كريستينا شطح*
في مطلع 2026، تبقى الحدود اللبنانية–السورية، وتحديدًا البقاع اللبناني، منطقة توتر دائم، لكنها ليست ساحة حرب مفتوحة. التوترات على هذه الحدود ليست مفاجئة، فهي نتيجة تداخل مصالح حزب الله والميليشيات السورية، التي تضم إلى صفوفها جهاديين من الشيشان والإيغور وأفغانستان، مع مصالح القوى الإقليمية، خصوصًا أميركا وإسرائيل، اللتين تراقبان أي تطورات يمكن أن تغيّر ميزان القوى في المنطقة. التقارير التي أشارت إلى أن حزب الله استحوذ على مخزونات صواريخ كانت مملوكة للنظام السوري السابق أضافت طبقة جديدة من التعقيد، فقد أصبحت هذه الأسلحة موضوع مراقبة وقلق لدى دمشق، وأدخلت لبنان في معادلة أمنية دقيقة، إذ إن أي تحرك خاطئ يمكن أن يفتح الباب لتصعيد خطير على الحدود.
زيارة وفد القوات اللبنانية إلى دمشق جاءت في هذا السياق، حيث تركزت على مناقشة مخاطر تحركات حزب الله والتحركات السورية المحتملة، خصوصًا فيما يتعلق بالأسلحة والصواريخ. النقاش فيما أُعلن عنه لم يكن تنسيقًا هجوميًا، بل محاولة لفهم النوايا وتأمين معلومات حول كيفية منع أي تصعيد محتمل على الأراضي اللبنانية. هذا التحرك يعكس درسًا مستفادًا من التاريخ اللبناني؛ ففي حرب السنتين استعانت أحزاب اليمين المسيحي بالجيش السوري أولًا ضد المنظمات الفلسطينية والحركة الوطنية، ثم انقلبت لاحقًا على الجيش السوري عندما تغيرت الموازين السياسية الإقليمية، ما يوضح أن أي حليف يمكن أن يتحول إلى خصم سريعًا إذا اختلفت مصالحه، والعكس صحيح.
الميليشيات الجهادية السورية، التي تم حشدها عند الحدود، تتحرك وفق مصالح الدولة السورية الجديدة والحاجة إلى استقرار حدودها وتلبية أجندات خارجية، وقد يكون ذلك وفق خطط هجومية ضد حزب الله ولبنان إذا تغيرت الظروف بشكل دراماتيكي. منطق هذا الحشد المعلن عنه هو التحكم بالحدود ومنع أي اختراق أمني أو تهريب أسلحة، وهو في الظاهر يتعاون مع السلطات اللبنانية على ضبط الوضع دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. حزب الله بدوره يشكل قوة ردع حقيقية، ويقرأ أي تحرك على الحدود ضمن سياق أوسع، ما يجعل أي محاولة للتحرك السوري ضد لبنان أو ضد الحزب يُحسب لها جيدًا؛ تبدأ على شكل ضغط سياسي أو مناوشات أمنية صغيرة، لتنتهي بحرب شاملة إذا ما قررت واشنطن ذلك.
الملف المتعلق بالأسلحة والصواريخ يزيد من حساسية الحدود. دمشق تعتبر أن أي استحواذ غير رسمي على هذه الصواريخ يهدد سيادتها، بينما حزب الله يرى أن هذه القوة ضرورية لردع أي تهديدات إسرائيلية، ما يخلق توترًا دائمًا قابلًا للاشتعال إذا لم تتم مراقبته بعناية.
على مدى 2026–2027، من المتوقع أن تبقى الحدود اللبنانية–السورية منطقة توتر مراقَب، حيث تستمر القوى في اختبار حدود النفوذ والسيطرة. الميليشيات السورية ستُركّز على مراقبة الوضع، ومنع التهريب، وحماية الحدود، بينما سيستمر حزب الله في تعزيز قدرته على الردع. احتمالات أي تدخل خارجي، سواء من إسرائيل أو أميركا أو سوريا، ستكون محدودة نسبيًا، مع تركيز على الضغط السياسي والاستراتيجي أكثر من تحويله إلى صراع عسكري مفتوح، إلا إذا تدخل حزب الله مباشرة لإسناد إيران في حال توجيه ضربات جوية ضدها.
السيناريوهات المحتملة تشمل عدة مسارات: يمكن أن تتحول المناوشات المحلية إلى تصعيد محدود على حدود البقاع إذا ظهرت أي محاولات لاستعادة الصواريخ، أو يمكن أن يبقى الوضع ضمن توازن هش قائم على الردع والمراقبة، ما يسمح للقوى اللبنانية والسورية بمواصلة تبادل المعلومات والاحتفاظ بسيطرة سياسية وأمنية نسبية. هذه الديناميكية تجعل أي تصعيد غير محسوب محفوفًا بالمخاطر العالية، خصوصًا أن أي حرب مفتوحة ستضع كل الأطراف، الداخلية والخارجية، أمام تبعات مباشرة على صعيد الأمن الإقليمي والدولي.
أما الحشد الشعبي العراقي، فدوره المحتمل يبقى مرتبطًا بطبيعة التصعيد نفسه. تدخله المباشر لصالح حزب الله داخل الأراضي اللبنانية ليس خيارًا واقعيًا في ظروف التوتر المحدود، لأن تحركًا كهذا يحتاج غطاءً سياسيًا عراقيًا وإقليميًا، ويعني عمليًا انتقال الصراع إلى مستوى إقليمي واسع. الاحتمال الأكثر واقعية أن يرفع جاهزيته داخل العراق وعلى حدوده مع سوريا، لمنع تمدد أي صراع إلى الداخل العراقي، وأن يبقى عنصر ضغط استراتيجي احتياطي لا قوة تدخل ميداني مباشر، إلا إذا تحولت المواجهة إلى حرب متعددة الجبهات.
في المحصلة، ما يجري على حدود البقاع ليس مقدمة حرب بقدر ما هو اختبار دائم لميزان الردع. فكل طرف يملك القدرة على إشعال المواجهة، لكن أي طرف لا يملك القدرة على تحمّل نتائجها منفردًا. لذلك سيبقى المشهد محكومًا بمنطق الضغط المتبادل لا الانفجار، وبقاعدة الاشتباك المحسوب لا المغامرة المفتوحة. وحده تغيّر كبير في المعادلة الإقليمية قادر على نقل الحدود من حالة التوتر المزمن إلى لحظة الانفجار، أما قبل ذلك فستظل المنطقة تعيش على حافة الاحتمال لا في قلب الحرب.
*كاتبة لبنانية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر