خالد شحام*
اذا كان هنالك من تعبير واحد يمكنني اسقاطه أمام ناظريكم لما جرى في الأمس داخل غزة فهو الذهول! ربما الذهول الممزوج بفرحةٍ سريةٍ واعادة تقييم حسابات كثيرة لم تكن في البال، ما جرى في غزة بالأمس ومع أولى ساعات الهدنة وانفتاح كاميرات الصحافيين ووكالات الانباء وكسر حاجز التعتيم كان يحمل رسالة واحدة لبني صهيون بمطلق جنسياتهم: موتوا بغيظكم! لا يمكنني ان أخفي دهشتي المطلقة مع الكاميرا التي صحبتني وصحبتكم في رحلة في مدينة العجائب المعاصرة.
من أين خرج هؤلاء؟
بمجرد اعلان وقف اطلاق النار، لم تمض سوى دقائق حتى فوجئنا جميعا بالعدد الهائل من رجال الدفاع المدني والشرطة والمسؤوليين الرسميين من حكومة غزة الشرعية والذين كنا نحسبهم قد استشهدوا تحت وقع القصف والضربات التي لا تتوقف من البر والبحر والجو، لا يمكن تخيل مدى السرعة والانضباط والولاء المطلق للعمل، من أين جاء هؤلاء؟ أين أنت يا نتانياهو لتجيب عن هذا السؤال خاصة بعد تأكيد جنرالاتك بأنك قد (سحقت) حماس بكل مكوناتها؟ اكتمل المشهد المذهل بخروج قوات النخبة وتحول المكان الى غابة بنادق ومجموعات من المقاتلين المقدسين الذين يحملون البنادق في المكان الصحيح والزمان الصحيح، تحول الامر الى ما يشبه نكتة من العيار الثقيل عندما تم تسليم الاسرى الثلاثة من وسط مدينة غزة التي تم إعلانها مدينة تائبة محررة من (الإرهابيين)؟ ماذا كان يفعل جيش الرب في غزة طيلة هذه الشهور وبعد كل هذه الدمار يا غالانت؟ ما نوع القوات التي تريدون احضارها لادارة غزة؟ هل تمزحون يا جماعة؟ أجزم بأن المجرم المدان نتانياهو وعصابته وكل فريق الصهاينة وجماعة اوسلو كانوا يجلسون اما الشاشات وأفواههم فاغرة على آخرها وأبصارهم واجمة ، الصاعقة الأكبر كانت شهادة التخرج لكل أسير !
وأتمنى لو أرى وجه المجرم حين سمع هذا الخبر!
جثة الاستكبار الفولاذية، هل يمكن أن تنقلب قوانين الطبيعة؟
اقتربت الكاميرا في احد شوارع المدينة الاسطورية المسماة جباليا حيث تتمدد جثة فولاذية لدبابة اسرائيلية -أمريكية ملقاةٌ بذُلٍ وحسرةٍ وهي تفرش اذرعها المرعبة ، جثةٌ تزن أطنانا من الفولاذ بطول خمسة امتار أو اكثر ملقاةٌ مثل عملاقٍ جبار هوى صريعا بلا رحمة ، إنه منظرٌ مهيب رهيب ، كيف تمكن ابن غزة المحاصر والمقتول بكل سبل الفتك من هذه الكتلة المخيفة ؟ كيف أمكن تحطيم هذه الدبابة المرعبة هنا ، وتلك هناك والثالثة على بعد عشرات الأمتار ؟ من الذي صنع هذه المقبرة الخاصة بالدبابات ؟ إنها معجزة ابناء غزة المؤمنين الذين صمدوا أمام اعتى قوة عرفتها الأرض ، لا شك أن ما جرى في غزة يحتاج دراسة مستفيضة لرصدها في علوم القتال وعلوم الانسانيات والطاقة البشرية ، كيف يمكن لإنسان من لحم ودم ان يمزق الفولاذ ؟ ألا نحتاج معجزة لذلك ؟ من يرى جثث الدبابات الملقاة مثل الزبالة في شوارع جباليا يدرك أن معركة تاريخية وقعت هنا ، ومن يدرك واقع جباليا وقدرات هذا العدو يؤمن بأن قوانين الطبيعة يمكن أن تنقلب بإرداة حكيم عليم لا يغيب عنه شيء لا في الارض ولا السماء ، إنها قوانين الله التي تحل عندما يكون الإيمان !
وجهك الخالـد يا ابن غزة !
وسط مشاهد من الدمار الفادح الذي لا يمكن تصوره الا في عقلية مريضة يمكن التيقن بأن الكيان الصهيوني فقد عقله تماما أو أن شخصا فاقدا لعقله يسوق هؤلاء الوحوش ليفعلوا بالأرض والإنسان والشجر والحجر ما تلقطه الكاميرات ، هذا هو الشاهد الكبير على الانهيار الاخلاقي للحكاية التوراتية المزيفة ولكل حكاية الغزاة والسقوط الاخلاقي النهائي لمملكة التلمود المجرمة .
يطل علينا أنس الشريف مراسل الجزيرة بصوته ووجهه وتعابيره الخاصة بأبناء غزة ، يمكن لأي منكم أن يتذوق معالم هذه الشخصيات وكأنها المسك أو الشذى داخل الروح بمزيج من الطهر والنقاء ، في زاوية أخرى تلتقط الكاميرا عجوزا يركب طرف عربة خشبية ووجهه الأشعث الأغبر ينطق بالنور ، يبكي الرجل وهو يحتفي بحفنة من تراب رفح ويعفرها في فمه ووجه وهو يصيح : هذه رفح ، هذه رفح التي لا مثلها شيء ! ، هل يصدق أحدكم بان أبناء غزة يركضون ويزحفون إلى بيوتهم المدمرة وكأنهم ذاهبون إلى القصور والجنان ؟ يا الهي ما هذا الشعب ؟
أنت حي ايها السنوار
في صخب الحياة التي دبت في عروق غزة تكاد ترى في كل وجهٍ فلسطيني ملامحَ السنوار او اسماعيل هنية بوجهه المشرق ، تكاد ترى صالح العاروري ببسمته الخالدة ، هذه الأسماء لوحدها تمثل مضادا حيويا لبني اسرائيل ، يكفي أن يتم ذكرها لكي يتعكر مزاج المجرمين من قادة الكيان طيلة النهار ويرتفع ضغط دمائهم الخليطة ، أنت في غزة يا يحيى ولم تغادرها أبدا وتحوم فوق هؤلاء المقاتلين الأشداء وبسمتك تملأ سماء المدينة راضيا مرضيا ! كل غزة تحولت إلى نسخ منك ومن اسماعيل وصالح وباقي الشهداء الذين صاروا منارات دائمة الإشعاع في سماء هذا العالم .
اليمن في كل مرة وكل مرة
كما يقول أستاذنا عبد الباري ، اليمن وما أدراك ما اليمن ! هل من حبٍ أكبر كي نمنحنه لشعب اليمن وقيادته وأرضه المقدسة ؟ هل من حارس لنا إلا أنت أيها اليمن العظيم ؟ هل من بطولة ورجولة وشهامة وكرامة أكثر من أن يطل علينا يحيى السريع ليطلب السماح بالقصف إذا تجاوز الخنازير حدود الاتفاقية ؟ لله دَرّكم يا شعب اليمن ، لقد أنقذتم العرب من الانقراض والعار التاريخي !
مدينة الرسل أو الملائكة
مساء الأمس وفي اتصال هاتفي وبصوت يشوبه البكاء والتسليم تتصل سيدة مصرية بالمذيع أحمد سمير بكل عفوية وبراءة أثناء تقديم برنامجه : ( أنا عندي ولدين ، تعرف توصلهم غزة ؟!
نفسي يتربوا زي دول ، انا كنت حاسة إني اُم صالحة لحد ما شفت أمهات غزة عرفت أنني مش ام ولا أنا نافعة ، هم دول الآمهات وهم دول الرجالة ! الأرض دي مباركة ! يا رب تحل بركتها على كل المسلمين يارب ! )
لا نعلم ماذ تخبئين يا مدينة المعجزات ، يا مدينة الرسل التي ستهدي كل القلوب ، أرسلي كتبك إلى مشركي قريش في الشمال والجنوب والشرق والغرب لعلهم يعقلون ، لا نعلم ماذا ستصنعين بهذا العالم ، لكننا كلنا معلقون بك وبهذا الشعب الذي يقود العرب إلى الخلاص والحرية والمجد .
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر