الأربعاء , أبريل 15 2026
الرئيسية / اراء / ضجيج وبذاءة!

ضجيج وبذاءة!

جاسم العزاوي*
في صباح يوم عيد الفصح، 5 أبريل 2026، لم يلجأ رئيس الولايات المتحدة إلى الدبلوماسية، بل لجأ إلى البذاءة. رسالته إلى إيران، التي بُثت للعالم بلغة عراك الشوارع، بدت وكأنها تهديد خُطَّ على جدار سجن .”افتحوا المضيق اللعين، أيها الأنغال القذرين، وإلا فستعيشون في الجحيم”
كان التوقيت فظاً، والصياغة أسوأ، أما الخاتمة، الحمدلله، فهي سخرية مغلفة بتقوى مستعارة. فلم يكن الأمر مجرد خروج عن الوقار، بل كان فعلاً تحريضياً. وقبل تسعة أيام من ذلك، وأمام جمهور من المستثمرين العالميين، صبَّ ترمب نيران غضبه على حليف. ففي حديثه عن ولي العهد السعودي الأمير محمد ًبن سلمان تفاخر ترمب قائلاً “لم يظن أنه سيقبل مؤخرتي… لكنه الآن مضطرلأن يكون لطيفاً معي”.
إهانتان؛ واحدة وُجهت لخصم، والأخرى لشريك. كلاهما صدرا عن الرجل نفسه، وبالنبرة ذاتها. وكلاهما سُمِعا في منطقة تتميز بذاكرة طويلة، حيث الإذلال ليس أمراً تجريدياً، والكرامة هي العملة السائدة. هكذا تبدأ الحروب، ليس دائماً بالقنابل، بل بالكلمات التي تجعل القنابل أمراً حتمياً.
ثمن الإذلال
في العالم العربي، ليست الكرامة مجرد زينة، بل هي هيكل أساسي. عندما تنتزعها علناً من زعيم ما، فأنت لا تحرج رجلاً فحسب، بل تدمر علاقة. لم يدافع ترمب عن محمد بن سلمان، بل كشف ظهره، وفي فعالية برعاية سعودية وأمام مستثمرين سعوديين. كانت الرسالة واضحة لا لبس فيها: انت لست شريكاً، انت تابع.
التزمت الرياض الصمت؛ لم تكن تملك رفاهية الرد. فالتبعية الاستراتيجية لواشنطن، خاصة في ظل التهديد الإيراني، تفرض الصمت والصبر. لكن الصمت في هذه السياقات ليس رضوخاً، بل هو جرحٌ مؤجل. الإذلال يتراكم بهدوء وصبر، وحين يُسدد الدين، نادراً ما يكون ذلك بلباقة.
وفي الوقت نفسه، فعلت نوبة الغضب في عيد الفصح ضد إيران شيئاً متهوراً بالقدر ذاته؛ إذ دمجت الإهانة بالتهديد، والابتذال بالسخرية الدينية. لقد قدم ترمب لطهران بالضبط ما تحتاجه: دليلاً مُذاعاً بصوت الرئيس نفسه على أن الولايات المتحدة لا تتحدث كدولة، بل كمحرض. ما كان بالإمكان لأي نظام أن يكتب سيناريو أفضل من هذا.
الأذن المبتورة
لقد شهد التاريخ مثل هذه الاهانات من قبل. في عام 1731، صعد ضابط إسباني على متن سفينة بريطانية في منطقة الكاريبي، ولما لم يجد مهربات، قطع أذن قائدها “روبرت جينكينز”. وتروي الحكايات أنه أعادها إليه محذراً: “أخبر ملكك أن المصير ذاته ينتظره”.
بعد سبع سنوات، وقف جينكينز أمام البرلمان وأخرج أذنه المبتورة. كان الغضب فورياً، وعاطفياً، ومفيداً سياسياً. تبعت ذلك حرب استمرت قرابة عقد من الزمان، قُتل فيها الآلاف، ولم يُحلّ فيها شيء. دخلت التاريخ باسم غارق في العبثية والدم.: “حرب أذن جينكينز”
الدرس قسري في بساطته: الإهانات، سواء كانت حقيقية أو مضخمة، يمكن تحويلها إلى سلاح. وبمجرد إطلاقها، تفلت من سيطرة من استدعاها. قد يتخذ القادة مواقف استعراضية، لكن الشعوب لا تفعل ذلك؛ بل تطالب بالانتقام. أدرك “والبول”، رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، أن الحرب لم تكن ضرورية وحذر منها، لكن تم تجاهله. كل عصر يعتقد أنه أكثر حكمة مما سبقه، وكل عصر يكرر الخطأ ذاته.
الإهانة المُصنّعة
إذا كانت حادثة أذن جينكينز حادثة عرضية، فإن برقية إيمس كانت متعمدة. في عام 1870 قام المستشار الألماني اوتو فو بسمارك بتعديل برقية أرسلها السفير الفرنسي الى الملك الألماني. عدل بسمارك الرسالة العادية لتبدو وكأنها إهانة مدروسة. أعلنت فرنسا الحرب بعدما حاصرها الغضب الشعبي، وكانت النتيجة كارثية: انهيار الإمبراطورية الفرنسية ونشوء ضغينة تغلغلت في تربة الحرب العالمية الأولى. أدرك بسمارك قوة الإذلال واستخدمها كمشرط جراح.
أما التهديد الذي تشكله رسالة ترمب، فينبع من غموضها لا من دقتها. فلا يوجد دليل على وجود تخطيط، ولا هدف استراتيجي يمكن تمييزه خلف هذه الإهانات. إنها ليست مشرطاً، بل هي مطرقة تُهزُّ بعشوائية في غرفة مليئة بالزجاج. ومع ذلك، قد لا تكون العواقب أقل خطورة.
عبء الإصلاح
الحروب التي تُبنى على الإهانة لا تنتهي بشكل نظيف؛ فهي تلبث وتتقرح، وتسمم المفاوضات المستقبلية، وتصبح لغة للمظالم.
السعودية ليست دولة هامشية؛ إنها ركيزة أساسية في أسواق الطاقة العالمية، وأمن الخليج، والهيكل الهش الذي يربط المنطقة ببعضها. إن الحط من قدر قيادتها علناً يعني إضعاف ذلك الهيكل من الداخل.
وفي الوقت نفسه، فإن إيران دولة دفعتها قيادتها بالفعل لرؤية الولايات المتحدة كمعتدٍ. فعندما يستخدم الرئيس الأمريكي البذاءة والتهديد والسخرية الدينية في آن واحد، فهو لا يرهبها، بل يؤكد شكوكها ويثير غضبها.
كل كلمة تقوي المتشددين، وكل إهانة تضيق مساحة الدبلوماسية، وكل نوبة غضب ترفع التكلفة السياسية على الجانبين للجلوس مجدداً على طاولة واحدة. ومع ذلك، سيتعين عليهم يوماً ما الجلوس وجهاً لوجه.
الرجال الهادئون الذين ينظفون الفوضى
لا يُنهي الحروب أولئك الذين يشعلونها، بل يُنهيها أولئك الذين يتحتم عليهم تنظيف الفوضى من بعدهم: الدبلوماسيون، والوسطاء، والمفاوضون في الغرف المجهولة في عُمان أو جنيف أو إسلام آباد. يعملون في صمت، يرممون ما انكسر بصخب. عليهم إعادة بناء الثقة حيث لا توجد ثقة، وترجمة الغضب إلى لغة، وتحويل الإذلال إلى تسوية. كل عبارة بذيئة يتفوه بها زعيم تصبح عقبة يجب عليهم تفكيكها كلمة بكلمة. التاريخ لا يتذكر أسماءهم، بل يتذكر الحروب، ولكن بدونهم لم تكن لتنتهي أي منها.
الحساب الحتمي
أذن مبتورة أشعلت حرباً دامت تسع سنوات. برقية مُتلاعب بها أعادت تشكيل أوروبا لأجيال. والآن، في عام 2026، يُقال لنا إن البذاءة غير ضارة، وإن هذا هو أسلوب “الإهانات”، وإن هذه هي الطريقة التي تتحدث بها القوة.
الحقيقة أنها ليست كذلك. إنها الطريقة التي تنهار بها القوة لتتحول إلى مجرد نزوات.
إذا كانت الكلمات مهمة؛ فهي مهمة دائماً. السؤال هو ماذا سنسمي الحرب التي ستلي ذلك، وهل ما زال هناك أحد في واشنطن يدرك كلفة الكلام قبل التفكير. لأن التاريخ، على عكس السياسيين، يحتفظ بسجل دقيق، وهو لا يرحم أبداً أولئك الذين يخلطون بين الضجيج والقوة.
*كاتب واعلامي عراقي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

ترامب.. الإنسانيّة والمسيحيّة براءٌ منكَ!

زهير حليم أندراوس* أولاً، هاجم الرئيس الأمريكيّ، دونالد ترامب، البابا ليو الرابع عشر ردًا على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *