن محدودة بقدراتها العسكرية وسطوتها السياسية وقدراتها الاقتصادية والصناعية والإعلامية والدبلوماسية هو ما وصلنا إليه من حالة تتسم بتنمر وتجبر وهيمنة ، بل وبلطجة ، يقوم بها القطب الأوحد وحلفاؤه .
الحرب على العراق وأفغانستان
لم يطل انتظار العالم كثيراً بعد انتهاء الحرب الباردة كي يرى ويعاني ويتألم من هذه البلطجة والهيمنة ، فقد رأيناها في حربين شنتهما واشنطن ضد العراق في بداية التسعينات وفي مستهل الألفية الثانية أسفرتا عن استشهاد أكثر من مليون عراقي ، كما رأيناها في أفغانستان وأدت خلال عشرين عاماً من احتدامها إلى استشهاد ربع مليون أفغاني ، كما تكبدت الولايات المتحدة وحلفاؤها فيها آلاف القتلى من الجنود وخسرت أكثر من تريليوني دولار قبل أن تعود القوات الأمريكية من أفغانستان مهزومةً تجر أذيال الخيبة .
الربيع العربي
بعد عشر سنوات من تورطها في أفغانستان ، أي إبتداءً من عام 2011 ، أقحمت الولايات المتحدة نفسها وحلفاءها في حلف الناتو في ما سمي بالربيع العربي في عددٍ من الدول العربية ودعمت واشنطن الثورات لإسقاط الأنظمة القائمة متخليةً عن بعض أنظمة حلفائها السابقين في تلك الدول وعندما رأت أن الأنظمة الجديدة لا تروق لها قامت بدعم وتمويل الثورات المضادة على غير ما تريد الشعوب مما أسفر عن فشل الثورات الشعبية في تحقيق أهدافها وإرساء الديمقراطية ومباديء حقوق الإنسان التي تطلعت إليها الشعوب العربية .
حرب أوكرانيا
لم تلبث واشنطن بعد هزيمتها في أفغانستان أن فتحت جبهةً أخرى في أوكرانيا ضد خصمها اللدود روسيا رداً على اقتحام الأخيرة لتلك الدولة واحتلال إقليمين من أقاليمها رداً على محاولة الغرب ضم أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) مع علمهم بأن روسيا تعتبر ذلك تهديداً لأمنها القومي وأن أوكرانيا جزءٌ من حديقتها الخلفية . ما زالت الحرب محتدمة بطريقة حرب بالوكالة إذ مولت واشنطن وحلفاؤها ومازالت تمول أوكرانيا بأسلحة حديثة وسمحت لها باستخدام صواريخ طويلة المدى لضرب العمق الروسي . ما زالت الحرب مستعرة بشكلٍ لا هوادة فيه ولا يبدو أن لها نهاية قريبة .
الحرب على غزة
أخيراً وليس آخراً يقوم القطب الأمريكي الأوحد منذ السابع من أكتوبر الماضي بتقديم دعمٍ غير محدود وغير مسبوق لإسرائيل يتضمن أحدث الأسلحة والعتاد وبكميات هائلة وقنابل تزن الواحدة أكثر من طن وذلك على أساس أن إسرائيل تشن حرباً “للدفاع عن نفسها” ضد المقاومة الفلسطينية وضد شعب أعزل ومحاصر منذ سبعة عشر عاماً مرتكبةً بذلك أبشع المجازر التي راح ضحيتها حتى الآن أكثر من 38 ألف شهيد وعشرات آلاف الجرحى أكثر من نصفهم من النساء والأطفال إضافة إلى هدم البيوت والمجمعات السكنية وقصف المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس ورياض الأطفال والجامعات وتدمير كل المرافق الحيوية وكل مقومات الحياة وقطع المياه والكهرباء والإنترنت عن السكان المدنيين بالإضافة إلى تهجيرهم عدة مرات من شمال ووسط القطاع إلى جنوبه جيئةً وذهاباً ومحاولة تهجيرهم إلى خارج القطاع .
إضافة إلى الأسلحة والعتاد تقدم أمريكا لحليفتها إسرائيل الدعم الاستخباري واللوجستي والرقابة الجوية والحماية الدبلوماسية في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى بما فيها محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية حتى أصبحت قرارات هذه المنظمات الدولية حبراً على ورق وفقد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية بل وشعوب العالم الثقة بالقوانين والشرائع الدولية بعد أن شاهد كيف يقوم القطب الأمريكي الأوحد بتدمير مصداقية النظام الدولي إضافةً إلى ممارسته ، أي القطب الأوحد ، لازدواجية المعايير بشكل سافرٍ وبدون حسيبٍ ولا رقيب ، إذ عندما يتعلق الأمر بالحرب الروسية على أوكرانيا مثلاً تقوم الولايات المتحدة بدعم القرارات التي تدين العدوان وتفرض العقوبات على المعتدي ، بينما تقوم باستخدام حق النقض في مجلس الأمن والضغوط على الدول الأعضاء في الجمعية العامة لمنع صدور أي قرارٍ يدين حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على غزة ومنع صدور أية قرارات تتضمن عقوبات يمكن أن تفرض على تل أبيب عندما ترفض الأخيرة تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ، كما تعرقل واشنطن اعتماد أي قرار يمنح فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة بحجةٍ واهية أن ذلك يجب أن يتم عبر المفاوضات الثنائية بين الجانبين دون الالتفات إلى الفوارق التي تعطي الجانب الإسرائيلي القدرة على فرض شروطه بسبب ما يتمتع به من تفوق قوته المسلحة والأهم من ذلك الدعم غير المحدود من الحليفة الكبرى ، القطب الأوحد في النظام العالمي .
خلاصة القول أن المياه لن تعود إلى مجاريها في النظام العالمي الحالي ولن تعود الثقة إلى النظام الدولي وقوانين الشرعية الدولية إلا بنهاية حقبة النظام أحادي القطبية الذي تتحكم به قوةٌ عظمى منفردةً بطرقٍ وأساليب لا تخلو من التنمر والبلطجة وتقديم مصلحتها ومصالح حلفائها على حساب الدول الأخرى إلا بإعادة تشكيل هذا النظام ليشمل قوةً أو قوىً أخرى عظمى تعيد إليه توازنه ليصبح ثنائي القطبية أو متعدد الأقطاب ، وما قيام واشنطن بتوريط روسيا في أوكرانيا وشيطنتها وتوريط الصين في مشاكل لا حصر لها في الشرق الأقصى وأهمها مشكلة تايوان المدعومة غربياً إلا بهدف بقاء الولايات المتحدة متربعةً وحدها على عرش النظام الدولي أحادي القطبية . والله من وراء القصد .
*كاتب وسفير سابق لدى الأمم المتحدة / جنيف
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر