اسيا العتروس*
عقد نصف العقد مرعلى أحداث 17 ديسمبرالتي عاش على وقعها التونسيون بالامس وسط أجواء احتفالية رسمية غير مسبوقة بعد أن قرر رئيس الجمهورية قيس سعيد الغاء موعد 14 عشر من جانفي كتاريخ للثورة …الواقع أنه اذا كان تاريخ 17 جانفي ارتبط بحادثة حرق محمد البوعزيزي نفسه و تداعيات ذلك على المشهد المتأجج في بلد يرزح تحت الاستبداد والظلم والفساد فان موعد 14 جانفي ارتبط بهروب الرئيس الاسبق زين العابدين بن علي والذي لا تزال حتى بعد وفاته أغلب الحقائق مغيبة في ظروف و ملابسات ذلك الهروب وما اذا كان بن علي هرب فعلا أم دفع للهروب ..
طبعا ستختلف الروايات حول هوية الشاب محمد بوعزيزي حتى اليوم و ما حدث مع عون المراقبة البلدية ا البلدية فادية حمدي التي تم سجنها ثم استقالت لاحقا من وظيفتها و ليس من الواضح أيضا ما اذا كان من الجامعيين المعطلين الذي تعرض للاهانة والحقرة و لم يستطغ تحمل ذلك ..ولكن ما حدث كان بمثابة الفتيل الذي سيؤجج النارويحرك الاحتجاجات الشعبية في كل الجهات ويعجل بنهاية النظام الذي بلغ درجة من الهشاشة رغم أنه كان يبدو حتى وقت قريب أنه يتحكم في المشهد بقبضة من حديد ..لسنا بصدد قراءة تاريخية للاحداث فهذه مهمة المؤرخين الذين سيتعين عليهم التدقيق فيما حدث في تونس بين 17ديسمبر 2010 و14جانفي 2011 في تونس…حتى الان تختلف التسميات و الشعارت بين من يعتبر ما حدث ثورة شعبية لم تكتمل بعد أن وقع وأدها واجهاضها في المهد و بين من اعتبرها مجرد انتفاضة ارتبطت بأحداث اقتصادية و اجتماعية و سياسية و لا ترتق الى مسار الثورات و بين من يعتبر أيضا أن ما حدث مؤامرة خارجية على البلاد وعلى المنطقة لاضعافها وجرها جرا الى الاخونة ثم الى اسقاط تلك الصفحة و العبور الى مرحلة التطبيع ..ويبقى لكل طرف قراءته و مبرراته أيضا ..عموما و في اطار الصراعات بين القوى السياسية حول تاريخ الثورة وجد الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي حلا وسطا حيث احياء الموعدين على اعتبار أن 17 جانفي بداية الثورة و أن 14 جانفي تتويج لها بهروب بن علي و جماعته ..وقد أصاب الاستاذ منير الشرفي رئيس مرصد الدفاع عن الحريات المدنية في اقراره بأنه بعد “بعد حوالي عشرين سنة من حكم بن علي ، وتحديدا في جانفي 2008، جاءت أحداث المناجم التي دامت ستة أشهر واجهتها السلطة بكثير من التصلّب وتلتها انتخابات 2009 التي كانت بعيدة عن الشفافية والنزاهة. وهي انتخابات يُفترض دستوريا أن تكون للفترة الأخير لبن علي. غير أن حملة المناشدة في أوت 2010 والتي كان يُراد بها فتح المجال أمامه لعهدات رئاسية أخرى غير دستورية أفقدت التونسيين الأمل في رحيله قريبا. ممّا جعل الشارع التونسي في هيجان غير مُنظّم، إلى أن جاءت حادثة انتحار الشاب محمد البوعزيزي يوم 17 ديسمبر 2010. وهي حادثة مألوفة، مع الأسف، في العالم. ولقد شهدت تونس انتحارات عديدة جدا قبل البوعزيزي وبعده. “اليوم يعيش الشارع التونسي على وقع الذكرى ال15 لاحداث 17 ديسمبر و التي تأتي في مناخ لا يخلو بدوره من التشنج مع تعمق الانقسام في الشارع التونسي بين أنصارسعيد بمعنى أنصار 25 جويلية و بين المعارضة التي جعلت من الشارع مسرحا لتحركاتها و احتجاجاتها الاسبوعية للمطالبة باطلاق سراح الموقوفين من معارضة و اعلاميين و محاميين و نشطاء في المجتمع المدني , و ظل الرئيس قيس سعيد يرد على تلك المظاهرات على طريقته عبر الزيارات الليلية بعد كل مظاهرة للمعارضة الى الاحياء الشعبية لتوجيه رسائله أو ما يعتبرها بالصواريخ الجاهزة على منصاتها و اتهام خصومه بالخيانة و التواطؤ مع الخارج .و من هنا كانت مسيرة 17 جانفي لانصار مسار سعيد تحت شعار “لا للتدخل الاجنبي “بل ان الرئيس قيس سعيد اختار أن يعطي اشارة الانطلاق لهذه المسيرة التي أرادها أيضا رساله لخصومه أولا و للخارج ثانيا على شرعيته وتلاحم الشارع معه عندما قام بزيارة أنصاره عند الفجر أمام المسرح البلدي بالعاصمة ..
ازاء ما سبق يمكن القول و على رأي القاموس الفرنسي on n est pas sorti de l auberge الاشكاليات ولم نتخلص من المتاعب ولا نزال في حالة تيه و ضياع في نفس الدائرة المغلقة التي استعصت على كل النخب و الحكومات و القيادات التي تعاقبت على السلطة و اعتبرتها غنيمة مشتركة اجتمعت حولها فكانت النتيجة واحدة في كل مرة و ان الشعب فقد ثقته فيها ثم لفظها ثم فرض غيرها ولم يتردد في تكرار نفس الخيار كلما استفاق ليجد أن واقعه اليومي الاجتماعي والاقتصادي والامني يتغير و لكن الى الاسوأ و يتراجع مع ارتفاع الاسعار وغياب الاستثمارات وتفاقم البطالة والقيود على الحريات..ما يمكن استخلاصه بعد عقد ونصف على 17 جانفي ونحن نقترب من نهاية عام 2025 وحلول عام 2026 أن هناك قناعة أننا ازاء استمرار اضاعة الوقت و اهدارالفرص و الغرق في فخ الصراعات السياسية التي لم نر لها لا في العراق و لا في سوريا و لا في ليبيا او غيرها من الدول ما يمكن أن يخدم الشعوب والامم و يحقق التنمية و يؤسس للمصالحة و الانتقال الديموقراطي الذي يعزز ثقافة المواطنة و الحريات …ما لا يمكن انكاره اليوم أن القبضة تشتد يوما بعد يوم على كل معارض أو صاحب رأي مخالف و أن مفهوم الحوار السياسي بين السلطة و خصومها و بين السلطة القائمة و الاجسام الوسيطة من اعلام مستقل لم يعد له دور أو موقع و من أحزاب سياسية و نقابات و جمعيات ليس في وارد القاموس السياسي للرئيس قيد سعيد استاذ القانون الدستوري الذي اخترق المشهد السياسي بمواقفه من أجل الحريات وضد الظلم و الفساد …
لا خلاف أن السياسات تقاس بالانجازات في كل المجالات و تقاس بما يمكن أن يغير حياة الناس نحو الافضل دون أن يسلبهم حراتهم و حقهم في التعبير ..
تونس لا تزال بعيدة عن تحقيق أهداف الحرب المفتوحة على الفساد و هي بعيدة كل البعد عن كسب معركة المصالحة الوطنية التي بدونها لا يمكن طي صفحة الماضي البائس…والارجح أن العام
2026 سيكون عام التحديات الكبرى في مواجهة التحركات الاحتجاجية التي بدأت تعلن عن نفسها …بعد هروب بن علي رفع كثير من التونسيين شعار “خبز و ماء و بن علي لا “شعار سيترر بطريقة مختلفة مع حكم الترويكا و تواترالارهاب ومشاهد الفوضى و محاولات تغيير المجتمع و اسلمته ..وهناك اليوم الكثير من الشعارات التي يرددها شباب الاحتجاجات الاسبوعية و معه المعارضة التي ما انفك الرئيس سعيد يدفعها الى التقارب و توحيد صفوفها و ربما يأتي يوم تشكر فيه المعارضة بمختلف انتماءاتها اليسارية و الاسلامية و الوسطية سعيد على أنه حقق لها ما لم يحققه أحد غيره و هو أنه جعلها تتجاوز الكثير من خلافاتها و تجمع صفوفها و ربما قد تذهب الى مراجعة أخطائها أمام استمرار الانفصال الحاصل بينها وبين السلطة التي تعتبر أن الحوار مع هؤلاء يتنزل في حكم الخيانة على الوطن …حالة المخاض في تونس ستظل مستمرة طالما استمرت الاوضاع على حالها بين معارضة لا تهادن و لا تتراجع وبين سلطة صنعت لنفسها شعبا من أنصارها تصفه با”لزواولة ” أو الفقراء و المستضعفين لا ترى و لا تسمع و لا تعترف بغيرهم …
*صحفية وكاتبة تونسية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر