الخميس , مارس 12 2026
الرئيسية / اراء / من (لبؤات الخليج) إلى صواريخ هرمز…!

من (لبؤات الخليج) إلى صواريخ هرمز…!

د. ميساء المصري*
لم يعد ما يجري في الشرق الأوسط مجرد حرب بين دولتين أو صراع تقليدي بين محاور. ما يتكشف تدريجيًا هو انهيار متسارع لمنظومة التوازن التي حكمت المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة. بين عمليات الإجلاء السرية، وصواريخ الطاقة، والتهديدات النووية غير المباشرة، لتتحول المنطقة إلى ساحة اختبار للنظام العالمي الجديد.
أحد أكثر المؤشرات دلالة على حجم القلق داخل إسرائيل كان العملية السرية التي كشفت عنها تقارير عبرية تحت اسم لبؤات الخليج، العملية لم تكن مجرد خطة لإجلاء سياح أو عالقين، بل ترتيبات سياسية ومالية تعكس حجم الخوف من انفجار إقليمي واسع. فبعد اتصال مباشر بين بنيامين نتنياهو وحاكم دولة حليجية، تقرر إجلاء نحو 1200 إسرائيلي من تلك الدولة عبر رحلات تنظمها شركات طيران خليجية، مع تحمل تلك الدولة كامل التكاليف.
هذه الخطوة تحمل دلالات تتجاوز البعد الإنساني. فهي تعكس إدراكًا إسرائيليًا بأن المدن الخليجية أصبحت ضمن مسرح العمليات المحتمل في أي رد إيراني واسع. كما أنها تكشف عن مستوى غير مسبوق من التنسيق السياسي والأمني بينهم منذ توقيع اتفاقيات أبراهام. لكن في المقابل، فإن هذا الانخراط يحمل مخاطرة استراتيجية فكلما ازداد الارتباط العلني بين الجانبين، ازدادت احتمالات أن تصبح البنية الاقتصادية الخليجية هدفًا أكثر عمقا في معادلة الردع الإيرانية.

وفي الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل لتأمين رعاياها، يواجه نتنياهو أزمة داخلية لا تقل خطورة. فقد رفضت الجهات القضائية في إسرائيل طلب العفو الذي تقدم به للهروب من محاكماته الجنائية المرتبطة بقضايا فساد معروفة مثل القضية 4000 والقضية 1000. هذه التطورات تضع الرجل في معادلة سياسية معقدة، رئيس وزراء يقود حربًا إقليمية كبرى، بينما يقف في الداخل تحت تهديد السقوط القضائي.فهل يعني ذلك فتح جبهات حروب أكثر.
الأخطر أن حليفه الأبرز في واشنطن، دونالد ترامب، دخل المعركة بخطاب تصعيدي غير مسبوق. فترامب لم يكتف بالتهديد بضربات عسكرية، بل تحدث صراحة عن جعل إعادة بناء الدولة الإيرانية أمرًا شبه مستحيل إذا تعرضت الملاحة في مضيق هرمز للخطر.ثم تناقض مع تصريحه الاخير بأن الحرب انتهت ؟؟.
هذه اللغة تعكس تحولًا استراتيجيًا في التفكير الأمريكي، من سياسة الردع التقليدي إلى استراتيجية التدمير الوقائي للبنية الاقتصادية للدولة الخصم. لكن هذه المقاربة تحمل مخاطرة هائلة، لأن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل الشريان الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط العالمية.
لهذا السبب جاء تحذير أرامكو السعودية ليكشف الحقيقة الاقتصادية القاسية،استمرار التوتر حول المضيق قد يقود إلى زلزال في أسواق الطاقة العالمية. فالحرب لم تعد حرب صواريخ فقط، بل حرب خنق اقتصادي يمكن أن تضرب الاقتصاد العالمي من قلب الخليج.
في المقابل، حاول الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان طرح معادلة سياسية تبدو بسيطة لكنها تحمل ضغطًا هائلًا على دول المنطقة، طهران مستعدة للتهدئة، بشرط واحد فقط… عدم استخدام أراضي أو مياه الجيران لشن هجمات ضدها. هذه الرسالة ليست موجهة لواشنطن بقدر ما هي موجهة للعواصم الخليجية التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية.
بهذا الطرح تحاول طهران تحقيق هدف استراتيجي واضح، فصل الجغرافيا الإقليمية عن العمليات الأمريكية، وتحويل أي دولة تسمح باستخدام أراضيها للهجوم إلى طرف مباشر في الحرب.
لكن الأخطر ربما لا يكمن في الخليج، بل في التحولات التي بدأت تظهر في ميزان القوة العالمي. فواشنطن اضطرت إلى سحب بطاريات صواريخ باتريوت من كوريا الجنوبية لتعزيز دفاعاتها في الشرق الأوسط. هذا القرار كشف عن حقيقة مقلقة، الحرب تستنزف المخزون الاستراتيجي الأمريكي بوتيرة أسرع مما كان متوقعًا.
النتيجة أن حلفاء الولايات المتحدة بدأوا يشعرون بأن مظلة الحماية الأمريكية لم تعد كما كانت. ففي تركيا طُلب نشر منظومات دفاع إضافية ضمن إطار حلف شمال الأطلسي، بينما عبرت سيول صراحة عن اعتراضها على سحب أنظمتها الدفاعية.
كل هذه المؤشرات تعكس تحولًا تدريجيًا، من هيمنة أمريكية مطلقة إلى مرحلة إدارة الأزمات بدل السيطرة عليها.
و وسط هذا المشهد المعقد، في الجهة الاخرى من العالم يراقب زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون التطورات بعين مختلفة. فبالنسبة له، ما يحدث لإيران يعزز قناعته القديمة، الدول التي لا تمتلك سلاحًا نوويًا تبقى عرضة للضغط العسكري. لذلك يدخل أي تفاوض محتمل مع واشنطن وهو يحمل أوراق قوة نووية حقيقية.
بهذا المعنى، قد يكون أخطر ما ستنتجه هذه الحرب ليس تغير الحدود في الشرق الأوسط، بل تغير قواعد الأمن العالمي. فالدول التي تراقب المشهد قد تستنتج درسًا بسيطًا( الضمانة الوحيدة للبقاء في عالم مضطرب هي امتلاك الردع النووي).
في النهاية، يبدو الشرق الأوسط اليوم كرقعة شطرنج تتحرك عليها قوى كبرى في سباق محموم لإعادة ترتيب النظام الدولي. عمليات الإجلاء، وتحركات الأساطيل، وتهديدات الطاقة، ليست سوى إشارات إلى أن المنطقة دخلت مرحلة إعادة صياغة التوازنات.
والسؤال الذي سيحدد شكل العالم المقبل ليس من سيربح هذه الحرب…
بل أي نظام دولي سيولد من رمادها……….
*كاتبة سياسية اردنية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حين تهتز أسواق الطاقة يدفع العالم كله الثمن!

نور ملحم* في عالم لم يتعافَ بعد من آثار الأزمات المتلاحقة خلال العقد الأخير، تمثل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *