الأربعاء , فبراير 18 2026
الرئيسية / اراء / واشنطن وطهران والقدس في مواجهة تاريخية.. من يرمش أولاً؟

واشنطن وطهران والقدس في مواجهة تاريخية.. من يرمش أولاً؟

جاسم العزاوي*
لقد دخلت المواجهة بشأن إيران منطقة مجهولة، لم يغير معالمها خرق دبلوماسي، بل تدخل هادئ وحاسم من خصوم أمريكا الرئيسيين. ما كان يوماً مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران تطور الآن إلى مباراة شطرنج ثلاثية الأبعاد، حيث تنشر الصين وروسيا قدرات عسكرية وتقنية تتحدى بشكل جوهري حرية الحركة الأمريكية في المنطقة.
لا يزال المحرك الأساسي للسياسة الأمريكية ثابتاً: المخاوف الأمنية الإسرائيلية، التي تضخمها دوائر انتخابية محلية مؤثرة، لا تزال تملي نهج واشنطن. إن المطالب المقدمة لطهران صارمة ولا تلين: الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم، وتفكيك قدرات الصواريخ البالستية، والتخلي عن شبكات الوكلاء الإقليميين. هذه ليست مواقف تفاوضية، بل هي شروط استسلام مصممة لتجريد إيران من السمات التي تعتبرها ضرورية لسيادتها وأمنها.
ومع ذلك، فقد تزحزح المشهد الاستراتيجي تحت هذه المطالب بطرق بدأ صناع القرار في واشنطن لتوهم في استيعابها. فقد خلصت بكين وموسكو إلى أن بقاء إيران كلاعب مستقل ليس مجرد تفضيل دبلوماسي، بل مصلحة وطنية حيوية. بالنسبة للصين، تمثل إيران ما هو أكثر بكثير من مجرد مورد للطاقة؛ فهي المرتكز الغربي الذي لا غنى عنه لمبادرة “الحزام والطريق”، والبوابة التي تربط القوة الاقتصادية الصينية بأوروبا وأفريقيا. أما بالنسبة لروسيا، فإن طهران تعمل كحاجز حاسم ضد التمدد الغربي وشريك في تحدي الهيمنة الأمريكية في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

لقد وصل التعبير الملموس عن هذه الحسابات الاستراتيجية إلى بحر عمان في شكل أصول بحرية صينية متطورة. نشرت بكين مدمرتها الأولى إلى جانب سفينة متخصصة في استخبارات الإشارات، ليس كبادرة رمزية بل كمنصات عملياتية توفر مراقبة على مدار الساعة لتحركات البحرية الأمريكية. هذه السفن، المدمجة مع نظام “بيدو” الصيني للملاحة عبر الأقمار الصناعية، خلقت بنية استخباراتية مستمرة تغذي مباشرة التخطيط الدفاعي الإيراني. لم يعد بإمكان مجموعات الضرب الأمريكية التحرك دون مراقبة؛ فكل حركة لحاملة طائرات، وكل مسار لتزويد الوقود جواً، وكل إعادة تموضع لطراد صواريخ، أصبحت الآن مرئية لطهران في وقت يقارب الحقيقي.
يمثل هذا تحولاً جذرياً في الديناميكيات العسكرية الإقليمية. فمخططو البنتاغون، الذين اعتادوا العمل بهيمنة معلوماتية وعنصر مفاجأة استراتيجي، يواجهون الآن خصماً مجهزاً بنفس الوعي الظرفي الذي اعتبروه طويلاً أمراً مفروغاً منه. والتبعات العملياتية عميقة: فقد تغيرت حسابات المخاطر لأي عمل عسكري بشكل جوهري.
أما المساهمة الروسية، وإن كانت أقل وضوحاً، فقد تثبت أنها ذات أهمية مماثلة. فخلال الصراع الذي استمر اثني عشر يوماً واختبر البنية التحتية لإيران وصمودها، قدمت موسكو قدرات تجاوزت بكثير الدعم الخطابي. وعندما شلت الهجمات السيبرانية الإسرائيلية والأمريكية شبكة الاتصالات الإيرانية — وهي عملية معقدة صممت لتعمية هيكل القيادة في طهران — وصلت الفرق الفنية الروسية في غضون 48 ساعة. وبالعمل جنباً إلى جنب مع المهندسين الإيرانيين، استعادوا الشبكات الحيوية، مما أظهر قدرة والتزاماً يشيران إلى علاقة أعمق بكثير من مجرد تحالف انتهازي.
تشير رحلات الشحن المتعددة من المنشآت العسكرية الروسية إلى طهران إلى نقل معدات لا تزال غير معترف بها رسمياً ولكنها مهمة عملياتياً. ومن المرجح أن تشمل هذه المعدات أنظمة دفاع جوي متطورة، وأجهزة اتصالات آمنة، وربما قدرات هجومية مصممة لتعقيد أي تدخل عسكري. الرسالة واضحة لا لبس فيها: إيران لن تقف وحدها.
تجد الإدارة الأمريكية نفسها محاصرة بين ضغوط لا يمكن التوفيق بينها. فالتصنيفات السياسية المحلية، وخاصة نفوذ المانحين والدوائر الانتخابية المؤيدة لإسرائيل، تتطلب تحركاً ملموساً. إن زيارة رئيس الوزراء نتنياهو الأخيرة للبيت الأبيض — حيث نال زعيم متهم بشكل موثوق بارتكاب جرائم حرب في غزة كامل التكريم الدبلوماسي — تؤكد القيود السياسية التي تشكل السياسة الأمريكية. بل إن الرئيس نفسه اعترف بأن إطاره الأخلاقي يعلو فوق القانون الدولي، وهو اعتراف لافت يسلط الضوء على الأسس الأيديولوجية للاستراتيجية الحالية.
ومع ذلك، فإن هذه الضرورات السياسية تصطدم الآن بحقائق عسكرية لا يمكن تمنيها بعيداً. فعملية يناير التي تم إلغاؤها، والتي صُورت في البداية على أنها خداع استراتيجي، تبدو في وقت لاحق وكأنها كانت اعترافاً بتغير الظروف. إذ أدت التقييمات الاستخباراتية التي كشفت عن الوجود والقدرات البحرية الصينية إلى تريث قيادة البنتاغون، مما أجبرهم على إعادة تقييم الافتراضات بشأن المخاطر المقبولة.
أما المسار الدبلوماسي الحالي، الذي يصفه الجانبان بأنه “مفاوضات”، فيسير تحت ذرائع واهية. فقد أبدت إيران مرونة محتملة بشأن مستويات التخصيب — ربما بقبول سقف يتراوح بين 15 و60 بالمئة — ولكن فقط مقابل رفع كامل للعقوبات. وهذا أمر غير وارد بالنسبة لواشنطن، التي ترى في العقوبات عقاباً وأداة ضغط في آن واحد. والنتيجة هي مسرحية دبلوماسية تؤدى للجماهير المحلية بدلاً من كونها سياسة دولية جادة.
وفي هذه الأثناء، تستمر بنية الأمن الإقليمي في التطور في اتجاهات غير مواتية للمصالح الأمريكية. فكل شهر يمر دون حل يشهد تكاملاً أعمق بين الأنظمة الإيرانية والصينية والروسية — عسكرياً واستخباراتياً واقتصادياً. وما بدأ كتعاون تكتيكي يتبلور الآن في شراكة استراتيجية، مما يخلق بالضبط نوع التحالف الخصم الذي سعت السياسة الأمريكية تاريخياً لمنعه.
لم يعد السؤال ما إذا كانت واشنطن قادرة على إجبار إيران على الاستسلام عبر الضغط، بل ما إذا كانت تمتلك الخيارات العسكرية والإرادة السياسية للعمل في بيئة تصاعدت فيها التكاليف بشكل كبير، وتضاءلت فيها احتمالات النجاح بالمقابل. قد تحدد الإجابة ليس فقط مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية، بل المسار الأوسع للقوة الأمريكية في منطقة هيمنت عليها لعقود.
*كاتب واعلامي عراقي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حرب أو لا حرب!

د. طلال أبوغزاله* لا تزال هذه المنطقة بأسرها، دولا وشعوبا، تبحث عن جواب للسؤال الكبير: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *