الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / ضرورات ما بعد الاعتراف بالدولة الفلسطينية!

ضرورات ما بعد الاعتراف بالدولة الفلسطينية!

د. هاني الروسان*
في ظل التحولات السياسية المتسارعة على مستوى تفاعلات دول قمة قوى النظام الدولي، وبعد نحو ما شارف على العامين من حرب الابادة الجماعية التي تشنها اسرائيل على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة واكثر من سبعين عاما من سياسات العزل والتمييز العنصري ضد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وفي الداخل الفلسطيني، تعرب مزيد من الدول عن نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما يُمثّل- رغم هذا الاهمال الطويل للحق الفلسطيني- من حيث المبدأ خطوة بالغة الأهمية على صعيد دلالتها السياسية والقانونية. فمثل هذا التوجّه يعكس اتساعا في رقعة الوعي الدولي بعدالة القضية الفلسطينية، وتزايد الإقرار العالمي بأن الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن أن يستمر بلا كلفة سياسية أو أخلاقية.
لكن في الوقت ذاته، لا بد من التذكير بأن مجرّد إعلان النية، مهما بلغت رمزيته، لا يكفي لتغير الواقع الفلسطيني في ظل احتلال يميني استئصالي وعنصري. فالاعتراف، حتى يكتسب وزنه القانوني والسياسي الكامل، يجب ألا يبقى حبيس البيانات الرسمية أو المناسبات الدبلوماسية. بل ينبغي أن يتحوّل إلى التزام فعلي، تُبنى عليه سياسات ومواقف ملموسة في مختلف المحافل الدولية، ويُترجم ضمن أدوات القانون الدولي، ووفقا لمعانيه واثاره الناجمة عن هذا الاعتراف.
ذلك أن الاعتراف بدولةٍ ما، وفقًا للقواعد المستقرة في القانون الدولي، ليس مجرّد موقف أخلاقي، بل هو تصرّف قانوني يحمل في طيّاته آثارًا ملزمة، تفرض على الدولة المُعتَرِفة احترام سيادة الدولة المعترف بها، وعدم التعامل مع أي جهة تحتلها باعتبارها صاحبة سلطة مشروعة. وبمعنى آخر، فإن الاعتراف بدولة فلسطين يجب أن يقترن بقطع التعامل مع الاحتلال كجهة صاحبة شرعية، خصوصًا في الأراضي المحتلة عام 1967، بما فيها القدس الشرقية.ولذلك، فإن الدول التي تعلن نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، مدعوة اليوم ليس فقط إلى الإفصاح عن موقفها، واعلان اعترافها بدولة فلسطين بل إلى البناء عليه، من خلال دعم انضمام فلسطين كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، وتعزيز حضورها في المنظمات الدولية، والمساهمة في تمكين مؤسساتها من ممارسة وظائفها دون عراقيل، فضلاً عن الوقوف بوضوح ضد سياسات الاستيطان والضم والتهجير.
ولا يقل أهمية عن ذلك، أن يُوظف هذا الاعتراف في تفعيل آليات المحاسبة الدولية، وفي مقدّمتها محكمة الجنايات الدولية، بما يعيد الاعتبار للحقوق الفلسطينية في مواجهة آلة الانتهاكات اليومية. فالمجتمع الدولي، حين يعترف بدولة، يصبح معنياً بحمايتها لا مجرّد تسجيل موقف رمزي إزاءها.
والأهم من كل ذلك، أن يُصاغ الاعتراف – منذ البداية – على أسس قانونية واضحة، بما يقطع الطريق على محاولات الالتفاف عليه أو تأويله وفق حسابات سياسية ضيقة. فاعترافٌ غير مقترن بالتزامات عملية قد يُفرغ من مضمونه ويُحوّل إلى ورقة دعائية، لا تغيّر شيئًا في واقع الاحتلال القائم.
من هنا، فإن الترحيب بالنوايا المعلنة لا يمنع من التحذير المشروع من ان الاعتراف بالدولة الفلسطينية، رغم قيمته الرمزية واهميته المعنوية، لا يجب أن يُختزل في إطار المجاملة الدبلوماسية أو التوازنات السياسية. بل يجب أن يكون جزءًا من مسار جاد، متعدد الأبعاد، يُفضي في نهاية المطاف إلى قيام الدولة الفلسطينية فعليًا، لا فقط على الورق، بل فوق الأرض، بحدود واضحة، وسيادة كاملة، وشعب حر.
وفي هذا السياق، فإن مسؤولية الدول العربية تتجاوز الترحيب أو الدعم الخطابي والدبلوماسي، إلى الدخول في شراكات فعلية مع السلطة الوطنية الفلسطينية وفك الحصار عنها وتقديم كل انواع الدعم لها وتمكين مؤسساتها الوطنية التي تعد نواة الدولة الفلسطينية من القيام بوظائفها السيادية كاملة لانهاء الاحتلال، كما على الدول العربية تفعيل أدوارها على المستويين السياسي والقانوني، والضغط باتجاه تحويل الاعترافات الدولية إلى واقع ملموس يحمي الشعب الفلسطيني ويمكنه من استكمال بناء دولته المستقلة. كما أن عليها أن تكون حاضرة وفاعلة، لا تابعة لتقلبات العواصم الغربية، وذلك بتعزيز وحدة الموقف العربي، وفرض ثقلها في المحافل الدولية، والدفع باتجاه وضع اسس فعلية لإنهاء الاحتلال، لا مجرد إدارة تداعياته.
*كاتب وأكاديمي تونسي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التدرّج اليمني في مسار المواجهة!

محمد محسن الجوهري* تُقدَّم المواجهة المقبلة بين اليمن والكيان الصهيوني بوصفها محطة فاصلة في مسار …