الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / التحرك الأمريكي ضد الإخوان!

التحرك الأمريكي ضد الإخوان!

د. حامد أبو العز*

يثير التحرك الأمريكي الأخير المتعلق بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية أسئلة تتجاوز الجماعة ذاتها، وتمتد إلى طبيعة الدور الأمريكي في المنطقة، وحدود التحالفات، ومعنى “الشراكة” في النظام الدولي غير المتكافئ. فالتعامل مع هذه الخطوة بوصفها موقفاً مبدئياً ضد تنظيم بعينه يُخفي جوهر المسألة، ويختزلها في إطار أخلاقي أو أمني ضيق، بينما هي في الحقيقة تعبير عن تحول في أولويات القوة الأمريكية، لا عن اكتشاف متأخر لطبيعة الإخوان.
جماعة الإخوان المسلمين، شئنا أم أبينا، تمثل تياراً اجتماعياً وسياسياً متجذراً في المجتمعات العربية والإسلامية منذ قرن تقريباً. وجودها كان نتيجة تفاعلات داخلية معقدة تتمثل بفشل الدولة الوطنية، غياب العدالة الاجتماعية، انسداد الأفق السياسي، والبحث عن هوية جامعة. من هنا، فإن أي قراءة تحاول اختزال الجماعة في كونها “أداة” لقوة دولية تقع في فخ التبسيط المخل، وتفقد القدرة على الفهم الحقيقي لطبيعة الصراع.
التحرك الأمريكي لا ينطلق من موقف أخلاقي تجاه الإخوان، ولا من تقييم موضوعي شامل لسلوكهم في مختلف الدول، بل من سؤال واحد فقط، هل يخدم هذا الفاعل، في صيغته الحالية، المصالح الأمريكية أم يعرقلها؟ وعندما يصبح الجواب ملتبساً أو سلبياً، تبدأ عملية إعادة التصنيف، لا بوصفها حكماً تاريخياً، بل كأداة سياسية قابلة للتعديل والتراجع والتوظيف.اللافت في القرار الأمريكي أنه لم يذهب إلى تصنيف شامل، بل تحدث عن “دراسة” و”بعض الفروع”. هذا التردد الظاهري ليس حرصاً على الدقة، بل انعكاس لوعي عميق بتعقيد الظاهرة. فواشنطن تدرك أن الإخوان ليسوا تنظيماً واحداً، ولا يتحركون وفق مركزية صارمة، ولا يمكن تحميلهم سلوكيات متناقضة في بيئات سياسية مختلفة بقرار واحد. لكنها، في الوقت ذاته، تريد الاحتفاظ بحق التعريف، من هو المقبول، ومن هو المرفوض، ومن يمكن التعامل معه، ومن يجب عزله.
هنا تتجلى طبيعة السياسة الأمريكية بوصفها سياسة إدارة المخاطر لا حل الأزمات. فبدلاً من معالجة الجذور الاجتماعية والسياسية التي أنتجت الحركات الإسلامية، تلجأ واشنطن إلى الأدوات الأسهل وهي التصنيف، العقوبات، الضغط المالي، وتضييق المجال العام. وهي أدوات قد تنجح في إضعاف تنظيمات، لكنها نادراً ما تنتج استقراراً حقيقياً، بل غالباً ما تعيد إنتاج الأزمات في أشكال أكثر تعقيداً.
أما ربط هذه الخطوة باستهداف دول بعينها، كقطر أو تركيا، فيحتاج إلى قدر من التوازن. فهاتان الدولتان لم تتعاملا مع الإخوان باعتبارهم أداة تخريب، بل باعتبارهم جزءاً من المشهد السياسي والاجتماعي في المنطقة، ومحاورين محتملين في سياقات شديدة التعقيد. هذا الخيار قد يُتفق أو يُختلف معه، لكنه لا يمكن اختزاله في سردية “الدعم للإرهاب”. ما تغيّر ليس سلوك هذه الدول بقدر ما تغيّرت زاوية النظر الأمريكية إلى أدوارها الإقليمية.
الولايات المتحدة اليوم تسعى إلى تقليل عدد الفاعلين المؤثرين خارج سيطرتها المباشرة. وهي ترى أن تعدد القنوات، والوساطات المستقلة، واللاعبين ذوي المرجعيات الأيديولوجية، يزيد من صعوبة إدارة المنطقة وفق أولوياتها الجديدة، التي تركز على تقليل الكلفة، وضمان أمن الحلفاء التقليديين، ومنع الانزلاق إلى مواجهات واسعة. من هذا المنظور، يصبح أي فاعل غير قابل للضبط الكامل موضع شك، حتى لو لم يكن عدواً . ولذلك فهي ترسم سياساتها على مبدأ أن تكون إسرائيل المهيمنة على المنطقة بأسرها دون أي فواعل أخرى تشاركها هذه الهيمنة. إنها سياسة قائمة على ترسيخ قوة إسرائيل وجعلها القادرة على استهداف أي دولة شاءت دون أي تكلفة ولذلك تتجه واشنطن إلى تضعيف الدول الأخرى جميعاً.
في هذا السياق، لا تكون وثيقة الأمن القومي الأمريكية إدانة مباشرة للإخوان بقدر ما هي تعبير عن ضيق متزايد من كل ما هو عابر للحدود وغير خاضع لأمريكا. فأمريكا لا تلتزم بالتحالفات ولا بالعلاقات التاريخية بل تلتزم بكل ما يحقق لها السيطرة والإدارة ومركزية القوة.
هذا يقودنا إلى فكرة “طعن الحلفاء في الظهر”، وهي فكرة تعبّر عن شعور عربي متكرر، لكنه يحتاج إعادة صياغة. الولايات المتحدة تطعن لتعيد ترتيب أوراقها بلا اعتبار للآثار الجانبية. فهي لا ترى في العلاقات الدولية مجالاً للأخلاق، بل ساحة لتقاطع المصالح بل هي تتمحور حول المصالح والمصالح فقط.
الخطورة الحقيقية في هذه التحركات لا تكمن في مصير جماعة بعينها، بل في ما تفتحه من سابقة. فإذا أصبح التصنيف أداة سياسية مرنة، يمكن توسيعها أو تضييقها وفق الظرف، فإن المجال العام العربي مرشح لمزيد من الانكماش، والحياة السياسية لمزيد من التجفيف، تحت عناوين مكافحة الإرهاب والالتزام بالمعايير الدولية. وهذا لا يخدم الاستقرار، بل يؤجل الانفجارات.
في المحصلة، ما نشهده اليوم هو لحظة إعادة تعريف للمنطقة من الخارج، لا استجابة لحقائقها من الداخل. الإخوان ليسوا جوهر الأزمة، بل أحد أعراضها. وقطر وتركيا ليستا خصماً، بل فاعلين يحاولون التحرك في هامش إقليمي شديد الاضطراب. أما الولايات المتحدة، فهي تمارس دورها التقليدي المتمثل بتغيير القواعد عندما تتغير مصالحها، ثم مطالبة الجميع بالتكيّف مع الواقع الجديد.
والسؤال الذي يبقى مفتوحاً ليس هل ستُصنَّف الإخوان جماعة إرهابية أم لا؟ بل، هل يمكن للمنطقة أن تخرج يوماً من أسر القرارات الخارجية، وتبني معادلاتها السياسية على أسس داخلية، بحيث لا تتحول كل حركة اجتماعية إلى ورقة في لعبة الأمم؟
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التدرّج اليمني في مسار المواجهة!

محمد محسن الجوهري* تُقدَّم المواجهة المقبلة بين اليمن والكيان الصهيوني بوصفها محطة فاصلة في مسار …