الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / هذه هي الحقيقة العربية!

هذه هي الحقيقة العربية!

فؤاد البطاينة*
إن ما تفعله “اسرائيل” في سورية من استباحة للأراضي وقتل وإذلال واحتلال، تستطيع فعله في أي دولة عربية متى شاءت، وليس منها من تمتلك القدرة العسكرية أو السياسية على ردعها. ولا منها من تجد حماية أجنبية. فأقطار العرب ليست محميات لأمريكا لتحميها، كما يعتقد حكامها. بل تُعامل كمزارع أبقار للحلب وبعران للركوب ونعاج للذبح. كما لا يُمكن أن تكون محميات لروسيا ولا للصين بوجه أمريكا أو اليهود، ولا أن يكون لأي منها تحالف استراتيجي حقيقي مع أي دولة كبرى أو عظمى. ولولا وجود المقاومة لما كان لحكامها اللذين يحاربونها مقعد بين الرجال ولا بين الدول وقياداتها. خراف على كل طاولة، وفي بلادنا فقط، خراف تَرمي نفسها في حضن الضبع طوعا ينهش من لحمها وتستمر في طلب الحماية منه، وهي منه.

قواعد محددة يفرضها الصهيوني على دول العرب من واقع انكاره لشرعيتها، وحق الدفاع عن النفس. تصنيفها دول افتراضية في فهرس السجل العقاري الدولي. منزوعة السلاح النوعي، الدفاعي والهجومي.. تسودها ديمقراطية الحظيرة وسلطة الأكباش. طغاة على شعوبهم وبلا شرف تسجد للحاخام، أعداؤه أعداؤهم وأصدقاؤه أصدقاؤهم. الجيوش شرطية ساحتها الشعوب. الإقتصاد ممنوع، العسكري منه والمدني ولا يتجاوز ألبان إبلهم ومعجون طماطمهم. المياه منهوبة وتعويض النقص من تكرير مياه الصرف الصحي. التعليم موجه للتخلف، وتلقين منزوع القيم. ثرواتها وأموالها لتمويل الحروب على شعوبها، وفائضها لفساد حكامها وبناء ناطحات السحاب والقصور. الدول الواقعية بمثل إمكاناتها تبني أكبر اقتصاد عالمي متكامل وتصبح أكبر قوة عسكرية وعلمية ومركز إشعاع حضاري وعلمي.
الخطاب ليس لهؤلاء، فغير المتعري منهم، هو جاهز، وكلهم يعرفون الحقيقة فرادى ولا يكاشفون بعضهم بها، الطريق اليوم مسدودة أمام شعوب تعجز عن تحييد طغاة خونة. يرتدون ملابس رجال، ويحكمون بسيف الصهيوني وهديه ولا نعرف لهم جذورا. صورتهم في أعين شعوب العالم طغاة لصوصا وعملاء على أوطانهم، شوهت صورتنا في العالم كشعوب تقبل الذل ولا تكنسهم، حتى عدنا لا طرفاً في المبتدأ ولا في الخبر، في الإعلام الدولي..
المقاومة هي محل رهاننا والفيصل في حسم الصراع. التفوق العسكري للعدو فشل في حسمه، وشبع فشلا في التغلب على إرادة المقاومة، ودفن أشلاء في غزة ولبنان واليمن وجنين. واتجه لاستراتيجية التآمر والخداع. إنه يعرف بأن نزع السلاح قد يسري وينجح في الدول، أما المقاومة فلا يعجزها تصنيعه أو الحصول عليه. ومطلبه في نزع سلاح المقاومة مجرد مساومة لتحقيق مآرب أخرى، والحقيقة أنه يراهن على القضاء على فكرة المقاومة بوسيلة شيطنتها أمام العالم وإشاعة تقنينها كإرهاب. هذه الشيطنة المطروحة للتقنين دولياً من قبل أمريكا كممثلة للكيان ولسواد أنظمة العرب هي، للإسلام السياسي المقاوم”. وليس للإسلام السياسي. وبهذا أوضح.
الإسلام هو الإسلام ومرجعيته القرآن الكريم. لا يقبل التجزئة والتصنيف، فالله أحد صمد. لكنه يقبل ويحث على التقليم والتمييز في الأمور والمعطيات للوصول للمعرفة التي توصل للحقيقة. أما “الإسلام السياسي” فمضمونه قديم ومصطلحه مستحدث، جاء ليدل على استخدام الدين لأغراض سياسية أو دنيوية بغير حق، وبما ينطوي عليه من تشويه للدين، ومع أن هذا الإستخدام والتشويه قد جاء بعد عهد الخلافة الراشدة، وابتدأ في العهد الأموي وتكرس في العهد العباسي بمنظومة نصوص وطقوس، إلا أنه نشط ثانية في بدايات القرن الماضي لخدمة أغراض سياسية، وطوره الإستعمار ورعاه. ثم تبنته أمريكا وأطَّرته في منظمات إرهابية تستخدم الدين، ومن يتبنى الفسق يرتد عليه. على أن طبيعة الإسلام ومن واقع القرآن الكريم نصاً وروحاً لا يمكن فصله عن السياسة.
شعوبنا والمقاومة اليوم أمام تحالف معسكر العدو الصهيوني وأنظمة الإسلام السياسي، بقيادة أمريكا، في حملة هدفها إشاعة تقنين شيطنة المقاومة دولياً لمحاصرتها وتبخير فكرتها وشرعنة احتلال فلسطين وتنفيذ وتجسيد المشروع الصهيو غربي. فهذه الحرب اللعينة على شعوبنا وأوطاننا وقيمنا ومعتقداتنا هي حرب وجودية، لا تحتمل الحياد ولا الصمت، تأتي في الوقت الذي يدخل فيه كيان الإحتلال في مرحلة الإنتحار بمخزون سلاحه وبأيدي مستوطنيه، ولهذا وقفه لحربه لن يكون قراره. قوانا الوطنية والحرة، الفكرية والإعلامية والسياسية على مساحة الوطن العربي والإسلامي مطالبة بالمواجهة في ضحد وإفشال عملية شيطنة المقاومة، وباستنهاض شعوبها لنصرتها وإعلاء الصوت بأن المقاومة خيارها وتمثلها.
وفي الأردن، الإخوان وحزبهم جبهة العمل، ليسوا داعش ولا القاعدة، وليسوا معسكرين. حريصون على أمن الأردن واستقراره والتاريخ شاهد على هذا وعلى أن انحدارنا للهلاك هو من أصدقائنا. للجماعة وحزبها قاعدة شعبية هي الأوسع في النسيج السياسي الأردني والدور الإجتماعي. ومع هذا يرضخون لحصة التمثيل النيابي التي تفصلها لهم الدولة، ويشاركون في كل مسرحيات الإصلاح، وفي كل انتخابات بلا أساس سليم تقاطعها القوى السياسية، ويمتنعون عن التضامن مع أي حزب تتجنى عليه الدولة أو تحله وأخرها حزب الشراكة والإنقاذ. هذا مثال على رغبة الجماعة في إرضاء النظام وتجنب أن يكونوا عثرة امام سياسة حكوماته. ضغوطات الدولة على الجماعة تتساوق مع ضغوطات أمريكية، سببها أن “إسلاميين على وجه التخصيص يناصرون غزة ومقاومتها”. سبب استفزازي.. فأمريكا تعلم أن الأردنيين وكل أحزابهم يدعمون غزة ومقاومتها ومنهم من قاتل واستشهد. واستهداف ترامب للإسلاميين على وجه التخصيص والتمييز هو تثوير للمسلمين كلهم. عبث الدولة بمركز جبهة العمل الإسلامي مدعاة للفتنة وإخلال بقواعد ومصداقية العمل الحزبي وليس في صالح الإستقرار السياسي والإجتماعي ويعمق الجفاء بين المواطن والدولة.
وأخيرا في هذا السياق، أطرح التساؤل على نخب الأمة. في ذاكرتي أن المقاومة واستنهاض الشعوب ومواجهة قوى الإمبريالية والصهيونية كانت في بلادنا وليدة نضال الحركات القومية او الإشتراكية واليسارية بشكل عام. ومع اشتداد الصراع وتعميقه تراجع هذا المد لنشهد المقاومة بقيادتها وزخم مقاتليها هي إسلامية الطابع. لا يوجد لدي تفسير كاف أو شاف، ولكن هل لهذا ارتباط بظهور إيران كنظام دولة إسلامية تبنت نهج المواجهة والمقاومة، أم بفشل التجربة السوفيتية أم هي ردة قومية في غياب أنظمة القيادات القومية. أدعو المنابر القومية والإشتراكية واليسارية إلى تناول هذه المسألة بتعمق وجدية. فالتنوع أساس الديمومة والوجود.
*كاتب اردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

رأيت ذات فيلم!

محمد القاسمي* رغمَ عشقي للأدبِ الإنجليزي الكلاسيكي، لم أكن يومًا من هواة أعمال «وليام شكسبير»، …