السبت , مارس 21 2026
الرئيسية / اراء / إيران ورئاسة بزشكيان!

إيران ورئاسة بزشكيان!

فاطمة الصياحي*
منذ بداية التنافس السياسي في إيران على الإنتخابات الرئاسية وحتى فوز مسعود بزشكيان، حاول مراقبو التطورات التوصل إلى إطار تحليلي مناسب حول نهج السياسة الخارجية لطهران في السنوات الأربع المقبلة. لكن لم تكن أي من التحليلات والنماذج المقدمة تقريبًا مفصلة وعميقة بشكل كافي؛ وأهم أسباب هذه القضية هو عدم وجود معرفة كافية لدى المحللين والمراقبين بشخصية مسعود بزشكيان وموقف الإصلاحيين في الداخل الإيراني. لقد تمت مقارنة بزشكيان بحسن روحاني منذ البداية، ومن هنا بدأ الخطأ.
لكن الرئيس الإيراني الحالي أعلن عدة مرات بأنه إصلاحي ملتزم بـ “مبادئ” الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وهذا الأختلاف بين بزشكيان وتقريبا” كل الإصلاحيين المرشحين للرئاسة هو الذي أدى إلى موافقة مجلس صيانة الدستور على ترشيحه للإنتخابات الرئاسية. ومع بدء المنافسات الإنتخابية وتقدمه في استطلاعات الرأي، أعلن العديد من المتابعين للتطورات أن بزشكيان، روحاني الثاني و سيسعي إلى حل التحديات مع الغرب، وستنسى إيران أهدافها الإقليمية. وقد أثار هذا الرأي قلقًا كبيراً وأثر حتى على حلفاء طهران الإقليميين.
وفي النهاية فاز بزشكيان بالإنتخابات ووفقاً لوعوده السابقة، تم تعيينه لدفع عدة قضايا مهمة في السياسة الخارجية الإيرانية بعد توليه منصبه. ولم تكن المفاوضات مع الولايات المتحدة والأتفاق النووي من أولوياته الوحيدة، حيث أوضح أنه سيضع العلاقات الجيدة مع جيرانه على رأس أهداف سياسته الإقليمية. على عكس رؤساء إيران السابقين، لم يكن بزشكيان من أفراد ذوي خلفية أستخباراتية أو أمنية؛ ولهذا السبب، عندما كان يتحدث عن منطقة غرب آسيا، لم يكن يعرف بالضبط ما هي التحديات المرتبطة بالنشاط فيها.
ad
منذ سنوات، كان يعتقد بزشكيان أنه من خلال عدم التدخل في الأحداث الإقليمية، يمكن لإيران الحفاظ على موقفها الحالي والتركيز على ملفات أخرى خارج المنطقة. لكن نتنياهو في بداية رئاسة بزشكيان وفي نفس حفل التنصيب، عرّفه على حقائق المنطقة ومنطق صراعات إيران. فقاموا بأغتيال إسماعيل هنية بعد مشاركته في حفل رسمي وفي بداية رئاسة الإصلاحيين في إيران، حتى يدرك الجميع أن إيران ليست جزءاً من التوترات؛ بل يجذب بشكل جبري إلى التوترات.
وأثناء انتصار بزشكيان، بث هذا الخوف الكبير في وسائل الإعلام من أن إيران ستتخلى عن “محور المقاومة” وستنسى قضية فلسطين. لكن الرئيس الإيراني الجديد لم يكن في مزاج جيد بعد أيام قليلة من اغتيال الشهيد هنية، وكان يذكر زعيم حماس الراحل بنهاية الحزن والتأسي. بعد ذلك، أقيمت العديد من مراسم التأبين والحداد في طهران من أجل التعرف بشكل أفضل على آراء السيد بزشكيان ونهجه تجاه التطورات في المنطقة.
لذلك أكد الرئيس الأيراني في عدة خطابات أن التقارب الإقليمي ووحدة الدول الإسلامية هو أفضل طريق لدعم فلسطين.
وفي خطوة إلى الأمام ومثل رؤساء إيران الآخرين، أختار العراق كوجهة أولى لرحلاته الخارجية ليظهر أن جيران إيران هم الأولوية دائما”. وكسياسي ليس لديه أي خبرة سابقة في مجال الأمن الإقليمي والتواجد في العراق، دخل السيد بزشكيان إلى بغداد ومعه العديد من مشاريع البناء واتفاقيات التعاون. حتى أنه زار زعماء إقليم كردستان العراق وأجرى معهم محادثات أمنية. وحتى البصرة كانت مهمة بالنسبة له باعتبارها مدينة حدودية قريبة من إيران، وأراد تسريع العملية التشغيلية للعديد من المشاريع المشتركة من خلال زيارتها.. الزيارات المعروفة في العرف السياسي. بالإضافة إلى ذلك، فإن العديد من الإيرانيين والعراقيين الذين يعيشون في المناطق الحدودية لديهم علاقات إقتصادية وحتى عائلية، ويعتبر إعطاء الأهمية لنمط الحياة هذا لسكان الحدود أحد واجبات الحكومتين في بغداد وطهران.
تعود سياسة “التقارب الإقليمي” في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية الممتد إلى أربعين عاماً إلى عهد الرئيس السابق الراحل رفسنجاني؛ وكانت طهران خلال سنوات رئاسته، تتمتع بأفضل العلاقات مع العواصم العربية. والآن، إذا اعتبرنا هذه السياسة هي إرث رفسنجاني للإصلاحيين، فسنجد أنها أفضل فرصة للدول العربية لممارسة السلام والتقارب مرة أخرى بدلاً من الدعاية السلبية ضد إيران في وسائل إعلامها. ونعلم جميعاً أن استئناف العلاقات بين الرياض وطهران في مارس/آذار 2023 كان بمثابة نوع من السلام السلبي لوقف الصراعات في اليمن وعدة ملفات أخرى؛ بينما منطقتنا الآن بحاجة إلى السلام الإيجابي لمنع الحروب والتوجه إلى التعاون. رئاسة شخص نزيه ومعتدل مثل مسعود بزشكيان في إيران هي فرصة سياسية كبيرة للمنطقة حتى يمكن تصحيح خلافات الماضي والسعي لتحقيق أهداف أكبر.

*إعلاميةايرانية وخبیرة العلاقات الدولية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

متى يفيق“مخمور” البيت الأبيض؟

  محمد أحمد سهيل المعشني* ​لم يعد الصمت “حكمة”، ولم يعد التريث “دبلوماسية” في يومٍ …