د. محمد حسن سعد*
تُعدّ العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران من أكثر العلاقات تعقيداً في الساحة الدولية، حيث شهدت تقلبات حادة على مدى العقود الماضية، فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979 وما تبعها من أزمة الرهائن، مروراً بالعقوبات الإقتصادية وخطة العمل الشاملة المشتركة او ما بات يعرف بالاتفاق النووي لعام 2015، وصولاً إلى إنسحاب الولايات المتحدة من الإتفاق عام 2018 في عهد الرئيس دونالد ترامب، وظلت هذه العلاقة تتأرجح بين المواجهة الدبلوماسية والضغوط الإقتصادية وحتى التهديدات العسكرية. في هذا السياق، برزت أنباء عن تكليف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مبعوثه إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف بمتابعة ملف إيران، هذه الخطوة تثير تساؤلات حول مدى فاعلية النهج الأمريكي في التعامل مع إيران، خاصة مع المزج بين الدبلوماسية والعقوبات كأداتين أساسيتين في السياسة الأمريكية.
أولاً ـــ أبعاد تعيين مبعوث خاص لإيران ـــ بين التصعيد والتهدئة
يعد تعيين مبعوث خاص لإيران خطوة ذات دلالات إستراتيجية تعكس رغبة الإدارة الأمريكية في الجمع بين الدبلوماسية والضغوط الإقتصادية والسياسية في التعامل مع الملف الإيراني، ورغم أن هذا التحرك قد يبدو للوهلة الأولى بمثابة تحول نحو مسار أكثر مرونة، إلا أن الواقع يشير إلى أنه يأتي ضمن إستراتيجية مزدوجة تعتمد على منح إيران فرصة للحوار، مع استمرار الضغوط القصوى لإجبارها على تقديم تنازلات.
ثانياً ـــ اختبار الدبلوماسية كأداة لتحقيق الأهداف الأمريكية
يعكس اتجاه الإدارة الأمريكية لتكليف ويتكوف بهذا الملف إقراراً بإمكانية تحقيق نتائج إيجابية عبر الدبلوماسية، حتى مع خصم معقد مثل إيران، فمنذ إنسحاب ترامب من الإتفاق النووي في 2018، تبنت واشنطن سياسة العقوبات القصوى، لكنها لم تؤدِ إلى تغيير جذري في سلوك إيران، وبالتالي، يبدو أن الإدارة الأمريكية تسعى لاختبار إمكانية تحقيق نتائج مختلفة عبر فتح قنوات اتصال مباشرة أو غير مباشرة مع طهران.
ثالثاً ـــ الدبلوماسية المقيدة بالضغوط الإقتصادية والسياسية
أن تعيين ويتكوف مبعوثاً خاصاً لإيران يوحي باللجوء إلى الدبلوماسية، إلا أن التحليل العميق للسياسة الأمريكية يشير إلى استمرار استخدام العقوبات الإقتصادية والسياسية كوسيلة ضغط، فمن المتوقع أن تواصل إدارة ترامب فرض عقوبات جديدة على إيران في محاولة لتعزيز موقفها التفاوضي، ما يعني أن أي انفتاح دبلوماسي سيكون محكوماً بشروط صارمة.
رابعاً ـــ الإستغلال الأمريكي للعداء الإسرائيلي لإيران:
تلعب الدول الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة دوراً محورياً في التعامل مع الملف الإيراني، خاصة “إسرائيل” التي تعارض بشدة برنامج إيران النووي وتسعى باستمرار للضغط على واشنطن لإتخاذ إجراءات حاسمة لوقفه، ويمكن لويتكوف الإستفادة من هذه العلاقات لتعزيز موقف الولايات المتحدة في أي مفاوضات مع طهران، كما أن نجاحه في بناء توافق إقليمي حول المعضلة الإيرانية قد يسهم في إحراز تقدم في معالجة ملفيها النووي والصاروخي.
خامساً ــــ تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة وتأثيره على السياسة الأمريكية
شهدت السنوات الأخيرة تراجعاً كبيراً في النفوذ الإقليمي الإيراني نتيجة عدة عوامل:
1 ـــ سقوط النظام السوري: فقدت إيران واحداً من أهم حلفائها الإستراتيجيين في المنطقة بعد سقوط النظام السوري الذي كان يرأسه بشار الأسد، مما أضعف قدرتها على التأثير في المشهد السوري وتقليص نفوذها العسكري هناك.
2 ـــ إضعاف حزب الله: لعبت الحرب الإسرائيلية الاخيرة على لبنان دوراً كبيراً في اضعاف حزب الله، وظهر ذلك من خلال إغتيال عدد كبير من قيادات الحزب وفي طليعتهم الأمين العام السيد حسن نصرالله، واستهداف البنى التحتية العسكرية والمدنية للحزب في العديد من المناطق سيما في البيئة الحاضنة له، وهذا ما أدى الى تراجع دوره في لبنان والإقليم، وانعكاس ذلك سلباً على الحضور الإيراني في المنطقة.
3 ـــ تدمير غزة وتأثيره على حلفاء إيران: ساهمت الحرب العدوانية الإسرائيلية على قطاع غزة في إضعاف الفصائل المدعومة من إيران، مما أدى إلى تراجع قدرة طهران على التأثير ضد خصومها، وتحديداً الولايات المتحدة الامريكية، هذا التراجع في النفوذ الإيراني يُضعف موقف طهران التفاوضي ويعطي الولايات المتحدة وحلفاءها مساحة أكبر لفرض شروط أكثر صرامة في أي مفاوضات مستقبلية.
سادساً ــــ عجز الدور الأوروبي أمام السياسة الأمريكية تجاه إيران
رغم المحاولات الأوروبية للحفاظ على الإتفاق النووي مع إيران بعد إنسحاب الولايات المتحدة، إلا أن الأحداث أثبتت أن أوروبا عاجزة عن إتخاذ موقف مستقل عن واشنطن، وتعود أسباب هذا العجز إلى:
1 ـــ الخشية من سيف العقوبات الأمريكية: تخشى الدول الأوروبية من فرض عقوبات أمريكية على شركاتها في حال تعاونها مع إيران، وهذا ما جرى بعد الإنسحاب الامريكي من الإتفاق النووي عام 2018، إذ استجابت الشركات الأوروبية للتهديدات الأمريكية وسحبت إستثماراتها من إيران مخالفة رغبات وتوجهات حكوماتها بالبقاء في إيران وعدم الإذعان للضغوط الأمريكية.
2 ـــ ضعف القدرة على فرض سياسات مستقلة: وظهر ذلك في الكثير من المحطات بعد الإنسحاب الأمريكي من الإتفاق النووي الإيراني، فالتجربة الأوروبية في معاندة ومواجهة السياسات الأمريكية غالباً ما أصيبت بالفشل وأبرز مثال على ذلك آلية “إينستكس” المالية الأوروبية لتجاوز العقوبات الأمريكية، إذ لم تحقق أوروبا نجاحاً يُذكر في تخفيف الضغوط على إيران، وهذا ما عد إنتكاسة جديدة لأوروبا التي لم يتجرأ أحد من دولها حتى اليوم على المخاطرة بمواجهة الولايات المتحدة.
3 ـــ التحالف العسكري والأمني مع واشنطن: تتماشى المصالح الأمنية الأوروبية مع النهج الأمريكي، خاصة فيما يتعلق باحتواء النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط وفق ما تراه وتحدده واشنطن، بل أكثر من ذلك يظهر حجم الارتهان الأوروبي للقدرات العسكرية الأمريكية من خلال حلف شمال الأطلسي الذي تدير دفته الولايات المتحدة، كما وللقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في أنحاء عدة من القارة الأوروبية.
وعليه، فإن أي جهد أوروبي لمحاولة إنقاذ الإتفاق النووي أو تقديم حلول دبلوماسية وظل ويظل محدود التأثير مقارنة بالنهج الأمريكي الصارم.
سابعاً ـــ دور روسيا والصين – مقاربة الإبتزاز للغرب
تلعب روسيا والصين دوراً بارزاً في العلاقة مع إيران، لكن هذا الدور لا يقوم على دعم غير مشروط، بل يُستخدم كورقة لابتزاز الغرب:
1 ـــ روسيا – توظيف إيران كورقة ضغط: تلعب روسيا دوراً متوازناً بين دعم إيران من جهة، واستخدام علاقتها معها كورقة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية في الملفات الدولية من جهة أخرى، فالعلاقة الروسية-الإيرانية ليست تحالفاً إستراتيجياً متيناً على الرغم من توقيع الإتفاقية الإستراتيجية بين الدولتين، با هي اقرب إلى شراكة براغماتية تخدم المصالح الروسية في المقام الأول، ففي بعض المراحل، دعمت موسكو طهران في مفاوضاتها النووية مع الغرب، لكنها في مراحل أخرى لعبت دوراً وسيطاً أو حتى مارست ضغوطاً غير مباشرة من خلال تأخير تنفيذ بعض الإتفاقيات أو تعديل مواقفها تبعاً لمصالحها مع الولايات المتحدة وأوروبا.
2 ـــ الصين – الإستفادة الإقتصادية من عزلة إيران: تتبنى الصين نهجاً مختلفاً عن روسيا في تعاملها مع إيران، حيث تركز على الإستفادة الإقتصادية أكثر من الدخول في تحالف سياسي أو عسكري عميق، وتتجلى هذه الإستراتيجية في عدة جوانب:
أ ـــ شراء النفط بأسعار مخفضة: تستغل بكين العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران لشراء النفط الإيراني بأسعار أقل من السوق، مما يمنحها ميزة إقتصادية ويساعدها في تقليل اعتمادها على مصادر الطاقة الأخرى.
ب ـــ الإستثمارات في البنية التحتية والإقتصاد الإيراني: ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، قامت الصين بتوقيع إتفاقيات إستثمارية مع إيران، تشمل تطوير الموانئ والبنية التحتية، ما يعزز نفوذها الإقتصادي في المنطقة، لكن هذه الإستثمارات تتم بحذر، حيث تسعى الصين لعدم إثارة مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
ج ـــ التوازن مع الغرب: رغم استفادتها من العلاقة مع إيران، فإن الصين تحافظ على قنوات تواصل قوية مع الغرب، وتتفادى إتخاذ مواقف حادة بشأن الملف النووي الإيراني، مما يثبت أن دعمها لطهران يخضع لحسابات إقتصادية وجيوسياسية دقيقة.
يتضح من هذه المعطيات أن إيران ليست شريكاً متكافئاً لروسيا والصين، بل هي أقرب إلى أداة تُستخدم لتعزيز نفوذ القوتين في مواجهة الغرب، فبينما تقدم طهران بعض المكاسب العسكرية لموسكو وبعض الفوائد الإقتصادية لبكين، فإنها لا تحصل على دعم سياسي أو إستراتيجي كامل من أي منهما، وهذا يضعها في موقف ضعيف يجعلها مضطرة للتكيف مع مصالح الآخرين بدلاً من فرض أجندتها الخاصة.
ثامناً ـــ السيناريوهات المستقبلية للسياسة الأمريكية تجاه إيران
في ضوء هذه المعطيات، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران:
1 ـــ سيناريو إستمرار الضغوط القصوى مع فتح قنوات دبلوماسية محدودة
يُرجح أن تواصل إدارة ترامب نهجها في فرض العقوبات، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام مفاوضات مشروطة بقبول إيران تقديم تنازلات.
2 ــــ سيناريو التوصل إلى إتفاق مؤقت
قد تسفر الجهود الدبلوماسية عن إتفاق مؤقت يشمل تجميد بعض الأنشطة النووية الإيرانية مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، لكنه لن يكون إتفاقاً شاملاً ونهائياً.
3 ـــ سيناريو العودة إلى التصعيد والمواجهة
في حال فشل الدبلوماسية واستمرار إيران في تحدي الضغوط الأمريكية، قد تلجأ واشنطن إلى خيارات أكثر تصعيداً، بما في ذلك فرض عقوبات أكثر شدة أو حتى دراسة خيارات عسكرية محدودة تجر طهران لمفاوضات بشروط صعبة وقاسية.
في الختام، تعكس التحركات الأخيرة لإدارة ترامب تجاه إيران استمراراً لنهج يجمع بين الدبلوماسية والعقوبات، لكن نجاح هذه الإستراتيجية سيظل مرهوناً بعوامل متعددة، أبرزها مدى استعداد إيران للتفاوض، ودور القوى الدولية الأخرى، والتطورات الإقليمية في الشرق الأوسط، وبينما تسعى واشنطن إلى فرض شروطها على طهران، يبقى التساؤل الأهم: هل ستنجح هذه الضغوط في تغيير السلوك الإيراني، أم أنها ستؤدي إلى مزيد من التعقيد والتصعيد في المشهد الإقليمي؟
*رئيس معهد وورلد فيو للعلاقات الدولية والدبلوماسية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر