العميد. محمد الحسيني*
ما يجري في الضفة الغربية، وما يُدار في غزة، وما يتكشّف على حدود جنوب لبنان، ليس ثلاثة مسارات منفصلة، بل تعبيرات مختلفة عن عقل استراتيجي واحد يُعيد تعريف العنف وأدواته بحسب الساحة والكلفة. في كل حالة، لا يكون السؤال هو كيف تُحسم المواجهة، بل كيف يُدار الصراع إلى أطول مدى ممكن، وبأقل كلفة سياسية وعسكرية، ومن دون الوصول إلى لحظة الانفجار الشامل.
في الضفة، تخلّت إسرائيل تدريجيًا عن منطق السيطرة العسكرية المباشرة لصالح عنف أكثر هدوءًا وأشدّ فاعلية. لم تعد الدبابة هي الأداة المركزية، بل القانون، والتخطيط، والهندسة الديموغرافية. عبر الاستيطان، وتقطيع الجغرافيا، وتحويل الإجراءات الإدارية إلى نظام ضبط دائم، يُعاد تشكيل الواقع من دون إعلان ضم، ومن دون معركة فاصلة. العنف هنا لا يُرى، لكنه يُنتج وقائع لا تقلّ صلابة عن أي احتلال عسكري، ويُفرِغ السياسة من معناها عبر تحويلها إلى إدارة أزمات يومية بلا أفق.
في غزة، حيث يستحيل الدمج بين السيطرة والإدارة، وحيث أثبت الحسم العسكري محدوديته، يُدار العنف بمنطق الزمن. لا حرب تنتهي، ولا إعادة إعمار تكتمل، ولا انهيار شامل يسمح بإعادة ترتيب المشهد. يُضبط الإيقاع بين تصعيد واحتواء، بين فتح معابر وإغلاقها، وبين تسهيلات مشروطة وعقاب جماعي غير معلن. تتحوّل الحياة اليومية نفسها إلى أداة ضغط، ويُختزل الفعل السياسي في معادلة “الهدوء مقابل البقاء”، لا “الحقوق مقابل الحل”.
أما في جنوب لبنان، فالسؤال لا يعود محصورًا بما إذا كانت الاعتداءات المتكرّرة مقدّمة لاجتياح واسع، بل بما إذا كان الجنوب يُدفع عمدًا إلى حالة استنزاف مفتوحة تُدار بالضغط المتدرّج، وتُنتج وقائع ميدانية جديدة من دون إعلان حرب أو تحمّل كلفها. القراءة الواقعية تشير إلى أن الاجتياح الواسع، وخصوصًا البري، لا يزال خيارًا مكلفًا إلى حدّ يجعل اللجوء إليه غير مرجّح في المدى القريب. التجارب السابقة، من عام 1978 إلى 1982 وصولًا إلى 2006، رسّخت في الوعي العسكري الإسرائيلي حقيقة ثابتة: الدخول ممكن، لكن البقاء مكلف، والخروج سياسيًا وعسكريًا بالغ الثمن، فضلًا عن أن قرارًا بهذا الحجم يحتاج إلى مظلّة أميركية لا تبدو متوافرة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
غير أن استبعاد الغزو لا يعني استبعاد الخطر، بل نقل الخطر إلى مستوى آخر أقل صخبًا وأكثر استدامة. ما يجري يندرج في إطار تصعيد مضبوط، أو ما يُعرف بالحروب المنخفضة الكثافة، حيث لا إعلان حرب، ولا خطوط جبهة واضحة، ولا نهايات قريبة. الهدف ليس الحسم العسكري، بل إنهاك البيئة المدنية، وتعديل السلوك السياسي والأمني للخصم من دون تحمّل كلفة المواجهة الشاملة. في هذا النمط من الصراعات، تتحوّل الضربات المتقطّعة، والتهديدات الإعلامية، والحرب النفسية، والضغط الاقتصادي والبيئي، إلى أدوات مركزية، ويصبح الزمن بحدّ ذاته سلاحًا.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن النقاش المتصاعد حول مستقبل قوات «اليونيفيل». فغياب هذه القوة، إن حصل، لا يعني فقط فقدان آلية مراقبة ووساطة، بل نزع أحد آخر الحواجز الرمزية والقانونية التي تفصل بين الخرق المحدود وفرض الوقائع بالقوة. الفراغ هنا لا يُترجم تلقائيًا باجتياح عسكري مباشر، بل يمنح العدو هامشًا أوسع لتكثيف سياسة الأمر الواقع: اعتداءات أقل كلفةً سياسيًا، خروقات أوسع من دون شهود دوليين، وتوسيع تدريجي لحرية الحركة تحت عناوين أمنية فضفاضة. هكذا تُدار السيادة بالتآكل لا بالاقتحام، وبالإنهاك لا بالاحتلال المعلن.
في الساحات الثلاث، لا تنتقل إسرائيل من العنف إلى السلام، بل من عنف مكشوف إلى عنف مُقنَّع حين يصبح الأول مكلفًا، ويغدو الثاني أكثر قدرة على تثبيت النتائج. القانون في الضفة، والزمن في غزة، والضغط الرمادي في الجنوب، ليست أدوات متناقضة، بل مستويات مختلفة لإدارة صراع واحد لا يُراد له أن يُحل، بل أن يُدار إلى أجل غير مسمّى.
الخطر الأكبر في هذا السياق ليس التصعيد بحدّ ذاته، بل الاعتياد عليه. حين يتحوّل القصف إلى خبر عابر، والخرق إلى تفصيل يومي، والاستنزاف إلى واقع مقبول، تكون المعركة قد انتقلت من الميدان العسكري إلى الوعي العام. هنا، يُستنزف مفهوم السيادة من دون حرب، وتُعاد هندسة الحدود عمليًا لا قانونيًا، وتفقد المواجهة معناها من دون أن تختفي.
في المحصّلة، تكشف الساحات الثلاث عن مرحلة جديدة من إدارة الصراع، تتقدّم فيها أدوات الضغط غير المباشر على المواجهة المفتوحة. التحدّي الحقيقي لم يعد في منع الحرب، بل في منع تحوّل هذا النمط من العنف المُقنَّع إلى نظام دائم، يُدار فيه الصراع بلا كلفة، وتُستنزف فيه السيادة بلا مواجه.
كاتب لبناني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر