د. كامل خالد الشامي*
حزمتُ حقائبي، وارتديتُ أبهى ثيابي، وتضمختُ بعطرٍ باريسيٍّ فاخر، ثم توجهتُ إلى المطار وكلي أمل. في صالة السفر، انتظرتُ طويلاً حتى حان دوري أمام موظفة المحطة؛ استقبلتني بابتسامةٍ خفيفة، فناولتها جواز سفري لأستكمل إجراءات الرحلة.
في لحظةٍ مباغتة، شحب لونها، وتصلبت ملامحها، وغابت تلك الابتسامة. قبضت على الجواز بقوة وكأنها تمسك بجرمٍ مشهود، وبدأت تُقلب صفحاته بريبة، ثم سألتني بحدة عما إذا كنتُ أحمل جوازي القديم المنتهي لزيادة التأكد. اعتذرتُ منها، فنادت رئيسها وسلمته الجواز؛ وبحركةٍ درامية التقط صورةً للصفحة الأولى، وغاب وسط أوراقه وكأنه يبحث عن سرٍّ دفين.
عندما أبلغته أني مسافرٌ “ترانزيت” عبر مدريد، انفرجت أساريره وكأنه وجد ثغرتي، وقال لي بكل برود: «الجواز الفلسطيني، بقرارٍ وزاري، لا يُسمح له بالعبور (ترانزيت) إلا بتأشيرة “شنجن”». في تلك اللحظة، استكمل الجميع إجراءاتهم وعبروا نحو غاياتهم، وبقيتُ أنا وحدي خلف القضبان الإدارية… انتهى المشهد الأول.قررتُ تغيير الشركة الناقلة ووجهة العبور، لكن المشهد تكرر ثانيةً، وبجرعةٍ أكبر من التنمر والاتهام المبطن؛ حتى شعرتُ لحيظةً أني مجرمٌ يمثل أمام قاضٍ ظالم. لم يدرك ذلك الموظف “الأنيق الغبي” أن ما يحمله بين يديه ليس مجرد ورقة، بل هو ملحمة شعبٍ فقد وطنه، وخاض معارك دامية، وقدم مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين؛ شعبٌ أُبيدت قراه، وتغيرت جغرافيا أرضه ومعالم تاريخه من أجل أن يحصل في النهاية على هذا الجواز.
لم تشفع لي أناقتي ولا عطري الباريسي، فبقيتُ مكاني ولم أسافر. إن الجواز الفلسطيني اليوم يعاني من نبذٍ ظالم في كثير من أصقاع الأرض؛ فحامله يواجه عقباتٍ كؤودة في التنقل، ولا تزيد الدول التي تسمح بدخوله دون تأشيرة مسبقة عن 34 دولة، ليقبع بذلك في ذيل القائمة العالمية. وفي المقابل، نجد جوازات سفر أخرى، كالجواز الإماراتي، يفتح الآفاق أمام حامليه للوصول إلى 190 دولة دون عائق.
إن الفلسطيني اليوم يحتاج إلى إجراءات معقدة، تقترب من المستحيل، للحصول على تأشيرة، وغالباً ما تنتهي رحلة الانتظار الطويلة بالرفض حتى بعد دفع الرسوم. والمفارقة المبكية أن أوروبا التي رعت “اتفاقية أوسلو” وفرنسا التي طبعت هذا الجواز، يضعون اليوم أمام حامله شروطاً تعجيزية، بل وقد يمنعه موظف الحدود من الدخول دون إبداء الأسباب رغم حصوله على التأشيرة. واليوم، تكتمل فصول المعاناة بقرار الولايات المتحدة تشديد القيود على حاملي هذا الجواز “بائس الحظ”.
لقد عدنا قسراً إلى زمن اللجوء، ومرارة التيه في محطات القطارات وردهات المطارات. وهنا نتساءل: هل للدبلوماسية الفلسطينية، التي تملك شبكة سفارات وقنصليات تضاهي في عددها كبرى الدول، أن تلتفت لمعاناة المواطن؟ هل لها أن تتحرك لانتزاع اتفاقيات دولية تحفظ للفلسطيني كرامته وتؤمن له حق التنقل دون قيود؟
*كاتب فلسطيني/غزة
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر