الأربعاء , فبراير 18 2026
الرئيسية / اراء / القيم الثقافية والتغير الاجتماعي!

القيم الثقافية والتغير الاجتماعي!

أحمد اويصال*
تمثل القيم الثقافية منظومة من المعتقدات والأعراف والممارسات المشتركة التي تسهم في تشكيل هوية المجتمع وتوجيه سلوك أفراده، إذ تحدد ما يُعدّ خيرًا وجميلًا ومرغوبًا وأخلاقيًا ومقبولًا في المجتمع، وبذلك تُشكّل أساس الحياة الاجتماعية وتؤثر في العلاقات الإنسانية وقرارات الأفراد ونظرتهم إلى العالم، كما تُعدّ المحدد الرئيسي لخصائص المجتمع العامة. وتنتقل هذه القيم من جيل إلى آخر عن طريق التنشئة الاجتماعية والتعليم والتقاليد الأسرية، بينما يشير التغير الاجتماعي إلى التحولات التي تطرأ على الثقافة والمؤسسات والاتجاهات والسلوكيات داخل المجتمع مع مرور الزمن، ومن ثمّ فإن تغيّر القيم الثقافية يعكس في الوقت ذاته تغيّر المجتمع نفسه.
إن فهم العلاقة بين القيم الثقافية والتغير الاجتماعي يُعدّ ضروريًا لاستيعاب كيفية تغيّر المجتمعات وتكيّفها في عالم يتغير بسرعة تحت تأثير العولمة. وقد تنبع هذه التحولات من ديناميات داخلية أو من تأثيرات خارجية، كما يمكن أن تكون تدريجية أو سريعة. غير أنّه من الواضح أن وتيرة التغير قد تسارعت في عصر التكنولوجيا والعولمة. كما أن القيم الإسلامية تُعرّف المجتمع المسلم وتشكّل هويته، ومن أبرزها: احترام كبار السن، والتضامن الاجتماعي، والتواضع، وكثرة الأولاد، والعمل، والصدق، والتقوى، والصبر، والعفة، وحسن الجوار، والقرض الحسن، والوفاء بالوعد، والشكر، وطلب العلم، والصدقة.
لقد أسهمت هذه القيم منذ زمن بعيد في ترسيخ الاستقرار والاستمرارية وتعزيز الشعور بالانتماء داخل مجتمعاتنا، وظلّت حاضرة وفاعلة في مختلف المراحل التاريخية. كما عبّرت عن قوة المجتمعات المسلمة، إذ مكّنتها من الحفاظ على الإنتاج والتكافل الاجتماعي سواء في أوقات الفقر أو في فترات الثراء. غير أنّ هذه القيم تواجه اليوم تأثيرات متزايدة ناتجة عن عوامل متعددة، مثل التطورات التكنولوجية، والحركات الاجتماعية، والتحولات الاقتصادية صعودًا أو تراجعًا، والتغيرات الديموغرافية، والتحديات البيئية. إضافة إلى ذلك، تفرض الهجرة والتجارة الدولية والتبادل الثقافي أنماطًا جديدة من التفكير، قد تتحدى المعايير التقليدية وتدفع المجتمعات إلى التكيّف معها أو مقاومتها.

رغم تأثر الثقافة الإسلامية بالعوامل العامة المؤثرة في المجتمعات، فإنها تشهد في عصر العولمة والإنترنت تحولات عميقة قد تصل في بعض جوانبها إلى التراجع والتآكل . ومن المؤكد أن القيم الإسلامية ليست جامدة، بل تمتلك مرونة تسمح لها بالتكيف مع المستجدات والظروف المتغيرة، إلا أن القيم التي يجري الترويج لها عالميًا تشكل تحديًا حقيقيًا لتنمية المجتمعات الإسلامية، بل قد تهدد مستقبلها عبر دفعها نحو مزيد من الضعف والانحدار. ومن ثمّ فإن استعادة القيم التي فقدت حضورها أو تراجعت مكانتها لا يمكن أن تتحقق إلا بوعي مجتمعي عالٍ وجهود جادة ومتواصلة.

أدت العولمة إلى انتشار نزعات الفردية والتراجع عن قيم العفّة، الأمر الذي بدأ يزعزع النظام الاجتماعي داخل المجتمعات المسلمة ويضعف تماسكها. كما أن المكانة التي كانت تُمنح للأسرة وللإنجاب، وخاصة قيمة كثرة الأطفال، أخذت تتراجع بصورة ملحوظة تحت تأثير الثقافة الغربية، مما أسهم في بعض الدول الإسلامية في ظاهرة شيخوخة السكان وتناقص عددهم. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد كبار السن يحظون بالقدر نفسه من الاحترام والرعاية التي كانوا ينالونها سابقًا. ومع انخفاض الالتزام بقيمة الزواج، اتجه بعض الشباب إلى العزوف عنه، بينما أدى ضعف قيم الصبر والعفة لدى بعض المتزوجين إلى ارتفاع معدلات الطلاق، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار الأسرة ويهدد توازنها الاجتماعي.

مع اتساع ظاهرة التحضر وتزايد الهجرة، بدأت قيمة حسن الجوار تتراجع بشكل ملحوظ. فأصبح كثير من الناس الذين يسكنون في الأبراج والعمارات الكبيرة لا يلتقون بجيرانهم، بل قد يعيشون سنوات دون أن يعرفوا أسماء جيرانهم. كما أن انتشار بطاقات الائتمان والمعاملات المصرفية الحديثة أدى إلى إضعاف قيمة القرض الحسن، حتى كادت تختفي من الواقع الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، فإن تراجع الالتزام بالوفاء بالديون وبالوعود جعل الكثيرين يترددون في إقراض الآخرين. وبذلك أصبح المحتاجون إلى المال مضطرين للجوء إلى البنوك والقروض ذات الفوائد، وقد ينتهي بهم الأمر أحيانًا إلى الوقوع في دوامة الديون والربا.

بالطبع، ليست كل القيم التي جاءت مع العولمة ضارّة؛ فهناك قيم مفيدة للغاية مثل المساواة، وحقوق الإنسان، والحرية، والعمل، والتسامح، والمسؤولية الاجتماعية، والوعي البيئي. ويمكن دمج هذه القيم بسهولة مع القيم الإسلامية. بل يمكن أيضًا إقامة توازن مفيد بين النزعة الجماعية والفردية. وقد تكون الثقافة الإسلامية هي البديل الوحيد القادر على مقاومة الهيمنة الثقافية العالمية ذات المركزية الغربية. وبما أنّ يستحيل إغلاق أنفسنا أمام العالم الخارجي، فإننا نستطيع دون الوقوع في التشاؤم أن نتمسك بقيمنا، وأن نُحدّث أنفسنا ونطورها. لكن قبل كل شيء، يجب أن نثق بثقافتنا، وأن نطلق حملة كبيرة لحمايتها وصونها.
*نقلا عن الشرق القطرية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

واشنطن وطهران والقدس في مواجهة تاريخية.. من يرمش أولاً؟

جاسم العزاوي* لقد دخلت المواجهة بشأن إيران منطقة مجهولة، لم يغير معالمها خرق دبلوماسي، بل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *