د. ربيع شاكر المهدي*
لم تعد الحروب في الشرق الأوسط تُخاض فقط على الحدود بل على مراكز الثقل التي تحفظ توازن المنطقة وفي قلب هذه المعركة تقف أربع قوى تشكل أعمدة البنية الجيوسياسية للإقليم مصر بثقلها الديموغرافي والعسكري وتركيا بقوتها الصناعية الصاعدة ودول الخليج بما تمتلكه من مفاتيح الطاقة والتمويل العالمي واليمن العقدة الاستراتيجية المكملة لهذه الشبكة فموقع اليمن على مضيق باب المندب يتيح له السيطرة على أحد أهم ممرات الطاقة والتجارة البحرية واستقراره السياسي والأمني يعد عاملاً أساسيًا في حماية شواطئ الخليج من أي تهديدات.
وسأتطرق اليوم لهذه الأربعة الأعمدة مع التركيز على مصر تعالوا لنغوص ونتعرف على ما يجري فهيا بنا:
يُصنف الجيش المصري استراتيجياً كأكبر عائق أمام مشاريع إعادة هندسة المنطقة (الشرق الأوسط الجديد) ومن هنا تنبع أسرار استهدافه.
ولذلك استهداف مصر وجيشها لا يتم عبر مواجهة عسكرية كلاسيكية مباشرة بل من خلال استراتيجية الحصار المتعدد الأبعاد أو ما يُعرف بحروب الجيل السادس والخوارزميات فلم تعد الحروب الحديثة تهدف إلى احتلال الأرض بقدر ما تهدف إلى شلّ الإرادة وتعطيل مراكز الثقل.
يتم استهداف مصر عبر تطويق الجغرافيا بملفات ضاغطة ومشتعلة على كافة الاتجاهات الاستراتيجية أولها الاتجاه الجنوبي سد النهضة باستخدام ملف المياه كأداة ابتزاز سيادي لإشغال الجيش المصري بفرضية المواجهة الوجودية مما يستنزف التفكير الاستراتيجي والموارد وثانيها الاتجاه الشرقي والجنوبي الشرقي البحر الأحمر عبر تحويل البحر الأحمر إلى منطقة عدم استقرار دائمة باستمرار توترات الملاحة بهدف ضرب إيرادات قناة السويس وهي الشريان المالي الذي يدعم استقلالية القرار العسكري المصري وثالثها الاتجاه الغربي والجنوبي ليبيا والسودان بإبقاء حالة الدولة الفاشلة على حدود مصر يفرض على الجيش حالة استنفار دائم مما يرفع تكلفة التأمين ويمنع التفرغ لمشاريع التنمية أو التصنيع العسكري المتطور.
وتبرز الحرب الخوارزمية كأخطر أدوات الاستهداف بالإضافة إلى محاولات تآكل الثقة لفصل الكتلة الحرجة (الشعب) عن درعه (الجيش) عبر تضخيم الأزمات الاقتصادية وتشويه سمعة المؤسسة العسكرية دوليا كعائق أمام المدنية بهدف الوصول إلى حالة الانهيار من الداخل عبر تقارير حقوقية أو سياسية تهدف إلى فرض قيود على صفقات التسلح النوعية خاصة في مجالات التقنيات والدفاع الجوي المتطور وفخ الإستدراج للحروب عبر محاولة جره للحرب خارج حدوده في صراعات لا تخدم مصر وشعبها واستغلال حاجة مصر الإقتصادية لتكون رأس حربة للدخول في الحرب ضد إيران وهو ما ترفضه القاهرة لأنها تدرك هذا الفخ وتدرك أن استنزاف قواتها في الخارج هو مقدمة لضعفها في الداخل باعتبارها الهدف القادم.
استهداف مصر لا يتعلق بها وحدها بل لأنها الدولة المانعة لانهيار النظام العربي والمانعة لتحول المنطقة إلى كانتونات عرقية وطائفية فالجيش المصري هو عمود الخيمة الذي إذا انكسر سقطت خيمة المنطقة بالكامل تحت وطأة الفوضى والتبعية المطلقة والهدف هو أن يسقط عمود الخيمة بيد أصحابه لا بيد أعدائه.
سقوط مصر استراتيجياً يعني تحويل المنطقة من دول ذات سيادة إلى جغرافيا للنهب فمصر ليست هدفاً لذاتها فقط بل لكونها السد العالي الذي يحجز طوفان الكانتونات التي تنتظر دورها لابتلاع ما تبقى من العروبة.
الضغط لدفع مصر نحو حرب ضد إيران هو محاولة لاستنزاف الاحتياطي القومي العربي الأخير فيراد تحويل الجيش المصري من درع وقائي إلى طرف صراعي لأن الدخول في حرب مع إيران يعني استهلاك المخزون النوعي من السلاح والروح المعنوية في معركة صفرية والمستفيد الوحيد منها هو من يقف خلف الستار يراقب استنزاف القوى الإقليمية لبعضها البعض.
القوى الطامحة لإعادة رسم الخرائط تدرك أن الجغرافيا المصرية لا تقبل القسمة فبينما يمكن تفتيت دول أخرى إلى كانتونات طائفية تظل مصر كتلة صلبة ديموغرافياً وجغرافياً لذا انتقل الاستهداف من محاولة كسر الدولة إلى محاولة تسميم الوظيفة أي جعل مصر تحمل أعباء اللاجئين والأزمات وضعيفة بما يكفي لعدم القدرة على التأثير في القرار الإقليمي لذا تُستهدف لأنها بيضة القبان في مختبرات الجغرافيا السياسية.
إذا انكسر هذا السد (مصر) لن تفيض المياه بل ستفيض الكانتونات وسيتحول الشرق الأوسط إلى فسيفساء من الدماء حيث لا دولة مركزية بل ميليشيات طائفية وعرقية تتصارع على الفتات بينما تُدار الموارد من خلف البحار
فمعركة اليوم هي معركة الوعي بالاستهداف فإذا أدرك الشعب المصري وأشقاؤه العرب خصوصا دول الخليج والتي هي هدف أيضا ضمن هندسة التفكيك بأن كل ضغط اقتصادي أو تحريض إلكتروني هو رصاصة خوارزمية تستهدف عمود الخيمة العربية فمصر لا تدافع عن حدودها فقط بل تدافع عن فكرة الدولة في زمن يراد فيه للمنطقة أن تعيش بلا رأس ولا جسد ولا حتى دولة.
العالم يعيش اليوم لحظة إعادة رسم لخرائط النقل والاقتصاد العالمي حيث تتنافس القوى الكبرى على السيطرة على الشرايين التي تنقل الطاقة والبضائع بين القارات وفي قلب هذه المعركة تقف مصر بوصفها الحارس الجغرافي لأحد أهم هذه الشرايين قناة السويس التي تمر عبرها نسبة مؤثرة من التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.
اليمن يمثل العقدة الاستراتيجية الرابعة في الشبكة الإقليمية ومفتاح التحكم في شرايين الملاحة الدولية بموقعه على مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي ويستهدف منذ سنوات واستهدافه هو جزء من الحصار متعدد الأبعاد الذي يواجه المنطقة إذ أن أي انهيار في اليمن لا يؤدي فقط إلى تهديد الحدود الجنوبية للخليج بل يضعف العمود الرابع في شبكة توازن القوى الإقليمية ويعطي فرصة للقوى الخارجية لإعادة رسم الخرائط على طول الساحل الجنوبي للبحر الأحمر وبهذا تصبح شبكة الأعمدة الأربعة التي تحمي النظام العربي مصر العمود الديموغرافي والعسكري الأساسي وتركيا الجسر الصناعي والعسكري بين آسيا وأوروبا والخليج خزان الطاقة والتمويل واليمن السيطرة الاستراتيجية على مضيق باب المندب والممرات البحرية الجنوبية واستقرار هذه الأعمدة الأربعة هو شرط استمرار النظام العربي كمنظومة دولية متكاملة وأي انهيار لأحدها يهدد الشبكة بأكملها ويعيد المنطقة إلى الفوضى والكانتونات الطائفية والعرقية.
وهنا يتضح أن المعركة الدائرة ليست فقط حول النفوذ الإقليمي بل حول من يمتلك مفاتيح العبور بين الشرق والغرب في القرن الحادي والعشرين.
قراءة المشهد الاستراتيجي لا تتوقف عند حدود مصر وحدها بل دول رأسها تركيا ودول الخليج ضمن دوائر الاستهداف المحتملة فهذه الكتلة تمثل بعد مصر العقدة الجيوسياسية الثانية في معادلة الشرق الأوسط ففي بعض الأدبيات الجيوسياسية يُشار إلى الشرق الأوسط بوصفه بنية توازن تقوم على تلك الأعمدة الأربعة الرئيسية تحفظ قدرته على البقاء كمنظومة دول لا كفسيفساء من الكيانات الصغيرة ووفق هذا التصور فإن إعادة هندسة جذرية للمنطقة لا يمكن أن تتم إلا عبر إسقاط هذه الأعمدة تدريجياً وإعادة تعريف أدوارها بحيث تتحول من قوى قادرة على صياغة التوازنات الإقليمية إلى قوى ضعيفة منشغلة بإدارة ضغوطها الداخلية ومحيطها الأمني ومن هنا يمكن فهم تزامن الضغوط الجيوسياسية التي تحيط بهذه المراكز الأربعة.
الجيش المصري ليس مجرد تشكيل عسكري بل هو الشيفرة الوراثية لبقاء الدولة الوطنية العربية وفي مواجهة حروب الخوارزميات وصناعة اليأس تظل القدرة على الرفض هي أقوى أسلحة القاهرة فالمعركة اليوم ليست بالسلاح وحده بل بالوعي الذي يدرك أن الحفاظ على عمود الخيمة هو صيانة لشرف المنطقة بأكملها وأن الصمود المصري هو الذي يؤجل وربما يلغي موعد سقوط الشرق.
وأختم بالقول في الجغرافيا السياسية لا يعني سقوط عمود واحد سقوط دولة فقط بل بداية انهيار السقف الذي يحمي المنطقة بأكملها فإذا كانت مصر هي السد وتركيا هي الجسر والخليج هو خزان الطاقة واليمن العقدة الإستراتيجية ومفتاح التحكم فإن كسر أحدها لا يغيّر دولة واحدة فقط بل يغيّر شكل الشرق الأوسط بأكمله.
*نقلا عن رأي اليوم
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر