عدنان نصّار*
يأتي رمضان هذا العام، كما في أعوامٍ مضت، مثقلاً بأسئلة الواقع العربي الذي يرزح أصلًا تحت وطأة أزماتٍ متلاحقة. أزماتٌ اقتصادية تُرهق الطبقات الوسطى وتدفع بالفئات الأكثر هشاشة إلى حافة القلق اليومي، صراعات سياسية تستنزف الطاقات الوطنية، وحروب مفتوحة في أكثر من جغرافيا تُضاعف الشعور باللايقين. ومع ذلك، يطلّ الهلال كل عام كرسالةٍ رمزية تقول إن للروح موعدًا مع المراجعة، وإن للقيم فرصةً جديدة قبل أن يغلبها ضجيج المصالح.
رمضان ليس شهرًا عابرًا في الذاكرة الجمعية؛ إنه موسم اختبارٍ حقيقي للأخلاق العامة. ففي الوقت الذي تتكدّس فيه الملفات السياسية على طاولات القرار، وتتسارع فيه الحسابات الرقمية للأرباح والخسائر، يذكّر الصوم بأن الإنسان ليس رقمًا في معادلة اقتصادية، ولا ورقةً في بازار المساومات. الصوم يعيد ترتيب الأولويات: الكرامة قبل الرفاه الشكلي، والعدالة قبل الاستقرار المؤقت، والإنسان قبل أي اعتبارٍ آخر.
غير أن السؤال الجوهري يظل قائمًا:
هل تتصالح السياسة فعلًا مع القيم في رمضان، أم تكتفي باستعارة لغته الروحية لتمرير خطابٍ أكثر ليونة وأقل حدّة؟
في كثير من الأحيان، نشهد موسميةً في الخطاب العام؛ تُرفع شعارات التكافل، وتُطلق المبادرات الخيرية، وتكثر الصور الرسمية على موائد الإفطار الجماعي. غير أن القيم لا تُقاس بعدد الولائم ولا بحجم الحملات الإعلامية، بل بمدى اقتراب السياسات من هموم الناس اليومية. العدالة الاجتماعية ليست طبقًا يُقدَّم عند الغروب، بل قرارًا يُتخذ عند الفجر، قبل أن تبدأ دورة المعاناة من جديد.
رمضان، في جوهره، تمرينٌ أخلاقي على الإحساس بالآخر. حين يجوع المسؤول كما يجوع الفقير، ولو لساعاتٍ محدودة، يُفترض أن تتقلّص المسافة بينهما، وأن تتسع مساحة التعاطف الحقيقي. غير أن الفارق الجوهري لا تصنعه ساعات الصيام وحدها، بل تصنعه قراراتٌ عادلة، وتشريعاتٌ منصفة، وموازناتٌ تنحاز بوضوح للفئات الأكثر احتياجًا، لا أن تكتفي بإدارة العجز على حسابهم.
في زمن الأزمات، يصبح رمضان مرآةً كاشفة لا تُجامل أحدًا. يكشف هشاشة التضامن حين يكون موسميًا، ويُعرّي الشعارات حين لا تترجمها أفعال. وفي المقابل، يُظهر صدق النوايا حين تتحول روح الشهر إلى ثقافةٍ مستدامة في الإدارة والسياسة والاقتصاد. فالمجتمعات التي تنجح في تحويل القيم الرمضانية إلى نهجٍ دائم — لا إلى حالةٍ مؤقتة — هي وحدها القادرة على الخروج من أزماتها بأقل الخسائر وأكثر الدروس.
ليس المطلوب أن تتحول السياسة إلى خطابٍ وعظي، ولا أن تُدار الدول بالعاطفة. فالدولة الحديثة تقوم على المؤسسات والتخطيط والعقلانية. لكن المطلوب — وببساطة شديدة — أن تتذكّر السياسة أن القيم ليست ترفًا أخلاقيًا، بل شرطًا للاستقرار الحقيقي. فلا تنمية بلا عدالة، ولا استقرار بلا ثقة، ولا ثقة بلا شعورٍ عام بأن الكرامة مصونة.
رمضان لا يطلب المستحيل؛ لا يطلب إلا قدرًا من الاتساق بين القول والفعل، بين الخطاب والممارسة. يطلب أن يكون الإحساس بالناس سياسةً عامة لا مناسبةً عابرة، وأن تتحول موائد الإفطار إلى سياسات إنصاف، وأن يُترجم الدعاء إلى قرار.
ويبقى السؤال، بعد انقضاء الشهر وانطفاء الفوانيس:
هل كان رمضان محطةً عابرة في الخطاب السياسي، أم بداية مصالحةٍ حقيقية بين السلطة والقيم؟
ذلك هو الامتحان…الذي نخضع له كل عام.
*كاتب وصحفي أردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر