الأربعاء , فبراير 18 2026
الرئيسية / اراء / حرب أو لا حرب!

حرب أو لا حرب!

د. طلال أبوغزاله*
لا تزال هذه المنطقة بأسرها، دولا وشعوبا، تبحث عن جواب للسؤال الكبير: هل تقع الحرب التي لا تزال طبولها تُقرع بقوّة، وتُحشد لها أعظم الأساطيل وآلات القتل والدمار والخراب، أو تنتهي المحادثات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران – البلد المستهدف – إلى تسوية ما، قد تجنّب المنطقة خرابا ودمارا وهدرا للموارد إضافة لضحايا بشرية ليس من السهل تخيّل ما قد تصل اليه، لأنه من المعروف ان الذين يدفعون بقوة باتجاه المواجهة العسكرية لا يأبهون، كما يبدو، بحجم المآسي والأزمات والكوارث التي سينتج عنها.
انطلقت من دول المنطقة، خاصة تلك الدول التي ستجد نفسها ساحة لتلك الحرب العبثية، انطلقت منها أصوات حكيمة تدعو للعمل على حل الخلافات بالحوار والدبلوماسية الهادئة، والاحتكام لقواعد القانون الدولي ومراعاة مصالح الدول والشعوب – ليس فقط تلك المهددة مباشرة، بل وحتى دول وشعوب بعيدة عن ميدان الصراع، لأن الحرب إن بدأت، ستطال بِشرِّها ودمارها وعواقبها الفظيعة معظم مناطق العالم الأخرى، وربما لعقود متواصلة.
لقد استجاب الرئيس الامريكي لهذه الاصوات الحكيمة، ما بعث على قدر من التفاؤل، ولكن بلا أي قدر من القناعة بأن شبح الحرب قد تلاشى. فلقد هرع زعيم الكيان الصهيوني نتنياهو على الفور الى واشنطن ليفاقم التحريض، وليكثّف العراقيل في طريق أية تسوية سياسية ممكنة بين إيران والولايات المتحدة.
في الظاهر يبدو الخلاف وكأنه امريكي إيراني، وكأن موضوع الخلاف هو برنامج إيران النووي (الذي سبق لكل من الولايات المتحدة وللكيان الصهيوني، التباهي بتدميره في حربهما على إيران في صيف العام الماضي).

ومع أن إيران أبدت كل الاستعداد الممكن للتفاوض الهادف للوصول لحلول معقولة وفق قواعد القانون الدولي، ووفق ما يوفر الضمانات السلمية لبرنامجها النووي الخاضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية أصلا؛ مع ذلك فإن رئيس الكيان الصهيوني يتحرك في كل اتجاه، ويحشد كل جهد، من أجل الحيلولة دون الوصول لأي اتفاق، مهما كان ذلك الاتفاق ملبيا للشروط الأمريكية، لان التزام الكيان الصهيوني بمواصلة حروبه العدوانية والمدمرة في كل اتجاه لا يزال الالتزام الذي يتصدر أولوياته.
أحد أهم أساليب التحريض هي وضع شروط إسرائيلية تعجيزية للاتفاق، تضاف للشروط الأمريكية وهي: بالإضافة لحرمان إيران من حقها المشروع في برنامج نووي سلمي، حتى ولو لأغراض طبية علاجية، فنتنياهو يريد إيران منزوعة السلاح تماما كما هو الحال بالنسبة للمقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية وسوريا والعراق وكل بلد في المنطقة من أجل هيمنة صهيونية كاملة ومطلقة على كل المنطقة.
الشروط التعجيزية تتجاوز كل الحدود عندما تتضمن إملاءات تتعلق بعلاقات إيران الخارجية وبحقها في امتلاك السلاح الذي تدافع به عن وجودها من قبل كيان تُفتح له كل ترسانات السلاح في العالم. ويحظى بدعم مطلق من دول عديدة لا للدفاع عن نفسه بل لمواصلة العدوان على غيره.
يؤسفني أن اقول إنني أتوقع لهذا التحريض الصهيوني أن يتغلب على كل الأصوات العاقلة التي تحذر بشدة من مخاطر هذه الحرب المدمرة إن وقعت بالفعل.
كما أنه من المؤلم حقا أن يُستجاب لمثل هذا التحريض قياسا على تجارب سابقة تغلّب خلالها الشر والظلم والافتراء والتحريض والكذب العاري على كل صوتٍ خيّرٍ آخر.
والأغرب أن يُستجاب لطلب المعتدي، ولمرتكب الإبادة، والتطهير العرقي، وكل الجرائم المدانة قانونينا وإنسانيا وأخلاقيا، بتجريد الضحية من أية وسيلة للدفاع عن وجودها وحقوقها المشروعة، من أجل مواصلة جرائمه التي لم تتوقف منذ قيام هذا الكيان الغاصب على أرض فلسطين، وتمدده في أراضي الدول المجاورة.
بالمقابل لا نسمع من يطالب بنزع سلاح المعتدي ولا عن أي اعتراض على امتلاك الكيان الصهيوني لترسانة نووية ضخمة جاهزة للإطلاق (وقد كان الكيان على وشك استخدامها عام 1973)؛ ولا يزال ذلك الخطر ماثلا اليوم.
لا أحد يذكر ذلك، أو يذكر شيئا عن قطعان المستوطنين الذين سلحهم الكيان وأطلقهم لقتل المدنيين في كافة أنحاء الضفة الغربية، وحرق بيوتهم ومزارعهم وتدمير ممتلكاتهم ونهب أموالهم، بحماية من الجيش الصهيوني (الأكثر أخلاقية في العالم).
ولا أحد يتحدث عن أن هذا الجيش لا يزال يواصل حربه على غزه ولبنان غير آبه بقرارات مجلس الأمن بوقف إطلاق النار. فالكيان يعرف أنه ومنذ نشأ مستثنى من كل القوانين.
أمام هذه المفارقات العجيبة، وأمام هذا الصمت الدولي المذهل حيالها، لنا كل الحق أن نتوقع أنه وبالرغم من كل ما نشهده من فظاعة وانتهاك وجرائم وحروب ودمار، لا يزال الطريق طويل والمخاطر كبيرة.
*كاتب وخبير اقتصادي اردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

واشنطن وطهران والقدس في مواجهة تاريخية.. من يرمش أولاً؟

جاسم العزاوي* لقد دخلت المواجهة بشأن إيران منطقة مجهولة، لم يغير معالمها خرق دبلوماسي، بل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *