د. هاني الروسان*
لا يمكن قراءة القرار الإسرائيلي الأخير بالشروع في تسجيل وتسوية الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية بوصفه إجراءً إداريًا تقنيًا، لأنه في الجوهر يعد انتقالاً نوعياً داخل الاستراتيجية التي تحكم سلوك إسرائيل تجاه الضفة: من إدارة التصعيد الميداني منخفض الكلفة إلى تثبيت واقع سيادي عبر أدوات “قانونية” ومؤسسية. وهذه الخطوة تكشف أن ما بدا سابقًا كسياسة احتواء نشط وتغيير بطيء للواقع لم يكن مجرد تكتيك، بل مسارًا متدرجًا لإعادة تعريف الأرض نفسها: ملكيةً، وسيادةً، ووظيفةً سياسية.
لقد انطلقنا في قراءة سابقة لمعالجة التصعيد الإسرائيلي من فرضية مفادها أن تل أبيب، رغم خطابها المتطرف، لا تسعى إلى مواجهة شاملة في الضفة، بل إلى تفكيك المجال الفلسطيني تدريجيًا عبر أدوات محسوبة الكلفة، والقرارات الجديدة تمنح هذه الفرضية بُعدًا مؤسسيًا صريحًا. فحين تتحول السيطرة العسكرية إلى تسجيل “قانوني” للأرض بوصفها “أراضي دولة”، فإننا نصبح أمام انتقال من منطق القوة المؤقتة إلى منطق الحق المُدَّعى، وهذه النقلة ليست شكلية؛ لأنها تعني تثبيت نتائج السيطرة في بنية “قانونية” طويلة الأمد، تجعل التراجع عنها أكثر تعقيدًا سياسيًا وقضائيًا.
وفي هذا السياق، يصبح التصعيد “القانوني” بديلاً مدروسًا عن التصعيد العسكري. فبدل فتح جبهة واسعة النطاق تستنزف الموارد وتفاقم الانقسامات الداخلية، تُفعِّل إسرائيل أدوات إدارية تبدو أقل ضجيجًا لكنها أشد تأثيرًا، فتسجيل الأراضي يخلق مرجعية ملكية جديدة تُسهِّل التوسع الاستيطاني وتمنح الدولة غطاءً رسميًا لإعادة توزيع المجال الجغرافي. وهنا يتكامل القرار مع الخطاب السياسي الذي يقوده وزراء بارزون مثل سموتريتش، حيث لا يُخفى الهدف النهائي بتحويل الضفة من ساحة نزاع إلى فضاء سيادي مُعاد تعريفه.
والحقيقة ان هذا التحول ينسجم مع منطق “التغيير البطيء للواقع” الذي يقوم على مراكمة الوقائع بدل فرض الحسم الفوري. فإعادة إجراءات الملكية على هذا النحو تعني عمليًا إعادة بناء الجغرافيا السياسية للأرض الفلسطينية، من حيث هي تقليص للحيز الفلسطيني عليها، وتكريس لتجزئتها من ناحية، وتوسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية الفعلية عليها دون الحاجة إلى إعلان ضم رسمي قد يستجلب كلفة دولية فورية من ناحية ثانية.
غير أن هذه المقاربة، ورغم ما تبدو عليه من نعومة تكتيكية، تحمل في داخلها عناصر عدم استقرار عميقة، لان طل خطوة “قانونية” تُعيد تعريف الأرض ستكون في الوقت ذاته نقطة احتكاك. فتحويل الأراضي إلى أملاك دولة لا يُقرأ فلسطينيًا كإجراء تنظيمي، بل كجزء من عملية اقتلاع تدريجي، وهو ما يضاعف من احتمالات انفجار شعبي منفلت، لانه ومع كل تآكل للمجال الاقتصادي والجغرافي، سيتزايد الشعور بأن الصراع لم يعد يتعلق فقط بالسيادة السياسية، بل بالوجود المكانى ذاته.
والأثر الناجم عن ذلك سوف لن يقتصر على المجتمع الفلسطيني، بل يمتد إلى بنية العلاقة مع السلطة الوطنية الفلسطينية. فكل تقليص في مساحة الحيز الإداري والاقتصادي لها يضعف قدرتها على أداء وظائفها، ويخلق فراغًا تدريجيًا قد تملؤه قوى أكثر تشددًا أو أنماط مقاومة أقل قابلية للضبط. وهنا يظهر التناقض في الاستراتيجية: أدوات منخفضة الكلفة على المدى القصير قد تنتج كلفة أمنية وسياسية أعلى على المدى المتوسط، خاصة إذا تحولت الضفة إلى ساحة احتكاك دائم وغير قابل للاحتواء.
أما دوليًا، فتمثل هذه القرارات اختبارًا جديدًا لحدود رد الفعل على سياسة فرض الأمر الواقع. فبينما تتزايد الانتقادات والتحذيرات، تظل أدوات الضغط محدودة، ما يشجع إسرائيل على المضي قدمًا في تكريس الوقائع التي تريدها. إلا أن التراكم “القانوني” للسيطرة قد يعمق عزلتها السياسية تدريجيًا، ويعيد طرح أسئلة تتعلق بطبيعة النظام القائم في الأرض المحتلة، وهو مسار قد لا يظهر أثره فورًا لكنه يتفاعل ببطء في البيئة الدولية.
ورؤية مستقبلية هنا، لا تشير إلى أن هذه الخطوة ستؤدي بنا نحو الاقتراب من انفجار شامل في الضفة، بل إلى تعميق نموذج الصراع منخفض الحدة وعالي التأثير، مع استمرار الخطاب السياسي مرتفع السقف، بينما تستمر الممارسة الميدانية و”القانونية” في التقدم بخطوات محسوبة. لتفادي لحظة الانفجار، غير ان تراكمًا بطيئًا للضغوط قد يصل في لحظة ما إلى نقطة تحول غير متوقعة.
ويبقى ان نقول، ان قرار تسجيل الأراضي يكشف أن معادلة التصعيد لم تتغير في جوهرها، بل دخلت مرحلة أكثر صراحة وتنظيمًا. وهو ما يرتب على الجانب الفلسطيني الآن، ضرورة التفكير بشكل استراتيجي مختلف عن السابق لمواجهة مخاطر التآكل التدريجي للسلطة الوطنية، لان اسرائيل الى جانب محاولاتها المحمومة لخلق وتثبيت وقائع “قانونية” جديدة على الأرض، تلوح في الأفق محاولات لإعادة تصميم شكل السلطة الفلسطينية على غرار نموذج لجنة إدارة غزة، وهو ما تشير إليه المعطيات الميدانية الحالية حيث تسعى إسرائيل لنزع أي طابع سياسي عن الضفة عبر إنهاك السلطة الوطنية، وتحويلها إلى إدارة مدنية بلا قدرة على اتخاذ قرارات ذات صلة بالسيادة. وهذا يفرض على القيادة الفلسطينية فضلاً عن ضرورة التفكير في أدوات أكثر نجاعة لحماية الأرض والكيان السياسي، وتعزيز قدرات الصمود المحلي، وضمان صيانة الوجود الإداري والحقوقي، العمل الفعال على الجبهة العربية لتفعيل دورها إن للدعم المباشر للصمود الفلسطيني، او لتفعيل ثقلها على المستوى الدولي للضغط على اسرائيل، كخط أول لمواجهة أي محاولة لتكرار نموذج غزة في الضفة.
*كاتب وأكاديمي تونسي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر