علياء الكايد*
هل نحن أمام لحظة الولادة الفعلية للنظام العالمي الجديد؟ وهل ما نشهده في الشرق الأوسط اليوم هو الطلقة الأخيرة في مخاض بدأ مع اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا؟ منذ أن انفجرت تلك المواجهة لم تكن الحرب نزاعاً حدودياً تقليدياً، بل كانت الشرخ الأول في بنية النظام الذي تشكل بعد الحرب الباردة. هناك سقطت مسلمة استقرار أوروبا، وتحول الغاز إلى سلاح استراتيجي، وأُعيد تعريف العقوبات كأداة حرب شاملة. في كييف بدأ المخاض، لكن المخاض لم يكتمل هناك.
المرحلة الثانية تنتقل الآن إلى الشرق الأوسط، حيث لا تتحرك الجيوش وحدها، بل تتحرك أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد وممرات الشحن وأسواق المال. لم يعد الإقليم ساحة نزاع تقليدية، بل أصبح غرفة عمليات لإعادة هندسة النظام الدولي. المعادلة لم تعد عسكرية بحتة، بل اقتصادية استراتيجية مركبة من يضبط إيقاع النفط يضبط إيقاع الاقتصاد، ومن يضبط الاقتصاد يتحكم بالسياسة، ومن يتحكم بالسياسة يكتب قواعد العالم القادم.
إذا كشفت الحرب في أوروبا هشاشة الأمن القاري، فإن الخليج يكشف هشاشة الأمن الطاقوي العالمي. وإذا استخدمت موسكو الغاز كسلاح ضغط، فإن الخليج وإيران يمتلكان مفتاح النفط، والفارق بين الغاز والنفط هو الفارق بين أزمة إقليمية واضطراب كوكبي شامل. النفط هو الدم السائل للصناعة العالمية، وأي اختلال في تدفقه لا يربك سوقا بعينها، بل يعيد تسعير المستقبل بأكمله.
في قلب هذه المعادلة تقف إيران، لا كدولة إقليمية فحسب، بل كعقدة جيوسياسية تتقاطع عندها مصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا. موقعها على تخوم الخليج، قدرتها على التأثير في ممرات الطاقة، وصلتها بمحاور إقليمية متعددة، تجعلها نقطة ارتكاز في صراع الهيمنة العالمية. النفط الإيراني ليس مجرد برميل إضافي في السوق، بل عنصر توازن في المعادلة الصينية. بكين التي تبني مشروعها العابر للقارات عبر مبادرة” الحزام والطريق” لا تحتاج إلى طرق وسكك حديد فقط، بل إلى تدفق طاقة مستقر وبأسعار يمكن التنبؤ بها، وخارج الهيمنة الغربية المباشرة. إيران منحت الصين هامش مناورة في مواجهة العقوبات، ومتنفسا استراتيجياً في لحظة اشتداد التنافس مع واشنطن.
إخراج إيران من المعادلة لا يعني تقليص إمدادات فحسب، بل يعني ضرب جزء من البنية غير المرئية للصعود الصيني ،عندها ستجد بكين نفسها أمام خيارين كلاهما مكلف إما تعميق الاعتماد على النفط الروسي بما يحمله من تبعية سياسية وتقلبات جيوسياسية، أو العودة الجزئية إلى أسواق طاقة أكثر خضوعاً للتأثير الأمريكي بما يقلص استقلالها الاستراتيجي. في لحظة تنافس تاريخي بين واشنطن وبكين، تصبح الطاقة أداة تطويق صامتة، أكثر فاعلية وأقل صخباً من حاملات الطائرات.
غير أن الصراع لم يعد طاقويا فقط،. فإلى جانب النفط، برزت التكنولوجيا ، الذكاء الاصطناعي، وسلاسل القيمة الصناعية كساحة موازية لإعادة توزيع القوة. الطاقة تضبط الإيقاع، لكن التكنولوجيا تحدد الاتجاه. وأي خلل في بيئة الطاقة ينعكس فوراً على القدرة الصناعية والتكنولوجية، ما يعيد تشكيل ميزان التفوق العالمي.
هنا يتبدل معنى الصراع. المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة والصين مكلفة إلى حد يصعب احتماله، لكن إعادة تشكيل بيئة الطاقة حول الصين قد تكون أداة إعادة توازن أقل كلفة سياسياً وأكثر عمقاً استراتيجياً. انهيار أو تحييد مصادر الطاقة الإيرانية لا يضعف طهران فقط، بل يضغط على بكين في عصبها الصناعي. ارتفاع تكاليف الإنتاج، اضطراب سلاسل الإمداد، تصاعد التضخم، كلها عناصر تعيد توزيع الميزة النسبية في الاقتصاد العالمي، وتمنح واشنطن فرصة لإعادة التموضع الصناعي والتقني.
السيطرة على النفط الخليجي في هذا السياق ليست هدفاً اقتصادياً مجرداً، بل أداة ضبط للنظام الدولي. أي تصعيد يفضي إلى استهداف منشآت الطاقة أو تعطيل الممرات البحرية أو استهداف للأبار النفطية سيحدث صدمة سعرية عالمية. وقد تلجأ إيران، إذا شعرت باختناق استراتيجي، إلى تهديد بنية الطاقة الخليجية كوسيلة ردع قصوى. هذه ليست فرضية خطابية، بل حسابات باردة في عالم الردع المتبادل. عندها سندخل مرحلة “حرب طاقة مركبة”، حيث تؤثر الصواريخ في البورصات، والطائرات المسيرة تعيد تسعير العقود الآجلة، ويتحول كل حريق في بئر نفط إلى موجة تضخم عابرة للقارات.
وهنا يكمن الفارق الجوهري عن عام 2003. حرب العراق كانت عملية لإعادة ترتيب إقليم. أما أي مواجهة كبرى اليوم فستكون عملية لإعادة ترتيب النظام الدولي نفسه. في 2003 لم تكن الصين بهذا الوزن، ولم تكن سلاسل الإنتاج بهذا التشابك، ولم تكن الأسواق بهذه الحساسية الفورية. اليوم أي اهتزاز في الخليج يرتد خلال ساعات على موانئ آسيا، ومصانع أوروبا، وأسواق نيويورك. العالم أكثر ترابطاً، وبالتالي أكثر هشاشة.
أما روسيا، فستجد نفسها في موقع مزدوج مستفيدة من ارتفاع الأسعار، لكنها أكثر انكشاف أمام اعتماد صيني متزايد عليها. كلما تعمق هذا الاعتماد، تعقدت شبكة التوازن بين موسكو وبكين، وازدادت حساسية أي تحرك أمريكي في فضاء العقوبات وأسواق التأمين وطرق الشحن. الطاقة هنا ليست مورداً فقط، بل أداة لإعادة صياغة التحالفات.
وفي الخلفية يبرز البعد الإسرائيلي. ما يسمى بمشروع “إسرائيل الكبرى” لا يقرأ في هذا السياق كشعار أيديولوجي مجرد، بل كاحتمال جيوسياسي يتغذى من اختلالات التوازن. إضعاف إيران عسكرياً أو اقتصادياً يعني تفكيك جزء من منظومة الردع المحيطة بـإسرائيل، وإزاحة أحد أبرز العوائق أمام تمدد نفوذها في المشرق. في عالم القوة الصلبة، الفراغ لا يبقى فراغاً؛ بل يملأ. وكل اختلال في ميزان القوة يفتح الباب لإعادة رسم خرائط النفوذ وترتيبات الأمن والحدود. لكن توسعاً غير منضبط، أو قراءة مفرطة للفراغ، قد يدفع المنطقة إلى انفجار شامل يرتد على النظام الدولي نفسه، خصوصاً إذا ترافق مع صدمة طاقة عالمية.
نحن إذن أمام احتمال مزدوج إما إعادة هندسة محسوبة لموازين القوة، أو ولادة “فوضى استراتيجية” تتجاوز حدود الإقليم وتدخل العالم في اضطراب ممتد. إذا كان النظام القديم قد بدأ يتفكك في أوكرانيا، فإن اكتمال تفككه قد يعلن من الخليج. وإذا كان المخاض قد بدأ بقطع الغاز الروسي عن أوروبا، فإن مرحلته الأخطر قد تكون في إعادة تشكيل بيئة النفط حول الصين.
السؤال لم يعد من سيربح جولة عسكرية، بل من سيضبط إيقاع الطاقة ويستطيع إدارة صدمتها دون أن تنهار الشبكة الاقتصادية التي يعتمد عليها الجميع في القرن الحادي والعشرين. لأن من يضبط الطاقة لا يتحكم بالاقتصاد فقط، بل يحدد سقف الطموحات الاستراتيجية للقوى الكبرى. وفي زمن كهذا، يصبح النفط أكثر من سلعة، وأكثر من سلاح؛ هنا يصبح قدراً سياسياً يكتب شكل العالم القادم .
*كاتبة اردنية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر