بقلم / عادل عبدالله حويس
في الرابع عشر من أكتوبر لا تشرق الشمس على اليمن فحسب بل تشرق من أعماق تاريخه حاملة عبق ذكرى لم تكتبها الأقلام وحدها بل سطرتها دماء الأبطال على صخور جبال ردفان.
إنها ثورة شعب أراد أن يكتب اسمه في سجل الأحرار.. فكانت ثورة 14 أكتوبر 1963م الشرارة التي أضرمت نار الحرية في وجه استعمار جاثم لمدة 129 عاماً لتمزق بسيف الإرادة حجاب الظلم وتعلن ميلاد فجر جديد.
لقد كانت الثورة ردة فعل على معاناة طويلة مع الاحتلال البريطاني الذي لم يكتف بتحويل عدن إلى قاعدة عسكرية واستراتيجية منذ عام 1839م بل عمل على تمزيق النسيج الاجتماعي عبر سياسة “فرق تسد” المدروسة مخلقاً عشرات الكيانات المتناثرة من السلطنات والإمارات والمشيخات ليبقي الجنوب اليمني ممزقاً وضعيفاً.
في هذا المناخ حيث طبخ الكفاح على نار هادئة، تأثر أبناء الجنوب بخطابات الزعيم جمال عبد الناصر وروح الثورة العربية فتشكلت حركات المقاومة وبدأت الإرهاصات الأولى للثورة تلوح في الأفق معلنة أن زمن الصمت قد ولى.
وانطلقت الشرارة الأولى من جبال ردفان الشماء.. بقيادة البطل راجح بن غالب لبوزة الذي استشهد مع مغيب شمس اليوم نفسه ليكون أول الشهداء في طريق الحرية الطويل. لم تكن رصاصة عابرة بل كانت إعلاناً بحرب تحرير شاملة قادتها بشكل أساسي جبهة التحرير القومية المدعومة من المصريين وجبهة تحرير جنوب اليمن المحتل حيث انتشرت العمليات الفدائية المسلحة كالنار في الهشيم وواجهت القوات البريطانية بعمليات بطولية قلبت موازين القوى.
ولم تكن الثورة مجرد حركة محلية بل كانت جزءاً من نضال أمة حيث تلاحمت مع ثورة 26 سبتمبر في الشمال لتؤكد على واحدية الأرض والمصير والهدف فكانت صنعاء حاضنة وداعمة لأبطال الجنوب كما كان الجنوب حصناً منيعاً يدافع عن الثورة الشقيقة.
ولم تكن معركة التحرير سهلة فقد واجهت القوات البريطانية الثورة بعنف شديد حيث شنت حملات عسكرية غاشمة استمرت لأشهر واتبعت سياسة “الأرض المحروقة” وقصفت القرى والسكان الآمنين بمختلف أنواع الأسلحة مما خلف كارثة إنسانية فظيعة. لكن إرادة الشعب كانت أقوى من كل الدبابات والطائرات فاستمر الكفاح المسلح أربع سنوات قدم خلالها الشعب اليمني آلاف الشهداء إلى أن أجبرت المقاومة الباسلة بريطانيا على الانسحاب وغادر آخر جندي بريطاني في 30 نوفمبر 1967 معلناً إسدال الستار على واحدة من أطول فترات الاستعمار في المنطقة ومعلناً قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
لقد كانت ثورة 14 أكتوبر مدرسة في معنى الوحدة الوطنية فبعد أن ورثت جنوباً ممزقاً إلى 23 كياناً مختلفاً استطاعت أن توحدها جميعاً تحت راية دولة واحدة مهدت الطريق لاحقاً لتحقيق الحلم الأكبر: الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990. إنها ذكرى تذكرنا بأن الحرية لا توهب بل تنتزع انتزاعاً وأن دم الشهداء هو الثمن الذي لا بد من دفعه مقابل الكرامة.
في كل عام.. ونحن نحتفل بذكرى أكتوبر فإننا لا نستحضر الماضي فحسب بل نستلهم منه الدروس للمستقبل.. ونجدد العهد على مواصلة النضال من أجل يمن موحد حر مستقل يحفظ لأبنائه كرامتهم وعيشاً كرياً. فتحية لأبطال أكتوبر.. والخلود لشهداء الحرية.
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر