الإثنين , مارس 16 2026
الرئيسية / اراء / تقويض ترامب لأمريكا من الداخل!

تقويض ترامب لأمريكا من الداخل!

 

د. حامد أبو العز*
في التحوّلات الكبرى التي يعبرها العالم بين زمنٍ وآخر، لا تكون السياسة مجرد حقل للقرارات ولا ميدانا للمواجهات، بل مرآة تُظهر اختلالا أعمق في بنية النظام الدولي نفسه. فهناك لحظات لا تتبدّل فيها المواقع، بل تتبدّل قواعد اللعب. وعبر هذه العدسة تحديدا يمكن قراءة ظاهرة دونالد ترامب ليس باعتبارها فترة رئاسية مثيرة للجدل، بل كعلامة على منعطف يتجاوز الرجل وإدارته إلى ما هو أبعد والمقصود هنا هو اهتزاز النموذج الأميركي الذي شكّل مركز الثقل للعالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
لم يكن وصول ترامب إلى البيت الأبيض حدثا سياسيا منفصلا عن مسار واسع سبق لحركة التاريخ أن مهّدت له شروطه. فالتراجع التدريجي في شرعية التدخلات الخارجية، والصدوع الداخلية في الهوية الوطنية الأميركية، وتآكل الإيمان بدور الولايات المتحدة كقائد للنظام الدولي، كلها شكّلت التربة التي نما فيها مشروع سياسي لا يؤمن بالتقاليد، بل يراهُن على كسرها. ومن هنا جاءت خطواته المتتابعة في السياسة الخارجية وكأنها رغبة في التحرر من إرثٍ لم يعد يخدم الداخل الأميركي بقدر ما يستنزفه. فانسحابه من الاتفاقيات الدولية، وتصادمه مع الحلفاء، وتصعيده مع الخصوم دون خطة ثابتة، كلها لم تكن أخطاء منفصلة، بل خيوط رؤية جديدة تتعامل مع القوة بوصفها ملكية خاصة لا عقدا مؤسسيا.في الخلفية الكاشفة لهذه اللحظة، ظهر البيان الذي عبّر فيه إعلاميون وناشطون عرب من مختلف البلدان العربية، عن قلقهم من المسار الأميركي الجديد، معتبرين أن السياسة الخارجية في عهد ترامب لا تشبه الانعزال ولا التوسع ولا حتى النسخة الكلاسيكية من القومية الأميركية، بل تميل نحو شكل من السلطة الشخصية التي تتجاوز منطق المؤسسة إلى منطق الإرادة. والحقّ أن هذا الوصف لا يقف عند حدود النقد السياسي، بل يذكّرنا بأن الحكم حين يتحول من مؤسسة إلى ذات، يتغير موقع الدولة في العالم من لاعب إلى عنصر اضطراب.
ذلك أن ترامب لم يكن حدثا استثنائيا بمعزل عن السياق، بل كان نتيجة مباشرة لتآكل مركزية المشروع الأميركي نفسه. فمنذ نهاية الحرب الباردة، تشققت الطبقة الخطابية التي كانت الولايات المتحدة تبرّر بها قيادتها للعالم. الحرية، الديمقراطية، الأسواق المفتوحة… كلها تحولت من مبادئ تَمنح شرعية، إلى شعارات تفتقر إلى الجانب الأخلاقي كلما اتسعت الهوة بين القول والفعل. ومع صعود الأزمة الاقتصادية، والشكوك في جدوى الحروب الخارجية، والاهتزاز الداخلي للثقة السياسية، ظهر ترامب باعتباره منتجا لا مقاطعة للمرحلة.
ما فعله هذا الرجل لم يكن تهديما خارج السقف الأميركي، بل إزالة للطلاء الذي كان يغطي الحديد. كشف هشاشة فكرة الهيمنة حين تُختزل في شعار تجاري بدل مشروع حضاري. فالمعنى التقليدي للقوة الأميركية كان يقوم على إدارة النظام الدولي لا استفزازه، على بناء التحالفات ثم استثمارها، على صناعة الاعتمادية العالمية حول الدولار والتجارة والمؤسسات لا حول النزعة الشخصية. لكن ترامب قلب الطاولة. لم يعد العالم شراكة، بل سوقا. لم تعد القيادة مسؤولية، بل صفقة. ومع كل خطوة مارستها الإدارة في عهده، كان النظام الدولي يفقد جزءا من مناعته مثل الانسحاب من الاتفاقيات، التلويح بتفكيك الناتو، الضغط على الحلفاء لا الخصوم، والتعامل مع الخصومات الكبرى كملفات تفاوض لا كبنى صراع استراتيجي.
هذا التحول لا يُفهم على مستوى التكتيك، بل على مستوى فلسفة الحكم. فالولايات المتحدة طوال سبعين عاما كانت قوة مركزية تقوم على مبدأ “استدامة النظام الذي تخدمه وتستفيد منه”. أما في المرحلة الترامبية، فقد ظهر منطق جديد يستبدل الاستدامة بالربح المباشر، والزمن الطويل بالمكسب اللحظي، والمؤسسة بالفرد. وبذلك انتقلت السياسة الخارجية من عقل الدولة إلى غريزة القوة، من الإستراتيجية إلى رد الفعل.
قد تبدو هذه التغيرات للوهلة الأولى مزاجية وشخصية، لكن الأعمق من ذلك أنها تُشير إلى تعب جسدي داخل الإمبراطورية الأمريكية. ولعل المفكرون العرب الذين وقعوا على البيان استحضروا بطريقة غير مباشرة المظاهرات المليونية التي خرجت في شوارع أمريكا للتنديد بترامب الملك وهذا يعتبر في حد ذاته فهما عميقا لبينة الدولة والسلطة في الولايات المتحدة وترامب نفسه. فالدول حين تبلغ ذروة التوسع، تبدأ قواها بالانكماش من الداخل قبل أن تُهزم من الخارج. ليست الأزمة إذا في ترامب بحد ذاته، بل في الأرض التي جعلته ممكنا. لقد تراجع الإيمان الأميركي بدوره العالمي، وتقلص الإجماع على جدوى الإمبراطورية، واشتعل الداخل بما يكفي ليصبح الخارج عبئا لا ذخيرة. وكلما تصدعت الشرعية الداخلية، ضعف المشروع الخارجي.
من هنا، لا يكون السؤال: ماذا فعل ترامب؟ بل، ما الذي سمح لترامب أن يفعل ما فعل؟
وما معنى أن دولة بنت النظام الدولي أصبحت الآن تشكل خطرا عليه؟
إذا استمر هذا النمط من الحكم، سيجد العالم نفسه في بنية جديدة لا تُشبه الحرب الباردة ولا القطبية الأحادية ولا حتى التعددية الدولية. نحن لا نتجه إلى نظام بديل جاهز، بل إلى مرحلة التذبذب الاستراتيجي. وهذا لا يعني وجود لاعبين أكثر، بل قواعد أقل. دولة تنسحب من المعاهدات، قوة عظمى تفقد مركزيتها، عالم يتوزع على مصالح متحركة، وتحالفات تذوب بسرعة السوق المالية لا بصلابة الجغرافيا. وبدل محور عالمي واحد، قد تتولد محاور هشة، تتصادم ولا تستقر، تتنافس ولا تنتج نظاما.
قد يكون هذا أخطر تحول في القرن الحادي والعشرين وهو انهيار النظام لا لصالح نظام آخر، بل لصالح غياب النظام. لا فوضى الحرب فقط، بل فوضى المعنى.
حين يخلو العالم من قوى أخلاقية، يصبح الصراع هو اللغة البديلة. تتكاثر القوى الإقليمية بلا مظلة، وتتعاظم الفواعل من غير الدول لأنها لا تحتاج اعترافا يعجز العالم عن منحه. وتصبح السياسة الخارجية سلسلة اشتباكات متفرقة وليست خريطة نفوذ. الشرق الأوسط هنا ليس استثناء بل نموذجا مبكرا، ساحات حرب بلا نهاية، تسويات بلا جغرافيا واضحة، تحالفات تتشكل وفق اللحظة لا المشروع.
إن العالم يُعاد هندسته الآن لكن بمهندس يرى في المصالح الإسرائيلية مصالح لنفسه. وما ترامب إلا تجلٍّ صاخب لهذه الحقيقة: وهي أن مصالح الوكيل الصغير مقدمة على مصالح الموكل. وهذا أخطر من تراجع القوة أو صعود منافس. لأن الخصم قد يُهزم. أما فقدان المعنى فلا يُهزم، بل يُغيّر شكل التاريخ.
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

أزمة قيادة فلسطينية غير مسبوقة!

د. إبراهيم ابراش* في بداية مارس 2016، كتبنا مقالاً بعنوان: (الخوف على السلطة من السلطة)، …