الأحد , فبراير 15 2026
الرئيسية / اراء / حين تُستدعى النبوة لتبرير الاعتداءات الإسرائيلية!

حين تُستدعى النبوة لتبرير الاعتداءات الإسرائيلية!

العميد. محمد الحسيني*
عندما يستدعي مسؤول أميركي أسماء إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وموسى ويسوع (عيسى بن مريم في القرآن)، ويضعهم في سطر واحد مع سبع حملات صليبية، ليخلص إلى أن أحدًا لم يستطع «حلّ مشكلة الشرق الأوسط»، فنحن لا نكون أمام توصيف بريء لتعقيد الصراع، بل أمام خطاب تبريري فجّ، يخلط النبوة بالسياسة، والرسالة السماوية بالعنف، والتاريخ المقدّس بالعجز الدبلوماسي، في محاولة مقصودة لتحويل الفشل السياسي إلى قدر، والعدوان المستمر إلى أمر واقع لا يُسأل عنه أحد.
هذا الكلام يفترض، من حيث لا يصرّح، أن الأنبياء جاؤوا ليحلّوا نزاعات سياسية أو ليُنتجوا سلامًا جغرافيًا دائمًا، وهو افتراض باطل. فالنبوة، في الكتب السماوية جميعها باستثناء العهد القديم، لم تكن مشروع حكم ولا إدارة صراع، بل دعوة أخلاقية وروحية، قوامها البلاغ لا السيطرة، والاختيار لا الإكراه. القرآن يقول: ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ و﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، والإنجيل يضع الأمر في السياق نفسه حين يقول المسيح: «من أراد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني» (متى 16:24)، أي إن الدعوة تقوم على الحرية الشخصية لا على الفرض.
ولم تظهر النبوة أصلًا في فراغ أحادي أو في مجتمعات مغلقة، بل في فضاءات تعددية بطبيعتها. فبلاد كنعان، قبل أن يتحوّل الدين إلى مشروع سيادة، كانت فسيفساء شعوب ومعتقدات، تعايشت ضمن مدن مفتوحة على التجارة والاختلاط البشري، من دون صراع ديني وجودي. التوحيد الإبراهيمي نفسه نشأ داخل هذا التعدد، لا ضدّه؛ فإبراهيم ويعقوب عاشا في كنعان كنبيَّين بين شعوب مختلفة، بلا ادعاء احتكار للأرض ولا محاولة إقصاء للآخر. الإشكال لم يبدأ مع التعدد الديني، بل حين جرى نفي هذا التعدد لاحقًا، وتحويل الإيمان من دعوة أخلاقية إلى هوية مغلقة، ومن العلاقة الروحية بالأرض إلى حق حصري يُنتزع بالقوة. هذا التحوّل هو الذي مهّد، تاريخيًا، لفتح الباب لمنطق يجرّد الآخر من شرعيته الأخلاقية، ويحوّل الصراع من نزاع بشري إلى تفويض يُنسب إلى المقدّس، وهو المنطق نفسه الذي يتجدّد اليوم في فلسطين، حيث يُستدعى الدين لا بوصفه مساحة تعايش، بل كأداة نفي، ويُحوَّل التاريخ من ذاكرة مشتركة إلى سلاح سياسي يبرّر الإقصاء والاحتلال.
أنبياء الله، بدءًا من إبراهيم، جاءوا برسالة توحيد ضمن منطقة “الهلال الخصيب”، ولم يؤسّسوا دولة، ولم يحملوا سيفًا، ولم يفرضوا عقيدة. وإسماعيل عاش في الحجاز، خارج كل جغرافيا الصراع المعاصر، ولا يمكن، بأي منطق تاريخي، إدراجه في نزاع لم يكن قائمًا أصلًا. ويعقوب عاش في كنعان كنبيٍّ وأب، لا كقائد عسكري ولا كصاحب مشروع توسّعي. أمّا موسى، فقاد بني إسرائيل في مسار تحرّر من العبودية، لا في مشروع احتلال، ووفق النصّ التوراتي نفسه لم يدخل فلسطين التاريخية أصلًا، بل توفي قبل ذلك.
ثم يأتي يسوع، في قلب فلسطين التاريخية نفسها، ليقدّم أوضح نفي لأي ربط بين النبوة والقوة. لم يطالب بسلطة، ولم يؤسّس حكمًا، ولم يرفع سلاحًا، بل واجه الاحتلال الروماني والسلطة الدينية معًا بخطاب أخلاقي صادم، وقال بوضوح: «مملكتي ليست من هذا العالم» (يوحنا 18:36)، و«أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم» (متى 5:44). وحين استُدعي العنف للدفاع عنه، قال لتلاميذه: «رُدّ سيفك إلى مكانه، لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون» (متى 26:52). أي رسالة أوضح من ذلك في نفي الإكراه ورفض تحويل الدين إلى أداة صراع؟
ومع ذلك، يجمع المسؤول الأميركي هؤلاء الأنبياء، الذين نفوا السلطة والعنف، في جملة واحدة مع الحملات الصليبية، تلك التي لم تكن سوى مشروع عسكري دموي، قائم على القتل والنهب والاحتلال باسم الدين. هذه ليست مقارنة ساذجة، بل مساواة أخلاقية مرفوضة، تضع الرسالة السماوية في كفّة، والمجزرة في كفّة، ثم تدّعي أن النتيجة واحدة.
هذا الخطاب لا يهدف إلى قراءة التاريخ، بل إلى تعطيل الحاضر. فحين يُقال إن الأنبياء أنفسهم «لم ينجحوا»، يصبح الظلم القائم حتميًا، ويغدو الفشل السياسي قدرًا لا يُسأل عنه أحد. هكذا تُرفع المسؤولية عن الاحتلال، وعن الانحياز، وعن السياسات التي تدير الصراع بدل أن تحلّه، وتُحمَّل النبوة وزر ما لم يكن يومًا من مهامها. وبعبارة أوضح، يبرّر هذا الخطاب بقاء الاحتلال الإسرائيلي واستمرار اعتداءاته، ومحاولاته للسيطرة على الشرق الأوسط، كما سيطر الصليبيون على جزء منه بالدم والنار.
في النهاية، لسنا أمام خطأ لغوي أو زلّة فكرية، بل أمام خطاب إمّا يجهل وظيفة النبوة جهلًا فادحًا، أو يستخدمها عن عمد كدرع أخلاقي لتبرير العجز. وفي الحالتين، النتيجة واحدة: تشويه للرسالات السماوية، وتبرئة للسياسة الصهيونية، ومحاولة لتحويل الظلم إلى قدر تاريخي.
والحقيقة التي يحاول هذا الخطاب القفز فوقها واضحة: الصراع التاريخي في هذه المنطقة لم يفشل لأن الأنبياء لم «ينجحوا»، بل لأنه كلما حضرت القوة غاب العدل، وكلما استُخدم الدين غطاءً للقتل، غابت القيم التي من أجلها، أصلًا، جاء الأنبياء.
*كاتب لبناني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

ايران.. صراع الأجندات على طاولة المفاوضات!

محمد جواد أرويلي* تشهد المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في المرحلة الراهنة حالة من التباين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *