د. حامد أبو العز*
في كل مرة تتجه فيها الأنظار إلى دولة نامية تتعرض للتهديد أو الحصار أو التدخل العسكري الأمريكي، يبدو المشهد وكأنه تكرارٌ رتيب لنصٍّ واحد يُعاد إنتاجه بأسماء وجغرافيات مختلفة، لكن ما يميّز اللحظة الراهنة هو انكشاف هذا النص بلا أقنعة، وبلا الحاجة حتى إلى تبريرات أخلاقية أو قانونية. فنزويلا اليوم ليست مجرد دولة تقع في مرمى الضغط الأمريكي، بل هي مرآة فاضحة لجوهر السياسة الأمريكية حين تتعامل مع الدول التي تملك الثروة وترفض الخضوع.البداية كانت مألوفة. تصريحات عن مكافحة المخدرات، وحماية الأمن القومي، وملاحقة “القوارب المشبوهة”. غير أن هذا الخطاب سرعان ما انقلب إلى اعتراف صريح وصادم على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومسؤولين في إدارته، مفاده أن نفط فنزويلا “لنا”، وأن الفنزويليين “يسرقون نفطنا”. هنا لم نعد أمام خطاب يختبئ خلف ذرائع القانون الدولي أو محاربة الجريمة المنظمة، بل أمام منطق استعماري فجّ يرى في ثروات الشعوب ملكية مشروعة للقوة الأقوى.
هذا التحول في الخطاب ليس تفصيلاً عابراً، بل علامة على مرحلة جديدة من التوحش السياسي. ففي الماضي القريب، كما في حالة العراق، احتاجت الولايات المتحدة إلى اختلاق سرديات معقدة عن أسلحة دمار شامل وتهديدات وهمية للأمن العالمي لتبرير غزو دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة. وبعد أن تبيّن زيف تلك الادعاءات، لم يُحاسَب أحد، ولم يُقدَّم اعتذار، بل جرى الانتقال بهدوء إلى مرحلة الاعتراف غير المباشر بأن الهدف الحقيقي كان النفط وإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم المصالح الأمريكية.
أما اليوم، في عهد ترامب تحديداً، فإن الحاجة إلى هذا النوع من الأكاذيب الكبرى قد تلاشت. لم يعد هناك جهد حقيقي لتسويق حرب بوصفها ضرورة أخلاقية أو إنسانية. العكس تماماً، يتم الإعلان بوضوح أن الحروب تُشن من أجل الموارد، وأن الدول التي لا تذعن تُعاقَب أو تُدمَّر. وهذا الاعتراف، على فظاعته، يقدّم دليلاً دامغاً على أن كل الحروب الأمريكية السابقة، من العراق إلى ليبيا، وكل التهديدات اللاحقة، ليست سوى حلقات في مشروع واحد هدفه السيطرة على الثروات وتحييد أي نموذج للاستقلال السياسي أو الاقتصادي.
من هذا المنظور، لا تبدو فنزويلا حالة استثنائية، بل حلقة في سلسلة طويلة. الدولة التي اختارت أن تدير ثروتها النفطية خارج الإملاءات الأمريكية، وأن تبني سياسة خارجية مستقلة، تحوّلت تلقائياً إلى “خطر” يجب احتواؤه أو إسقاطه. العقوبات، الحصار، محاولات الانقلاب، ثم التهديد العسكري، كلها أدوات في صندوق واحد، يُفتح متى ما قررت واشنطن أن دولة ما خرجت عن الطاعة.
وإذا انتقلنا من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، تتضح الصورة أكثر، ويزداد المشهد قتامة. فحرب غزة تكشف بوضوح كيف تتحول الولايات المتحدة من دولة تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان إلى شريك مباشر في جرائم الإبادة. الدعم السياسي والعسكري غير المشروط لإسرائيل، واستخدام الفيتو المتكرر لحمايتها من أي مساءلة دولية، ليس مجرد انحياز، بل اشتراك فعلي في الجريمة. هنا لا تلعب واشنطن دور الحليف فحسب، بل دور الغطاء الذي يسمح باستمرار القتل والتدمير.
الأخطر من ذلك هو انقلاب معادلة “الوكالة” التقليدية بين واشنطن وتل أبيب. تاريخياً، جرى تقديم إسرائيل بوصفها وكيلاً أمريكياً في المنطقة، أداة لتنفيذ المصالح الأمريكية. لكن الواقع الراهن يشير إلى انعكاس هذه العلاقة حيث أصبحت واشنطن، سياسياً ودبلوماسياً وحتى أخلاقياً، وكيلاً للمشروع الإسرائيلي. تُسخِّر نفوذها، ومؤسساتها، وخطابها، لخدمة أولويات إسرائيل، حتى لو تعارض ذلك مع مصالحها المعلنة أو مع أبسط قواعد القانون الدولي.
يتجلى هذا الدور أيضاً في ما يُسمى بالوساطة الأمريكية بين لبنان وإسرائيل، أو بين سوريا وإسرائيل. فهذه “الوساطة” لا تنطلق من موقع الحياد، بل من موقع الساعي إلى فرض حلول تخدم إسرائيل أولاً، على حساب سيادة الدول الأخرى وحقوقها. تُطرح التسويات بوصفها فرصاً للسلام، بينما هي في جوهرها محاولات لتكريس واقع الاحتلال والاعتداء، وإعادة صياغته بلغة دبلوماسية ناعمة.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن “النظام الدولي” و”القانون الدولي” نوعاً من الترف الخطابي. فالوقائع تشير إلى أن القوة هي التي تصوغ القواعد، وأن الولايات المتحدة، حين تتحدث عن الشرعية، تفعل ذلك بانتقائية صارخة. ما يُدان إذا صدر عن دولة نامية، يُبرَّر أو يُتجاهَل إذا ارتكبته إسرائيل أو حليف آخر. هذه الازدواجية ليست خللاً عابراً، بل هي جزء بنيوي من طريقة عمل الإمبراطورية.
ولا يمكن فصل هذه السياسات الخارجية العدوانية عن السياق الداخلي الأمريكي، ولا عن شخصية ترامب نفسه. فالرجل الذي يقدّم نفسه بوصفه “صريحاً” و”غير تقليدي” هو في الواقع تجسيد لمرحلة انحطاط أخلاقي وسياسي. الفضائح التي تحيط به، وعلى رأسها قضية إبستين، وما رافقها من صور وتسريبات، تفتح أسئلة عميقة حول طبيعة النخب الحاكمة في الولايات المتحدة. إصرار ترامب على منع الكشف الكامل عن الوثائق المرتبطة بالقضية لا يعكس فقط خوفاً شخصياً، بل يفضح شبكة مصالح وحمايات تمتد إلى أعلى هرم السلطة.
هذا التناقض الفاضح بين الخطاب الأخلاقي الذي ترفعه واشنطن في الخارج، والواقع المأزوم لنخبها في الداخل، يضعف أي ادعاء بالقيادة أو المثال. كيف لدولة يقودها رئيس غارق في الفضائح، ومتورط في علاقات مشبوهة، أن تنصّب نفسها حكماً على العالم، وأن تحدد من هو “الشرير” ومن هو “الجيد”؟
في النهاية، ما يجمع فنزويلا وغزة والعراق وسوريا ولبنان ليس الجغرافيا ولا الثقافة، بل الموقع في معادلة القوة العالمية. كلها دول أو شعوب تجرأت على مقاومة الهيمنة، أو حاولت الاحتفاظ بجزء من قرارها وثروتها، فكان العقاب قاسياً. سياسة التوحش الأمريكية لم تعد بحاجة إلى تبرير، لأنها لم تعد تشعر بالحاجة إلى إقناع أحد. وهذا بحد ذاته أخطر ما في المرحلة وهو أن تصبح الهيمنة وقاحة معلنة، وأن يُقدَّم النهب بوصفه حقاً طبيعياً، والحرب بوصفها أداة إدارة.
لكن هذا الانكشاف، على قسوته، يحمل في طياته فرصة. فحين تسقط الأقنعة، يصبح الوعي ممكناً، وتصبح مقاومة السردية المهيمنة أكثر وضوحاً. التاريخ يعلّمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط فقط بفعل القوة المضادة، بل أيضاً بفعل تعري خطابها وفقدانها القدرة على الادعاء الأخلاقي. وربما يكون هذا الفصل الجديد، بكل دمويته، مؤشراً على بداية نهاية وهم “القيادة الأمريكية للعالم”، وبداية بحث الشعوب عن نظام أكثر عدلاً، أو على الأقل أقل نفاقاً.
*كاتب وباحث فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر